توضيح إشكالات وردت على إحدى المقالات

رسالة من أرض بابل

 

رسالة من أرض بابل

بعث إلي أحد الإخوة من محافظة بابل بتاريخ (5/10/2007) رسالة تضمنت بعض الأسئلة والإشكالات، أثارتها مقالتي المنشورة على الموقع في (15/7/2007) بعنوان (وقفة مع غوستاف لوبون مؤسس علم نفس الجماهير). وأنا أختصر تلك التساؤلات والإشكالات في سؤاله الأخير. أما البقية فتجدها مضمنة في المقال؛ تجنباً للإطالة. يقول الأخ السائل في ذلك السؤال:

(ثم جاء في نص آخر: (إن التأكيد المجرد والعاري من كل حجة عقلية يشكل الوسيلة الموثوقة لإدخال فكرة ما في روح أي مجتمع. وكلما كان التأكيد قاطعاً، وخالياً من أي حجة عقلية، يفرض نفسه بهيبة أكبر) ولا أدري: مجرد وعار من ماذا؟ ولا أدري بماذا أدعو؟ إن أي مجتمع يعيش حياة اللاوعي هو مجتمع مريض. فإذا أردنا أن نعالجه، أليس الأحرى بنا أن نستخدم العلاج الأمثل في شفائه؟ إذ إنك لو أخرجت مجنوناً من مستشفى المجانين إلى مستشفى الأصحاء بغير علاج لم يتغير إلا اسم المستشفى فقط. وأنا على يقين أن المجتمعات الضالة تتبنى الأفكار بغير الحجج العقلية. وهذا لا ينطبق على المنهج الرباني. إنه لا يخاطب أي مجتمع على اختلافه إلا بالحجج العقلية والبراهين الدالة على صدق ما جاء به رسل الله. وهل نظن في مجتمع لا يقبل بلغة العقل والبرهان أن فيه خيراً؟ يقول سبحانه: (أفلا تعقلون) تعقلون ماذا؟ أليس هذه دعوة من الله لصرف العقول إلى البراهين والأدلة العقلية؟ فلا أدري هل يتوافق منهج غوستاف مع منهج الله جل في علاه؟ لا أريد أن أطيل عليك. لكني أظن الفكرة قد وصلت).

وجوابي عن هذا السؤال، وبقية الأسئلة والإشكالات ما يلي:

إن غوستاف لوبون يتحدث عن القوانين التي تحكم التغيير الجماعي، وتوثر في عملية تحول المجتمعات من طور إلى طور في قناعاتها وأفكارها، بغض النظر عن كيفية الاستفادة من هذه القوانين وتطبيقها عملياً على أرض الواقع.

إن هذه القوانين تمثل الأسس التي ينبغي أن يستند إليها أي شخص يريد أن يؤثر في الجمهور بالاتجاه الذي يريده. وإغفالها يؤدي إلى الفشل في تحقيق المراد. وهذه الأسس هي سنن غالبة لا يمكن تغييرها، أو تجاهلها، وإلا كانت النتيجة على غير ما نريد.

إلى هنا نحن لا زلنا في دائرة القانون العام، لم ندخل إلى حرم الشرع والجائز وغير الجائز. متى ندخل ذلك؟ عندما نستعمل هذه القوانين أو الأسس أو السنن في عملية التغيير. فإن كانت صيغة الاستعمال شرعية، كان العمل مشروعاً. وإن كانت الصيغة نفعية مجردة عن الشرعية كان العمل ممنوعاً.

مثال ذلك: المال. تأثيره على النفوس واضح ومعلوم، بحيث يمكن القول: إنه أحد الوسائل القوية في التأثير على الأفراد والجمهور. يتساوى في ذلك المجتمع المسلم الراشد، والمجتمع الملحد الشارد. هذا قانون اجتماعي لا يمكن لك أن تنكره أو تتجاهله. ودور المال والاقتصاد فعال في كسب الناس وتغييرهم، بحيث لا يمكن لأي دعوة أو فكرة تتبناها جماعة أو حكومة أن تجد لها قبولاً لدى الناس من دون أن يجدوا لها مصداقاً على الواقع تحسناً في أحوالهم المعيشية والاقتصادية. لهذا جاء الربط في الإسلام بين الصلاة والزكاة، وجاء الأمر بالإحسان إلى الناس. بل تحبب الله جل وعلا إلى خلقه، ودعاهم إلى عبادته عن طريق تذكيرهم بنعمه. حتى قال سيدنا إبراهيم عليه السلام لقومه: (إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (العنكبوت:17).

لكن.. من الناس من يستعمل المال استعمالاً نفعياً مجرداً مخالفاً للشرع، يشتري ذمم الناس وأصواتهم، ويوجههم  بما يحقق أغراضه. كما يفعل المرشح للانتخاب في دول الغرب والشرق. هذا القدر من العملية ممنوع شرعاً، وليست العملية كلها ممنوعة من الأساس، بحيث نقول: إن المجتمع المسلم الراشد لا يتأثر بالمال، ولا يجوز لنا أن نستعمل المال في التأثير عليه، وإن كان في الاتجاه المشروع. إننا حينئذ نقول لك: قف هنا، وفرق بين الأمرين: فرق بين القانون، وبين استعمال القانون. الخطأ ليس في القانون، إنما في طريقة استعماله.

عندما نقول: “التأكيد القاطع مع التكرار المستمر هو الذي يغير المجتمع أو الجمهور، وليس المحاججات العقلية”. هذا قانون، لا يمكن لنا أن نلغيه – إذا ثبت لنا أنه قانون – بحجة أن المجتمع مسلم راشد، ونثبته إذا كان المجتمع غير مسلم.

أين الصحة؟ وأين الخطأ؟

الصحة أولاً في سلامة القانون من حيث أنه قانون . وثانياً في استعماله استعمالاً شرعياً، بحيث نعتمد على بيان الحق بالحجج الشرعية، لكن مع التأكيد والتكرار.

والخطأ في أمرين: الأول: في استعمال القانون لإشاعة الباطل على طريقة “اكذب اكذب حتى يصدقك الناس”. والثاني: في تجاهل القانون، وعدم استعماله. بحيث نقتصر في الدعوة إلى الحق على طرح الحجج العقلية، دون التأثيرات النفسية والإيحائية، وإثارة مكامن الشعور الإنساني بالاتجاه الرباني.

ما الذي نشر التشيع – وهو باطل – غير الطرق المؤكد المستمر، وبالأساليب الإيحائية العاطفية؟ وما الذي جعل التسنن – وهو حق – يراوح في مكانه سوى الجمود على الطريقة المنطقية أو العقلية في طرح الحق الذي نحمله؟ وضعف الإصرار عليه. إن علينا أن نرفع شعار: “اصدق اصدق حتى يصدقك الناس”.

ولكن لو افترضنا أن صاحب الحق طرح ما عنده من حق على الجمهور، دون ذكر لأي حجة عقلية، وظل يؤكد عليه بقوة واستمرار، ألا يؤدي ذلك إلى انتشار الفكرة التي يدعو إليها؟ أكيد. لكن أيهما أقرب للشرع؟ لا شك أن المزج بين الأمرين أقرب.

هنا يترشح لنا ثلاثة احتمالات:

1. الدعوة إلى الباطل باستعمال القانون

2. الدعوة إلى الحق باستعمال القانون

3. الدعوة إلى الحق باستعمال القانون حسب الشرع

أما الأول فباطل، وأما الثاني فصحيح غير تام. والمطلوب هو أن ندعو إلى الحق، بمضمون الحق، مستندين على الأسس والقوانين أو السنن الكونية التي وضعها الله في خلقه. وهو الاحتمال الثالث.

نأتي الآن إلى تفحص ما قرره غوستاف لوبون من قوانين لنتأكد من صدقها.

 

انخفاض مستوى الملكات العقلية للجمهور

أما تقريره أن (الميزة الأساسية للجمهور هي انصهار أفراده في روح واحدة وعاطفة مشتركة تقضي على التمايزات الشخصية، وتخفض من مستوى الملكات العقلية). فأرى هذا صحيحاً. وإن كان ثمة أفراد عقلاء أذكياء. فحين نصف مجتمعاً بأنه خرافي نصفه طبقاً لما غلب عليه. وحينذاك يذوب تأثير الأفراد في المجموع. إلا عندما يكون لدى الفرد طاقة كبيرة يقرر فيها الخروج على ما تواضع عليه المجتمع. لكن الغالب الملاحظ أن الفرد – مع ذكائه وعقله – يكون في المجتمع والتجمع الطارئ الخرافي خرافي السلوك والتفكير. انظر إلى الحشود المزدحمة عند المراقد، ومواكب اللطم والتطبير: كم فيها من أذكياء عقلاء؟ وتأمل سلوك المجموع في مسيرة أو مظاهرة: كيف يتصرفون أحياناً، لا سيما عند الهيجان! حتى تقول: أليس فيهم رجل رشيد؟ فيهم رجال راشدون، ولكن انصهروا في جهالات الجاهلين، وغابوا في لجة عبث الغاوين. وهذا ما يسميه البعض بـ(حاكمية المجموع). وسمه – إن شئت – (حاكمية المذهب، أو الحزب أو الجماعة) أو سمه ما شئت بإضافة (الحاكمية) إلى ما شئت من أسماء.

وهذا يقودنا إلى حقيقة مهمة جداً هي: أن الديمقراطية التي يدعو إليها الغرب ما هي إلا حيلة أو شرك ينصبه الخبثاء لاصطياد الجمهور المغفل. إنهم يدركون أن الملكات العقلية للجمهور – كجمهور – منخفضة؛ فيسهل عليهم التأثير عليه بالوسائل المناسبة للتأثير على الفرد المنخفض الملكات كالحمقى والسذجة والأطفال. عندها سيختار الجمهور ما تريده النخبة المستفيدة له أن يختاره، متصوراً أنه اختار ما اختار بمحض اختياره. والحقيقة أنه انساق بلا وعي إلى هدف منصوب له مسبقاً من قبل أولئك النخبة الخبيثة. هل انتبهت إلى أنهم في حقيقتهم فراعنة، يوردون أقوامهم ما أورد فرعون قومه، ولكن دون استعمال ما استعمله فرعون من القوة. هل ترى جورج بوش، أو جون هوارد، أو توني بلير أقل شراً وصلفاً وطغياناً من فرعون؟ لكنهم فراعنة (محسّنين) ـ بتشديد السين وفتحها ـ .

أقول: أليس هذا ما يجري على الواقع؟ وإلا كيف انتخب ذلك الجمهور ما أشارت إليه (المرجعية الحكيمة) من مرشحين؟ أليس فيهم من رجل رشيد أو حكيم؟! بلى فيهم، وفيهم.. ولكن ساقتهم (حاكمية المجموع) إلى حتفهم بظلفهم. وهم اليوم يلعنون اختيارهم، ويندبون حظهم. ولكن هل تظن الأمر سيتغير في الجولة القادمة؟ أما أنا فلا أظن. (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ) (الأنعام:28). ولضعف إدراك جماعتنا لهذه الحقائق والأسرار تجدهم ينخدعون بأقوال بعض الشيعة، ورموزهم، إذ يأتون إليهم يشكون إليهم سوء الحال، وقبح المآل، ويذمون مراجعهم وعلماءهم وقادتهم. ولربما كانوا صادقين في شكواهم. ومتحققين من ذم علمائهم. لا مانع من هذا. لكن المهم هو موقفهم، وليس ما يقولونه بألسنتهم، وإن كان مطابقاً لما في قلوبهم. المهم أين سيكون الاصطفاف عند نقطة الافتراق: مع المراجع المذمومين؟ أم مع من يجلسون إليه، وينثرون الشكوى تلو الشكوى بين يديه؟ هذا هو المهم. وإلا تكرر علينا ما جرى على سيدنا الحسين رضي الله عنه، حين سأل عن الناس؟ فقيل له: (قلوبهم معك وسيوفهم عليك)!

 

من عناصر القيادة

وأما قوله: (إن الجماهير أياً تكن ثقافتها أو عقيدتها أو مكانتها بحاجة لأن تخضع إلى قيادة محرك. وهو لا يقنعها بالمحاجات العقلانية والمنطقية، وإنما يفرض نفسه عليها بواسطة القوة. كما أنه يجذبها ويسحرها بواسطة هيبته الشخصية تماماً كما يفعل الطبيب الذي ينوم المريض مغناطيسياً).

فالرجل يتكلم عن قانون آخر من قوانين التغيير الاجتماعي، وهو القانون الذي به تكون قيادة الجمهور. إن المحاججة العقلية والمنطقية وحدها لا توصل القائد إلى السيطرة على الجمهور والإمساك بقيادته، وزمام حكمه. وإلا لصار أحكم الناس هو قائد الناس. وهذا لم يقع مرة. ورسول الله صلى الله عليه وسلم خير شاهد. حين كان ضعيفاً مستضعفاً، لم تنفع حججه مع الناس. لقد فرض نفسه بالقوة. ولولا القوة لما استطاع إزاحة الخصوم. وجذبهم بهيبته الشخصية، حتى قيل عنه: “ساحر”! وهو ما يسمى بالمصطلح الغربي الحديث “الكاريزما”. أو (الآسرية) أو (الحضور)، كما يمكن لنا أن نسميها. لكن لم يكتف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، إنما دعا إلى الحق، وفرض نفسه، ولكن بالحق. ونحن اليوم مهما يكن عندنا من حق، ومهما استعملنا من حجج وبراهين، لن نتمكن من قيادة الجمهور، ما لم نستعمل القوة. ألم تسمع لشيخك وهو يقول: (القوة العمياء بلاء .. والبصيرة الشلاء عناء). ويقول: (لا يخدعنك إقبال الجمهور؛ فهو سريع التقلب، ما لم يكن بيدك أعنة الترغيب، أو أسنة الترهيب).

وما سر تفلت الجمهور وانقلابه على عثمان وعلي، حتى قتلهما: فقدان الحجة؟ أم ضعف القوة؟ وعثمان رضي الله عنه هو القائل: (إن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن). وعلي رضي الله عنه هو من قال: (لا رأي لمن لا يطاع).

لقد استعمل الرسول صلى الله عليه وسلم كل المؤثرات النفسية خدمة لدعوته، وإيصال فكرته، ونجاح قضيته. ولنا في موقفه من الحلس بن علقمة الكناني سيد الأحابيش، في يوم الحديبية لعبرة. بعثته قريش يفاوض عنها. فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن هذا من قوم يتألهون, فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه))، وأمر برفع الصوت في التلبية، فلما رأى الحلس الهدي يسيل عليه من عرض الوادي في قلائده، رجع إلى قريش قبل أن يصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ وذلك إعظاما لما رأى! واختلف معهم، وفارقهم. لم يستعمل الرسول هنا أي حجة عقلية، إنما هي وسيلة من وسائل التأثير النفسي، للوصول إلى الغاية عن طريق الإيحاء.

 

التأكيد المجرد عن الحجة

وما قلته يمكن أن يقال في الإشكال الوارد على القول الآخر: (إن التأكيد المجرد والعاري من كل محاجة عقلانية أو برهانية يشكل الوسيلة الموثوقة لإدخال فكرة ما في روح الجماهير. وكلما كان التأكيد قاطعاً وخالياً من كل برهان فرض نفسه بهيبة أكبر). هو يثبت حقائق دون النظر إلى شرعيتها من عدمها. وكون الأمر غير مشروع لا يلغي حقيقة وجوده. فلو قال قائل: “إن الخمرة والمرأة أسرع إلى التأثير في شخص ما”. لا يصح أن ننكر قوله من حيث أنه حقيقة واقعة. إنما ننكره من حيث أنه مجانب للحق، أو أنه غير مشروع. لكن عدم مشروعيته أو أحقيته لا يلغي حقيقة وجوده، أو وجود حقيقته. هذا شيء، وهذا شيء.

بقي لي أن أقول: إن هذه التقريرات بدأت بملاحظتها قبل سنين من عثوري على كتاب غوستاف لوبون (سايكولوجية الجماهير)، وقمت ببيانها من فوق منصة المحاضرة في بعض المساجد، وسجلتها في كتابي (لا بد من لعن الظلام). وصرت أتحدث بها إلى الخاصة من أصحابي. وذلك لكثرة تقليب الأمور في كيفية التأثير في عامة المجتمع؟ ومن أين نبدأ؟ وكيف نبدأ؟ وما سر التفوق الشيعي، وانتشاره، على حساب ضعف الخطاب السني في بعض الأماكن؟ وما السر في ضعف هذا الخطاب؟ لكنني حين وجدت الكتاب وقرأته في خريف عام (2005) وجدت تشابهاً كبيراً بين التقريرين. فزادني ذلك وثوقاً بما عثرت عليه من قبل من قوانين رأيت أنها امتلكت بعض الأسرار في التأثير والتغيير الجماعي.

 

التخطي إلى شريط الأدوات