طائفية الشيعة وحيرة السنة .. قراءة أولية في النتائج الأولى للانتخابات

 

لم تظهر النتائج النهائية للانتخابات بعد، ولكن ما ظهر منها ينبئ عن الكثير. وإليكم بعض ما أمكنني قراءته واستنتاجه من ذلك كحقائق واقعة أو توقعات في مستقبل الأيام:

الشيعة يصرون على انتخاب ممثلي الأحزاب الدينية وقادة المليشيات الدموية

  1. بمقارنة بسيطة بين اختيار الناخبين في المناطق الشيعية والمناطق السنية تتبدى لنا الصورة الواضحة التالية:

انتخب الشيعة قائمة دولة القانون (حزب الدعوة/ المالكي) وقائمة الائتلاف العراقي (التيار الصدري/مقتدى الصدر، والمجلس العراقي/عمار الحكيم)، وقد سمعت أن المالكي وبيان جبر صولاغ من بين مرشحي القائمتين حصدا أكثرية الأصوات، كما أن مرشحي التيار الصدري كانت لهم الحصة الأكبر من بين مرشحي قائمة الائتلاف. بينما اختار الناخبون في مناطق السنة القائمة العراقية برئاسة إياد علاوي، وهو أولاً شيعي، وثانياً علماني.

إن هذا يكشف بوضوح، لا غبار عليه ولا شك فيه، عن طائفية الشيعة المتأصلة فيهم؛ إذ لم يختاروا إلا مرشحي الأحزاب الشيعية الطائفية ذات المليشيات والقوى الدموية، ممن أوغل في قتل السنة ومحاربتهم وتهميشهم وإقصائهم.

على العكس من أهل السنة الذين اختاروا مرشحاً ليس سنياً ولا من حزب ديني سني، بل شيعياً علمانياً. وبغض النظر عن حسن أو سوء الاختيار، فإنه يكشف – وبوضوح أيضاً – عن ضعف الحس الطائفي لدى السنة، وأن الطائفية لديهم إنما هي نبضات تأتي وتذهب كردة فعل يثيرها الآخر بتصرفاته حين تطغى فتلفت إليها الأنظار، وتجبرها على التصرف على هذا الأساس. وإن سألني سائل عن رأيي في هذه المفارقة فأنا أعتبرها نقطة ضعف ليست في صالح السنة في هذه المرحلة على الأقل؛ فإن الاعتدال في وسط التطرف اعوجاج.

الطائفية عند الشيعة إذن خيار عقائدي استراتيجي لا يمكنهم العدول عنه بحال. وهذا ما قلناه من قبل، ونقوله ونكرره من بعد.

طائفية الحكومة ودمويتها

  1. من أوضح وأفضح ما أسفرت عنه النتائج الجزئية للانتخابات: طائفية الحكومة الشيعية الحالية بكل رموزها، ودمويتها وإصرارها على التمسك بالسلطة مهما كان الثمن، ومهما ظهروا على حقيقتهم، وساءت سمعتهم وتدنت إلى الحضيض! فها هو رئيس الوزراء نوري المالكي نفسه يخير خصومه بين إعادة الفرز، وبين اللجوء إلى القوة ملوحاً بها قائلاً: “أعيدوا فرز النتائج يدوياً وذلك للحيلولة دون انطلاق العنف”! وفي خطوات عملية تشهد لجديته فيما يقول ألغى زيارة وزير الدفاع إلى تركيا، وأوعز إلى الفرقة السادسة من الجيش والفرقة الحادية عشرة بالتأهب وتبني حالة الإنذار، وإلغاء الإجازات الدورية لأفرادها. أما النائب علي الأديب المسؤول الكبير والقيادي البارز في حزب الدعوة فصرح من خلال قناة العراقية: “إن الذين انتخبوا إياد علاوي هم من مناطق معروفة بميولها للبعث والنظام السابق، ونحن لن نسمح بتاتاً لعودة البعث إلى الحياة مرة أخرى بأي صورة من الصور. وسيقول الشعب كلمته في ذلك”.

وهذا إثبات جديد لزيف دعواهم ودعوتهم وكذب ديمقراطيتهم! وأنهم في هذه الديمقراطية المزيفة يسيرون على طريقة التخيير بين الأرنب والأرنب كما هو معروف في المثل العراقي. (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ * وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ * وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ * أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (النور:47-50).

السنة هم الأقوى لو كانوا يعلمون

  1. أظهر فرز 95٪ من الأصوات لحد الآن تقدم إياد علاوي على منافسيه. وعلاوي – من الناحية العملية – هو مرشح السنة. وهذا يعني أن سنة العراق – رغم كل ما حل بهم من نكبات، ورغم ما يعانونه من الضعف وقلة الإمكانيات – ما زالوا يمتلكون الثقل الأكبر، ولديهم التأثير الأقوى، الذي يوازي تأثير الشيعة، ويمكن أن يزيد عليه. وأنهم رقم صعب في معادلة البلد. متى ما تجمعت إرادتهم نحو هدف معين. فكيف لو أجمعوا أمرهم، ووحدوا جهدهم، وقالوا قولتهم، وعادت الأمور إلى ما ينبغي أن تكون عليه حسب استحقاقها حجماً ونوعاً؟ إن هذا ينعش الآمال، ويفسح الأفق أمام انطلاقها إلى الأمام، ويشحن النفوس بالطاقة، والتحفز للعمل من أجل الوصول إلى الأهداف المشروعة التي اغتالها المحتل، واختطفها الشيعة بطائفيتهم وأحقادهم التاريخية الموروثة، وساهم في تفاقم الحالة الحمقى والمخبولون والضعفاء والمعوقون في داخل صفنا.

فشل مشروع الإخوان المسلمين في العراق

  1. كشفت النتائج عن فشل ذريع لمشروع الإخوان المسلمين في العراق، فـ(الحزب الإسلامي/الجناح السياسي لتنظيم الإخوان) من خلال (جبهة التوافق) لم يتمكن إلى الآن من حصد أكثر من (5) خمسة مقاعد من مجموع (325) مقعداً..! وهي نتيجة بائسة ومفزعة! تعبر عن الحجم الحقيقي للجماعة في الوسط السني، وتكشف عن عجز مزمن في الأداء، ورفض شعبي، بل عقوبة جماعية قاسية وجهها أهل السنة لها.

وبالمقارنة بين ما حصل عليه إياد علاوي (العلماني غير السني) في مناطق السنة التي هي ليست منطقته ولا بيئته ولا حاضنته، بل تختزن الذاكرة الجمعية للشعب العراقي في هذه المناطق صورة دموية بشعة، من الصعب محوها ما دام هذا الجيل على قيد الحياة. بمقارنة هذا مع ما حصل عليه الحزب الإسلامي، الذي هو الحزب السني الديني الوحيد، الذي له تنظيم وهياكل وأتباع أكثر وأقوى من التنظيم الشكلي لعلاوي الذي ليس له وجود حقيقي على أرض الواقع حتى في منطقته وحاضنته وبيئته: تزداد صورة الفشل بشاعة!

إنها هزيمة ساحقة، على الإخوان أولاً أن يواجهوها بشجاعة ليعترفوا علناً بها، وثانياً أن يتصرفوا على أساس هذا الاعتراف دون روغان أو مواربة. فإما يغادروا الساحة بعدها، أو يقرروا تجميد عملهم، وترك العمل السياسي مؤقتاً، ريثما يراجعوا حساباتهم بالتفصيل ويشخصوا الخلل ويضعوا العلاجات الناجعة له.

إن هذا يضع الإخوان المسلمين في العراق أمام مسؤولية كبيرة: واقعاً وتاريخاً. لقد فرطوا بحقوق أهل السنة أيما تفريط: في دينهم ودنياهم على السواء. وقد بدا – من خلال حملاتهم الانتخابية التي تبجحوا فيها بـ(إنجازاتهم) غير المسبوقة التي ادعوا تحقيقها! – أنهم كانوا يفتقرون إلى الحس المسؤول افتقاراً يصل إلى حد الازدواجية والانشطار بين القول والفعل، والنظرية والواقع، والغيبوبة عن رؤية التقصير والخلل الكبير في داخل النفس الجمعية لجسم الجماعة. كما بدا أيضاً أنهم كانوا يتصرفون دون اعتبار لقناعة الناس ونظرتهم لهم فضلاً عن حقوقهم عليهم، وكأنهم لا وزن لهم، ولا قيمة لما يشاهدونه مما يصدر عنهم من ضعف في الأداء والمواقف. الحقيقة أن الجمهور كان يرصد ذلك كله بألم، ويرى باستغراب تنصل بعض كبارهم عن المبادئ الكبرى التي لا يحل ولا يصح التفريط بها، وظهروا بذلك علناً على الفضائيات. ما يدل على الشرخ الكبير الذي أصاب الأسس التي قامت عليها هذه الجماعة؛ بسبب العجز المنهجي المزمن، والاختلالات العقائدية والقيمية والشخصية الكبيرة التي شاعت في صفوفها، ومنها ما ذكرته بالتفصيل في كتابي (منطق النقض في نقض المنطق السلمي). وأزعج الكثيرين من الإخوان وعلى رأسهم الأستاذ محمد أحمد الراشد، واعتبروني بسببه متحاملاً عليهم، مع أنني أريد بيان الحقيقة لهم ولغيرهم، ولا يهمني بعد ذلك لوم اللائمين ونفرة النافرين. وليس هذا من شأني.

لم أصدق أذني يوم ترك علي بابان الحزب الإسلامي مفضلاً عليه التمسك بمنصبه الوزاري وقال: “أنا خرجت من الحزب بسبب مشروعه الإسلامي، فهم يريدون دولة تحكم بالشريعة، وهذا لا يمكن في العراق”! أو كلاماً أشبه بهذا. نعم انتهى الإخوان إلى هذه النهاية، وصرحوا بما يشير إليها، لكنهم لم يجرؤوا على التعبير عن الحالة بهذه الصراحة. وفاجأنا قبيل الانتخابات د. رافع العيساوي بالقول: “لا يصلح العراق إلا مشروع وطني ليبرالي علماني، المشروع الإسلامي غير ممكن؛ لأنه سيكون إما شيعياً لا يتقبله السنة، وإما سنياً لا يتقبله الشيعة؛ وهذا سيؤدي إلى تقسيم العراق”!. رحم الله صدام حسين؛ لقد سمعته يقول هذا منذ سنة 1979. والحمد لله الذي هدى الإخوان المسلمين إلى هذا الاكتشاف الخطير بعد بلوغهم الأربعين من ذلك التاريخ! إذن علام ذاك الصراع مع الحكومات والأحزاب واتهامها بالعلمانية؟

وإذا اختلت القناعة بالجماعة ومبادئها من داخل الجماعة؛ فالنتيجة الحتمية فقدان الثقة بها من خارجها. وهو الذي نطقت به نتيجة الانتخابات بلسان عربي مبين.

والسؤال الذي أريد طرحه هنا: هل يدرك الإخوان الانحراف الخطير الذي اجتاح جماعتهم؟ وهل هم على استعداد للاعتراف الشجاع برفض المحيط السني لهم؟ وهل آن الأوان لأن يشعروا بمسؤوليتهم الدينية والاجتماعية ويعترفوا بالتقصير تجاه أهلهم؟ وطلب السماح؟ وهل توصل جمهورهم إلى أنهم يسيرون وراء وهمٍ ليس له من المشروع الإسلامي إلا الدعوى؟ وأن لا بد من وجود بديل جذري بكل معنى الجذرية كحل وحيد للوضع البائس الذي وصل إليه الإخوان، وأوصلونا معهم إليه؟

ظواهر الأمور لا تدل على غير المكابرة، والهروب إلى الأمام؛ فآخر تصريحات د. أسامة التكريتي الأمين العام الحالي للحزب: “سيكون لنا دور فاعل ورئيس في العملية السياسية” يثير العجب! ولا يبشر بجديد.

حيرة السنة

  1. أما اختيار السنة لإياد علاوي فهو رهان على الحصان الوحيد الذي لم يجدوا غيره في حلبة السباق بعد أن خسرت عندهم كل الأحصنة من قبل بما فيها علاوي نفسه، لكن ليس من خيار متاح سوى الخيار الأقل سوءاً من بين السيئين. يراودهم أمل فيه قدر كبير من الوهم بأن يكون هذا (الخيار) الاضطراري بعيداً عن الطائفية التي اكتووا بنارها سبع سنين مرت بهم ثقيلة مدمرة. وهو تعبير عن الفشل السياسي الكبير لقادة العملية السياسية من السنة: علمانيهم و(إسلاميهم)، وعجزهم عن احتواء الجمهور السني وقيادته. وهذه النتيجة المزرية يتحمل جزءاً كبيراً منها تنظيم الإخوان المسلمين. لقد ارتكب الإخوان خطيئة كبيرة يوم تسببوا في فقدان قناعة الجمهور السني لا بالتنظيم فحسب، وإنما انسحب ذلك على المشروع الإسلامي نفسه، فصار هذا الجمهور تتبدل قناعته، ويعتقد بأن الدين لا يمكنه قيادة الحياة، وأن العلمانية هي الحل الوحيد لأزمة المجتمع. هذا ما أثبتته لهم تصرفات الإخوان قولاً وفعلاً.

نعم ستأتي الأيام سريعاً – فيما لو تسلم علاوي الوزارة – تعبر عن خيبة أمل جديدة للسنة، يكتشفون بها أنهم كانوا واهمين في منح ثقتهم لشيعي مهما كان لونه وصبغته، ودرجة طائفيته. وهذا سيدركونه مؤخراً بعد أن يدفعوا أثمانه الباهظة من وقتهم وجهدهم وضياع حقوقهم، لكنه، إن تحقق، ففيه فائدة كبيرة إن بنوا عليها تمكنهم من أن يعوضوا ما فاتهم سلفاً في المستقبل القريب. لكنه يحتاج منهم أن يسارعوا إلى سد الفراغ الحاصل عن غيبة المشروع الإسلامي الحقيقي الذي تسبب في وجوده عبثية الأداء الإخواني على الساحة العراقية في السنين الماضية.

أتوقع – من خلال استقراء الواقع، وتداعيات الأحداث المرتبطة به مستقبلاً – أن يحدث ذلك، وتتسلسل الوقائع كما في الأسطر القليلة في الفقرة السابقة. والله أعلم بما كان وما سيكون.

 

التخطي إلى شريط الأدوات