مقالات

الشعوبية .. كيف تسللت إلى داخل حصوننا (1)

1467341_238100253020556_583789043_n

حينما تضعف الأمة في ركيزتها الفكرية والإيمانية يتسلل الأعداء إلى داخل ساحاتها المحصنة..

وبمرور الزمن وتراكم الخلل تختلط على ذاكرتها الجمعية صورة عدوها بصديقها، ثم لا تعود تنتبه إلى مواطن الدس أو ثغرات التسلل إلى داخلها. عندها تبدأ شخصيتها بالذوبان شيئاً فشيئاً، حتى تصير مهددة بالانمحاق.

الوعي عنصر أساسي من عناصر المعادلة

كثيراً ما يتحدث الخطباء والدعاة عن العبادة والخشوع. وهذا مطلوب شرعي، لكن ليس بالعبادة وحدها يقوم الدين، ولا بالخشوع ترسو الدنيا على قواعدها.

نحتاج – مع هذا – إلى الوعي كي تتوازن كفتا عوامل المعادلة. هنا تعوزنا خطوة واحدة كي نبعث طاقات الأمة من مكامنها، ألا وهي تحريك العَبَدة الوعاة ليكونوا حملة قضية، وقادة للجمهور باتجاه الهدف المرسوم.

وإلا.. فعابد بلا وعي حجر كريم في صعيد من الأرض، يمكن بسهولة ويسر أن يتحول في أي لحظة إلى آلة رخيصة بيد الشيطان، وضحية بيد الأعداء، أو…. مطية لمشاريع الآخرين!

ولذلك قيل: “عالم واحد أشد على الشيطان من ألف عابد”. وهو صاحب العلم الواعي، لا العلم الذي هو مجرد كم مركوم بعضُه إلى بعض. وإذا كان الكم هو الفرق، وليس النوع، فليس من فرق جوهري بين علم العالم وجهل الجاهل!

هل تعلم أنه ليس في القرآن قصة لعابد! كل قصص كتابنا العظيم عن المجاهدين. المجاهد يحمل هم أمة، له وعي قاده ليكون صاحب قضية. حتى قصص الحيوان فيه أخذت النسق نفسه: (قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) (النمل:18). لم يشغلها الخوف على نفسها أن تحمل هم خلاص أمتها.

وهي نملة!

وهل تعلم أن كثيراً من العباد في التاريخ كانوا معاول هدم وتمزيق في بناء ونسيج المجتمع! فقد كانت سيوفهم مسلطة على رقاب الأمة بفتاوى شرعية يكون العابد الجاهل أحرص الناس على تنفيذها. وفي حديث الخوارج: (تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم وقراءتكم إلى قراءتهم)([1]) عبرة!

فاحذر يا ابن القادسية أن تكون واحداً من اثنين: عابد بلا علم، وعالم بلا وعي. وإياك أن تكون الثالث: واعياً ولكن بلا حركة باتجاه الهدف، فذلك هو الموت عينه، وهو العلم الذي هو حجة الله عليك.

الخليفة هارون الرشيد والشيخ فضيل بن العياض

زارني يوماً صديق يكبرني بسنين كثيرة، له في نفسي مكانة. وجه إلي نصائح أبوية، وأعطاني مجلة إسلامية. المجلة فيها موضوع بعنوان (النصيحة هكذا)، وقال لي: هذا موضوع جيد فأرجو أن تقرأه، ويا حبذا لو عرضته على المصلين يوم الجمعة. وهكذا كان.

في البدء مرت بي هذه الكلمات: “هذه نصيحة مقدمة إلى خليفة من خلفاء المسلمين الذين ملكوا الدنيا شرقها وغربها آنذاك.. الخليفة التي هابته امبراطورية الروم، وأذعنت لأمره الملوك.. الخليفة الذي نظر إلى الغمامة وهي في السماء وقال لها: أمطري حيث شئت فإن خراجك سوف يأتيني. إنه الخليفة العباسي هارون الرشيد”!

طيب، وماذا بعد؟

“يقول وزيره الذي رافقه في إحدى حجاته إلى بيت الله الحرام:

بعد أن انسلخت من خيمتي في إحدى الليالي دعاني وقال: لقد حاك في نفسي شيء لا يخرجه إلاّ عالم؛ فانظر لي رجلاً أسأله. فقال الوزير: هاهنا عالم مكة ومحدث الحرم سفيان. فقال هارون: امض بنا إليه.

قال الوزير: فأتينا خيمته وقلت: أجب أمير المؤمنين. فخرج مسرعاً ووجد الخليفة في الباب فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إلي لأتيتك. فقال الخليفة: جد لنا ما جئنا له فحادثه ساعة ثم سأله أعليك دين؟ قال: نعم، فقال: يا وزير اقض دينه. فانصرفنا فقال لي يا أمير المؤمنين: ما أغنى عني صاحبك شيئاً؛ فانظر لي رجلاً أسأله. فقال الوزير: هاهنا عبد الرزاق. فقال: امض بنا إليه. فقلنا كما مع الأول. ولما حادثه قال لي: اقض دينه ومضينا. فقال لي الخليفة: ما أغنى عني صاحبك شيئاً فانظر لي رجلاً أسأله.

قال الوزير: فقلت: هاهنا الفضيل شيخ الحرم ومن أئمة الهدى، فقال: امض بنا إليه. فأتيناه في خيمته فإذا هو قائم يصلي ويبكي ويتلو آية من كتاب الله ويرددها، فقرعت عليه فقال: من هذا؟ فقلت: أجب أمير المؤمنين. فقال: ما لي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله! أما تجب عليك طاعته؟ ففتح الباب ثم ارتقى إلى السراج فأطفأه، ثم التجأ إلى زاوية. فجعلنا نجول عليه بأيدينا فسبقت كف الرشيد كفي إليه فقال: أواه من كف ما ألينها إن نجت من عذاب الله! فقلت في نفسي: لأكلمنه الليلة من كلام نقي من قلب تقي.

قال هارون: جد لنا ما جئنا له رحمك الله، قال الفضيل: وفيم جئت؟ حملت على نفسك، وجميع من معك حملوا عليك حتى لو سألتهم أن يتحملوا عنك جزءاً من ذنب ما فعلوا ولكان أشدهم حباً أشدهم هرباً منك. وسكت الفضيل برهة”. ثم تتوالى النصائح وهارون الرشيد مع كل نصيحة يبكي بكاءً شديداً. يقول: “حتى غشي عليه، فقال الوزير للفضيل: ارفق بأمير المؤمنين. فأجابني: يا وزير قتلته أنت وأصحابك، وأرفق به أنا! ثم أفاق هارون وقال للفضيل: زدني”.

فما زال الفضيل يزيد وهارون يبكي… ثم قال للفضيل: هل عليك دين؟ قال نعم، دين لربي يحاسبني عليه فالويل لي إن ناقشني، والويل لي إن سألني، والويل لي إن لم يلهمني حجتي. قال هارون: إنما أعني دين العباد. قال الفضيل: ربي لم يأمرني بهذا وإنما أمرني أن أصدق وعده وأن أطيع أمره؛ قال تعالى: (وما خلقت الجن والإنس إلاّ ليعبدون ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون). فأعطاه هارون ألف دينار وقال: خذها وأنفق على عيالك وتقوى بها على عبادة ربك، قال الفضيل: سبحان الله! أنا دللت على سبيل الرشاد وتكافئني أنت بمثل هذا؟ سلمك الله ووفقك. قال الوزير ثم سكت فلم يكلمنا، فخرجنا من عنده فقال الرشيد: إذا دللتني على رجل فدلني على مثل هذا”.

دعونا ننظر إلى القصة من خارجها

جمهور الناس تستهويهم تفاصيل الحدث فيغرقون فيه عن كليته ووجهته، وما لم يخرج الناظر عن المنظور فلن يتمكن من رؤيته؛ أنت أيها القارئ ترى وجه محدثك ولا ترى وجهك الذي بعينيه رأيت من وما رأيت! ضع نفسك في المرآة.. الآن أنت خارجها؛ فيمكنك النظر إلى نفسك ورؤية وجهك. هذه مهمة القائد، وليست هي في مقدور الجمهور. ولكن..

إذا كان الكم هو الفرق، وليس النوع، فليس من فرق جوهري بين نظر (القائد) وعمه الجاهل!

والآن انظر إلى القصة من خارجها واسأل: هذه القصة: ما سندها؟ وما مدى صحة وقوعها بتفاصيلها؟ القصة هكذا وردت بلا سند ولا تحقيق.

فانظروا وتأملوا ما فيها من دسائس الشعوبيين:

هي في ظاهرها نصيحة. ولعلك تقرأها فتخشع، وربما تبكي، لكن.. هل تصدق؟! إنها من أخطر القصص!

وهناك ما هو أشد وأشد، كتبنا التاريخية والأدبية والوعظية مليئة بأمثالها مما شوه تاريخنا، وحرَف تفكيرنا.

____________________________________________________________________________

  1. – متفق عليه.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى