مقالات

مع سورة الكهف .. في طريق الرحلة الطويل (1)

jettBus[1]

كان طريق السفر طويلاً حقاً، لكن جو تشرين ينعش الروح، ويهدهد الجسد.

وإلى جانبي صديق، أغمض بعد قليل عينيه، ولوى رقبته و.. تركني وحيداً. ومن سقف السيارة تتدلى شاشات تعرض فلماً سمجاً. كان اليوم يوم جمعة، وقد جاء في الأثر فضل قراءة سورة (الكهف) في هذا اليوم المبارك من أيام الأسبوع. قلت في نفسي لأقرأ هذه السورة، على أن أصارع الضجيج وأجتهد في تدبرها رغم كل شيء. لم أكن متأكداً هل يمكنني ذلك أم لا؟ بهذه النية بدأت أتلو الآيات الأولى، وإذا بي يفتح لي في معانيها مغاليق لم تفتح لي من قبل! وبين هنيهة وأخرى يفتح صديقي عينيه ويعدِّل من رقبته قليلاً، فأغتنم الفرصة لمناقشته قبل أن يلقي برقبته إلى جانبه، ويغمض عينيه ثانيةً ليعود إلى ما كان عليه.

كانت بين يدي ورقة أقتنص فيها عناوين الأفكار، خشية أن تضيع مني، وأن عسى أن أجد الفرصة في قابل الأيام لكتابتها بشيء من التفصيل. وهكذا كان، فكانت هذه السطور، التي لا تمثل سوى إشارات دالة على بعض ما كان في ذلك اليوم الثقيل، الذي عانيته وأنا على كرسيي ذاك في تلك الحافلة الضيقة الطويلة، بضوضائها المزعج، كأنني في كهف ضيق كثرت فيه الهوام والحشرات؛ فأنا أريد الخروج منه بأسرع وقت، وإلى أي مكان:

الحمد لله

ما قرأت هذه الحمدلة الرائعة في أول السورة يوماً:

(الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجَا) (الكهف:1) إلا وشعرت بنعمة الله تعالى تهجم علي من كل جانب، ووجدت لهذه الكلمات الثلاث طعماً لا أجده لها في موضع آخر، وأفكر: ماذا لو لم يكن بين يدي هذا الكتاب؟ أيَّ إنسان أكون؟ وما مدى القلق الذي يستبد بي جراء الشك وعدم الاستقرار على حال؟ الحقَّ أقول لكم: أنا لا أستطيع تخيل نفسي لحظة من دون هذا القرآن. لو كان ذلك كذلك لكنت غارقاً في بحر من الضياع، وتائهاً في صحراء مترامية من التشتت والتخبط واللهاث وراء السراب. لا شيء في الحياة يمنحك اليقين كآيات القرآن؛ فالحمد لله الذي أنزل هذا الكتاب، والحمد له أن هدانا إليه. الحقيقة أنني عاجز عن تصوير ما يدور في خَلَدي من معانٍ لهذه الجملة التي تأخذ بمجامع لبي (الْحَمْدُ لِلَّهِ) في هذا الموضع على وجه الخصوص.

لا تعجب

وبينما كنت أغوص وراء لآلئ المعاني فأَجْني منها على قدر طاقتي وامتداد يدي، فتح صاحبي عينيه فتدحرجت في حجره بعض حباتها الجميلة:

  • (أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً) (الكهف:9).

هل العجب هنا يقتصر على ناحية الفعل الإلهي من حيث النوم الطويل لأصحاب الكهف، وحفظ النائمين أحياء طيلة هذه المدة، وحفظهم من تسلط الآخرين أيضاً؟ أم العجب من ناحية الفعل البشري كذلك؟ فأن يُؤْثر مجموعة من الشباب ضيق الكهف مع الله على سعة الحياة مع غيره! فيعرضوا عن الدنيا وما فيها من لذائذ ومتع، ويلجأوا إلى ذلك المكان الخشن الموحش الخالي من كل أسباب الحياة: شيء يدعو للإعجاب والعجب! ولكن لم العجب ولله في كل زمان ومكان عباد يأتون ذلك راضين شاكرين مطمئنين؟ وتأمل كيف كان العبور إلى الآية التي بعدها بواسطة الظرف (إذ) المرتبط بفعل الفتية (أوى):

(إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً) (الكهف:10).

تلقف صاحبي مني هذه الدرة ليضعها في مكانها من العقد فقال:

  • الكهف: كهف الخلوة. ألم يكن رسول الله يخلو في كهف؟ وهذا توجيه خفي من حبيب لحبيه حتى لا يداخله العجب مما فعل من ذلك. وهو بطبيعة الحال درس للأمة جميعاً إلى يوم القيامة.

وتذكرت قوله تعالى يوصي نبيه :

(وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ) (المدثر:6).

فقال:

  • نعم هذا بالضبط ما كنت أريد أن أقوله.

الرشَد

ولوى صديقي رقبته مرة أخرى، بينما كنت أتأمل في دعاء الفتية:

(رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَداً)،

وفي استجابة المدعو كيف كانت:

(فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقاً) (الكهف:16)!

والنشر عكس الطي، وهي كلمة تحمل من معاني السعة والامتداد الكثير، والناشر هو الله جل في علاه. وإذا كان العبد يتمرغ في سعة من رحمة الله فمن أين يتسلل إليه الشعور بالضيق حتى لو كان في كهف ضيق مهجور بعيد عن الإنسان والعمران!

وهم طلبوا (الرشد) لكن الكريم زادهم (مرفقاً)، وهو ما يحتاجون إليه مما يرتفق وينتفع به من وسائل العيش، ومنه المُتَّكأ والمخدة، مأخوذ من مرفق اليد. واللفظ يشي بالرفق واللين، رغم وعورة الصخر في ذلك الجبل! وهكذا هو خلق الكريم تطلب منه شيئاً فيزيدك فوق ما تريد:

(آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدىً) (الكهف:13).

ثم انظر إلى هذا الذكر المتكرر لكلمة الرشد (وهو الهداية) وتصريفاتها. وأول ذلك جاء على لسان الفتية طالبين من ربهم أن يهيئ لهم من أمرهم (رَشَداً) (الكهف:10)، فكانت الاستجابة بأن أنجاهم من فتنة قومهم وأسكنهم ذلك الكهف الآمن، وأن هذا هو الرشد.. الرشد الذي لا يؤتاه كل أحد:

(وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً) (الكهف:17).

يا لله! ما هذا الكهف! فيه الرحمة، وفيه الرشد والهداية، وفيه الأمن والحماية، وفيه مرتفق للعيش والبقاء! وإن هذه النعمة الموفورة والرحمة المنشورة لا تتهيأ لكل إنسان، ولا يمنحها الله لكائن من كان. فلا تستهن بما آتاك الله منها وإن كنت في قلة وإقلال، ولا يغرنك ما عند الناس من مال ومتاع. ليس هذا هو مقياس الكرامة عند الله، إنما المقياس هو الرشد والهداية ولو كان صاحبها فقيراً مُعدماً تضطره الحال إلى أن يلجأ ليعيش في كهف خالٍ من الزاد والزينة والمتاع!

والرشَد هو غاية مطلوب رسول الله:

(وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَداً) (الكهف:24)

وهو الهدف الذي من أجله كانت رحلة موسى مع فتاه إلى مجمع البحرين:

(قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً) (الكهف:66).

حسن العمل وحسن الأجر

ثم عدت إلى أول السورة عندما وصلت بقراءتي هذه الآية:

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً) (الكهف:30)

فقد شدني هذا التناسب بين حسن العمل في الآية السابقة وحسن الأجر في الآية التي سبقتها:

(وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً) (الكهف:2)!

وهل تمليت هذا الحسن في قوله تعالى:

(أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَاباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) (الكهف:31)؟

وهل أدركت على أي عمل حسن كان هذا الأجر الحسن؟ وهل وقفت أمام أولئك الفتية كيف لم يلتفتوا إلى الحسن الزائل إيثاراً للحسن الخالد:

(إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً * وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً) (الكهف:7،8)؟

الزينة

وتكرر ورود الزينة في السورة مراراً:

(وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (الكهف:28)

(الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) (الكهف:46).

والزينة ذكرت في عموم القرآن الكريم كقيمة أساسية من القيم التي تصد الناس عن الإيمان وتدفعهم إلى الكفر، حين يساء التعامل معها:

(وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالاً فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ) (يونس:88).

(زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) (البقرة:212).

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) (آل عمران:14).

لكن الذين سبقت لهم السعادة لا يلتفتون إلى كل هذا. إنهم يعرفون جيداً أنه عرَض زائل، ونعيم منقطع:

(وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً)

وضع للابتلاء:

(لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً).

ويعرفون جيداً قيمة الوصية الربانية:

(وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: