مقالات

التعايش بين أهل السنة والشيعة رؤية موضوعية واقعية (2)

تكلمنا في الجزء الأول من هذا المقال عن السبب الأول والثاني من أسباب صعوبة التعايش بين السنة والشيعة وهما (العقيدة والعقدة)، وفي هذا الجزء نكمل بقية الموضوع:

  1. آثار العقدة والعقيدة الشيعية على الواقع

للعقد النفسية والعقيدة الدينية الشيعية آثار وتداعيات في السياسة والحكم، والسوق والاقتصاد، والفكر والثقافة، والأخلاق والسلوك، والعلاقات والاجتماع، وما إلى ذلك. تنعكس سلباً على الواقع فتجعل التعايش أمراً صعب التحقيق، غالي الثمن. خذ مثلاً:

  1. تغيير مناهج الدراسة فيما يتعلق منها بمادة الدين والتأريخ واللغة والأدب. كيف أستطيع أن أبلع ما صار يدرس في هذه المواد من أن محمد باقر الحكيم الذي حارب العراق ثماني سنين مع دولة عدوة غازية أجنبية، وأشرف بنفسه، بل مارس بيده، تعذيب الأسرى العراقيين في زنازين إيران، وهو مؤسس منظمة بدر العميلة الإرهابية التي اغتالت آلاف العراقيين قبل الاحتلال وبعده، الذراع العسكري لحزب إيران المسمى (المجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق) – و(الإسلامية) هنا تعبير مخفف عن (الإيرانية) – ولا يرضون بهذا حتى يسلبوا فاروق الأمة لقبه ليضفوه على هذا القزم القميء ويسمونه (شهيد المحراب)؟! كيف أرضى أن يدرس ابني وابنك تاريخ الخونة على أنه تاريخ الوطنيين في بلادي؟! وكيف أرضى الطعن بتاريخي كله من لدن الخلافة الراشدة وإلى اليوم؟ دعك من تحريف الدين! ثم إن الشيعي – في المقابل – لا يرضيه أن يدرس ابنه ما نريد تدريسه لأبنائنا عن تاريخ أمتنا. إن هذه شواخص حقيقية لا يحق لأحد – ولا يمكن له تجاهلها – من أجل شعار التعايش بين الطرفين.
  2. أضف إلى ذلك انعكاس الفقه الشيعي المرتبط بالعقيدة على الأخلاق، مثلاً: نكاح المتعة الذي يفشو الآن في بغداد وغيرها من المناطق المختلطة (بين السنة والشيعة)، ويسري في هذه الأوساط كالنار في الهشيم، كيف يهدد عفاف بناتنا، ويفسد أخلاق شبابنا.
  3. التنافس في الكسب والارتزاق وتهميش أهل السنة في جميع مجالات الاقتصاد: من السوق إلى الوظائف والأعمال، إلى دوائر التحكم في حركة المال والبناء والتطوير.

وإذا كانت الفكرة تثرى بضرب الأمثلة فهذا واحد من عشرات آلاف الأمثلة التي تحدث على مدار عجلة الحياة في العراق الجديد: لي صديق ضابط مهندس برتبة مقدم، فصل من الوظيفة سنة (1999)، اغتيل أخوه في بداية الاحتلال، واعتقل هو في (20/12/2003) بوشاية شيعية مع (16) شخصاً. قتل (15) منهم بعد الإفراج عنهم على يد منظمة بدر، والأخير أصابته طلقة في وجهه ونجا بأعجوبة. أما هو فغادر المنطقة.

قدم صديقي هذا طلباً إلى مؤسسة السجناء والمفصولين السياسيين الكائنة في الكرادة، ليحصل على حقوقه المادية أسوة بأمثاله طبقاً للقانون الجديد، وأبرز لهم مرسوم الفصل، وهو دليل إثبات معتبر قانوناً، لكنهم لم يعترفوا به، مشترطين عليه جلب شاهدين من وحدته العسكرية! وهو شرط تعجيزي يستحيل تنفيذه على الواقع؛ فوحدته قد حلت، وتفرق أفرادها في البلاد، وعناوينهم مجهولة، والظرف الأمني لا يسمح، وأغلب زملائه الضباط قتلوا في المعركة الأخيرة! وهكذا خسر قضيته؛ لا لشيء إلا لأنه من أهل السنة. للمؤسسة المذكورة فروع في بغداد والمحافظات الأخرى. أحدها في حي اليرموك (السني). رفع فرع اليرموك إلى المؤسسة (250) اسماً، لم يقبل منهم سوى اثنين تبين أنهما شيوعيان! ورفضت معاملات الباقين؛ والسبب هو هو لا يحتاج إلى بيان.. وهكذا! دعك من السوق وتفاصيله، والوظائف والدوائر التي سيطر عليها الشيعة ولم يبقوا لأهل السنة منها إلا الفتات.

فموضوع التعايش لا يمكن أن ننظر إليه اليوم تلك النظرة التبسيطية ونقيس الوضع الذي نمر به على الوضع أيام الدولة العراقية التي كانت قائمة قبل الاحتلال؛ فذاك وضع، وهذا وضع مختلف. والأوضاع المختلفة لا يمكن قياس بعضها ببعض ما لم يتم إزالة الفوارق والقضاء على وجوه الاختلاف. والمشكلة أن البعض يقيس الحال تحت حكم نوري المالكي على الحال التي كانت تحت حكم صدام حسين ومن قبله!

  1. دور العلماء والدعاة الشيعة في شحن جماهيرهم ضد الآخر

تأملوا بماذا يشحن علماء الشيعة عوامهم وجمهورهم (وهذا في مجال الفكر والعقيدة فقط، دون الممارسة والتطبيق على الأرض بصور شتى لا تحصى):

يقول أبو القاسم الخوئي المرجع الديني الأكبر للشيعة في زمانه إلى حوالي منتصف التسعينيات من القرن المنصرم: (ثبت في الروايات والأدعية والزيارات جواز لعن المخالفين … بل لا شبهة في كفرهم). ثم استدل على هذا الحكم بأدلة عديدة منها قوله: (لإن إنكار الولاية والأئمة حتى الواحد منهم، والاعتقاد بخلافة غيرهم، وبالعقائد الخرافية، كالجبر ونحوه يوجب الكفر والزندقة)([1]). ويقول في كتاب فقهي آخر: (يجوز أخذ مال الناصب أينما وجد والأحوط وجوباً وجوب الخمس فيه من باب الغنيمة([2]).

أما نعمة الله الجزائري فيقول: (روى الصدوق طاب ثراه في العلل مسنداً الى داود بن فرقد قال قلت لأبي عبد الله عليه السلام ما تقول في قتل الناصب؟ قال: “حلال الدم لكني أتقي عليك، فإن قدرت أن تقلب عليه حائطاً أو تغرقه في ماء لكي لا يشهد به عليك فافعل”، فقلت: فما ترى في ماله؟ قال: “خذ ما قدرت”). والناصب عند الشيعة هو السني. والجزائري نفسه يقول هذا صراحة)([3]). والأهم من هذا أن التطبيق العملي لمستحقات اسم (الناصب) شمل كل سني دون تفريق؛ فإنهم في العراق يسقطون هذا الاسم أو الوصف على كل سني، ويطبقون عليه أحكامه من التكفير والاستباحة والقتل. فإن لم يجدوا دليلاً لجأوا إلى الأسماء الدالة كعمر وعثمان، وإلى بقية عناصر الهوية السنية، فيكون القتل على أساسها.

كما استدل الجزائري على جواز قتل أهل السنة بحادثة يروون أنها وقعت في زمن الامام موسى الكاظم رحمه الله حيث قال: (وفي الروايات أن علي بن يقطين وهو وزير الرشيد قد اجتمع في حبسه جماعة من المخالفين وكان من خواص الشيعة، فأمر غلمانه وهدموا سقف المحبس على المحبوسين فماتوا كلهم، وكانوا خمسمائة رجل تقريباً، فأراد الخلاص من تبعات دمائهم، فأرسل الى الامام مولانا الكاظم عليه السلام فكتب عليه السلام اليه جواب كتابه “بأنك لو كنت تقدمت اليَّ قبل قتلهم لما كان عليك شئ من دمائهم، وحيث أنك لم تتقدم اليَّ فكفِّر عن كل رجل قتلته منهم بتيس والتيس خير منه” ، فانظر الى هذه الدية الجزيلة التي لا تعادل دية أخيهم الأصغر وهو كلب الصيد فان ديته عشرون درهماً، ولا دية أخيهم الأكبر وهو اليهودي أو المجوسي فانها ثمانمائة درهم، وحالهم في الآخرة أخسّ وأنجس)([4]). كيف يمكن التعايش مع من يرى قتلك أهون من ذبح تيس، ودمك أنجس من دم الكلب؟!!!

 

  1. مجتمع ثأري حاقد ؛ فلا بد من ضوابط أمان

إن جميع وسائل التثقيف والتعليم في مدارس الحوزة والإعلام المرئي والمسموع والمقروء، ومواكب التعازي واللطم والتطبير واللعن والسب والمسيرات والتماثيل والتشابيه والخطب والمحاضرات وغيرها كلها تصب في هذا الاتجاه. إن هذا الضخ الطائفي البشع يمنع أصحابه من نية التعايش. اللهم إلا في ظروف خاصة؛ فلا يمكن الركون إلى الكلام المعسول الذي يبديه هؤلاء ما لم نتخذ الضوابط المأمونة التي تلزمهم بما يتفق عليه. فالتعايش بين جماعتين أو طائفتين كعقد البيع والشراء، أو الزواج بين اثنين: يعد باطلاً وغير ممكن التحقيق ما لم تكن الرغبة والموافقة حاصلة فيه من الطرفين. وما لم يتسلم كل طرف حقه المنصوص عليه في العقد.

إن هذا الذي نقوله ونقرره يشهد له التاريخ ويصدقه الواقع. ففي المناطق والدول التي يضعف أو يقل وجود الشيعة فيها، تجد الشيعي يتبع أسلوب التمسكن والتمظلم، طارحاً شعارات الأخوة والحوار والتقارب والتعايش والدين الواحد، وما إلى ذلك. لكنه ما إن يتمكن حتى يتنكر لذلك كله. وما حصل في إيران منذ ثلاثين سنة يشهد على صحة هذه الحقيقة. لقد تنكر الخميني لوعوده لقادة أهل السنة، وجازاهم جزاء سنمار. وكذلك فعل قادة الأحزاب الشيعية في العراق مع أهل السنة، الذين صدقوا وعودهم، ولم يعتبروا بغيرهم. وما يجري في لبنان شاهد ثالث لا يكذب. وهناك شواهد كثيرة لا أريد أن أطيل بذكرها.

جميع هذه الشهود والشواهد تثبت أن الشيعي من حيث العقيدة والعقدة لا رغبة أصيلة لديه في التعايش، ما لم يكن مضطراً أو ملجأً إلجاءً إليه. وبناءً على هذا المنهج العلمي في البحث والدراسة، المرتكز على معطيات العقيدة، وتأثير الخصائص والدوافع النفسية، واستنطاق التاريخ، والنظر في شواهد الواقع التي لا زالت شاخصة، محاولاً ما قدرت الابتعاد عن المؤثرات العاطفية، أستطيع القول:

لا بد لنا – إذا أردنا تحقيق التعايش مع الشيعة والركوب معهم في حافلة واحدة – من أحد أمرين:

  1. إما إزالة ما في كتبهم ومناهج حوزاتهم من التثقيف التكفيري الثأري الحاقد، وامتناع علمائهم ودعاتهم عن تصدير وتنمية ونشر هذه الثقافة التي صارت جزءاً من دينهم عقيدة وشعائر وممارسة. وإزالة كل الممارسات الطقسية الطائفية وما شابهها من كل ما يؤدي إلى أذى أهل السنة وتحديهم والتحرش بهم. والانتهاء عن سياسة الإقصاء والتهميش والضحك على الذقون. وأخذ حقوقنا التي نستحقها كمكون رئيس من مكونات البلد، لا يمكن اجتثاثه أو إلغاؤه من المعادلة. وهذا مستحيل في الوقت الراهن.
  2. وإما لا سبيل لنا لتحقيق التعايش من امتلاك القوة، ومسك أدوات الحكم والقرار بأيدينا؛ لنمنعهم من تدميرنا، وتدمير أنفسهم معنا. علينا أن نكون أرحم بأنفسنا من أن ندعها بأيدي السفهاء يلعبون بها. ويومها سيعلم السفهاء أننا أرحم بهم من أنفسهم بها.

نعم ليس الشيعة كلهم من هذا الصنف. ولكن هؤلاء المخالفين قلة – وإن كثرت – غير مؤثرة؛ فلا يمكن أن نعول عليها كثيراً، ولا قليلاً. إلا في باب الدعوة، والأخذ بأيديهم نحو المقاصد الخيرة. دون أن نفرط بأخذ الاحتياط الواجب في امتلاك القوة، التي هي الضمان الوحيد للتعايش المنشود.

وفي غياب هذين الأمرين الأساسيين، أو ضعفهما: لا بد من التفتيش عن حلول أخرى مناسبة، ليس من بينها القبول بالتعايش على أية حال تكون.

___________________________________________________________________________________________

  1. – (مصباح الفقاهة) ، الخوئي ج1 ص323-324.
  2. – منهاج الصالحين 1/325.
  3. 26- الأنوار النعمانية ، نعمة الله الجزائري ، ج2 ص307
  4. 27- المصدر نفسه ، ج2 ص308 .

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: