التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

محمود الزهار : " الخليج فارسي " لقد أطلعت الورق رؤوسـها....................!

من عادتي حين أمر قريباً من ديار الأحبة أن ألتفت صوبها، وقد أسلم في نفسي على سكانها، ولربما لوحت بيدي تجاهها!

تلمست قلبي يوماً.. إنه يخفق بشدة!

كانت داره قريباً من الشارع العام، نظرت إليها كالعادة وأنا أمرق بسيارتي بالقرب منها.. ما هذا القفل الكبير الذي يجثم على الباب؟! أحسست أنه يجثم على صدري. كان في السنة الأخيرة من كلية الهندسة، وها هو الصيف قد دخل من شهر أو أكثر مؤذناً بانتهاء السنة الدراسية. ولكن.. أيعقل أنه سافر وبلا وداع!

وتأكد الهاجس من أحد الأصدقاء. قال: نعم لقد سافر هو وعائلته إلى الأردن، بعد أن حصل على شهادة التخرج، ولن يرجع بعد إلى العراق. شعرت لحظتها أن قلبي يدق بين مطرقتين! كيف يكون هذا؟ لقد أحببته مرتين: مرة لأنه يستحق الحب والتقدير، ومرة لأنه من فلسطين ذلك البلد الحبيب. وإذا كان المجنون قال يوماً:

أمرُّ على الديارِ ديارِ ليلى
أقبلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا

وما ذكرُ الديارِ جلبنَ دمعي
ولكن ذكر من سكنَ الديارا

فإني بكامل قواي العقلية ومشاعري القلبية أقول: لأجل الديار أحببت ساكنيها؛ فلأجل فلسطين أحببنا إخواننا الفلسطينيين، وتعاطفنا معهم ومع مأساتهم. ولطالما ذرفت عيوننا الدموع لأجلهم، وتطلعنا بإذن الله تعالى إلى خلاصهم. وكنت إذا سمعت بمقتل فلسطيني حزنت وابتأست والتوى له قلبي، ولكن إن كان الفقيد من (حماس) التوى قلبي له مرتين!

ثم تغيرت القلوب .. لماذا ؟

ثم حدثت من بعد ذلك خطوب تغيرت لها القلوب فتمكنت العقول لذلك من أن تتبين وجه الحقيقة المفزعة، وإن لم يأت ذلك دفعة واحدة. نعم لقد تغيرت القلوب، والله يجازي الذي كان السبب.

لم تشد انتباهي كثيراً علاقة مسؤولي حماس بإيران حتى وقعت كارثة الاحتلال، وكان دور إيران سافراً عاهراً فيها. كان ذلك بداية التساؤل عن هذه العلاقة المشبوهة؟ كانت علامات الاستفهام تكثر وتتراكم. التقيت مجموعة منهم منتصف 2005 فلم أجد لديهم جواباً. كان التعاطف مع قضية فلسطين ما زال مفعوله المخدر سارياً بفكري؛ قلت لهم: أنتم أعلم بشأنكم، ولكن اعلموا أنه لن يأتيكم خير من هذا الوجه، وأنهم يريدون الوصول بكم إلى أهدافهم.

في أواخر السنة نفسها ذهب الأستاذ خالد مشعل إلى طهران وصرح من هناك بأنه إذا ضربت إسرائيل إيران فسنقف مع إيران ونقوم بضربها والرد عليها. أزعجني هذا التصريح وآلمتني هذه المفارقة الظالمة: أن نقف مع إخواننا الفلسطينيين بكل ما نستطيع، وهم يقفون مع عدونا علناً! وكأنهم لا يشعرون بمأساتنا ودور إيرا فيها! قلت: لم هذا الكرم السفيه؟ الشعور يقابل بالشعور، وأما المواقف فلا تبنى إلا على مواقف تقابلها. أما أن تبيعني كلاماً وتريد موقفاً فهذا سفه وضحك على الذقون: (والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا).

غضب مني أحد الأصدقاء العراقيين في جلسة ضمت كرام القوم، وقال: بدلاً من هذا الكلام اكتب لخالد وأنا أوصل ما تكتب إليه. وكتبت رسالة مطولة بعنوان (لا يا أخ خالد!)، أوصلها صاحبي إلى مدير مكتبه في دمشق. كانت هواء في شبك؛ إذ لا أثر ولا رد، حتى ولو من باب المجاملة. فعلمت أنهم ماضون في الطريق إلى نهايته، وشاربون الكأس حتى الثمالة.

كانت قضيتنا واحدة فلماذا فرقتم بيننا أيها الفلسطينيون ؟!

بعد ذلك بحوالي سنة قدر الله تعالى لقاء مع مجموعة من الحمساويين – وكان صاحبي العراقي حاضراً – حصل في نهايته شد من الطرفين، وكان أن قلت لهم: لقد خنتم قضيتنا، وبدأتم بفصل قضايانا عن بعضها فلم تعد قضيتنا واحدة، وأنتم البادئون بهذا الإثم. أنتم تريدون جر النار إلى قرصكم فقط وليغرق الآخرون، ولا تنظرون إلى أي قضية أخرى إلا من ثقب فلسطين، وبما يوظفها لصالحها دون اعتبار لصاحب المأساة أو القضية الأخرى؛ وهذا لن يعود عليكم في نهاية المطاف بشيء. ستخسروننا، وفلسطين لن تحرر من دوننا. ولن ينصر الله من وضع يده بيد إيران. ضربت بقوة على غطاء الحاسوب وأنا أغلقه وقمت مغادراً المجلس فلم يشيعني إلى باب الشقة منهم من أحد! زاد ذلك من ألمي. لم يكونوا أشخاصاً عاديين حتى يمكن أن أجد لهم عذراً. ومع ذلك استجبت لدعوة وجهها إلي كبيرهم بعد ذلك بفترة، وقد أرسل مع صاحبي رسالة اعتذار شفوية. التقينا فإذا هو يحاول فلسفة الأمور بطريقة ملتوية. قال: نعم إن إيران وقفت مع أمريكا ضدكم، ولكن هذا يجعل منها معتدية، أما أن تكون عدواً فلا. ليس شرطاً أن يكون المعتدي عدواً. قلت: ما هي الشروط التي تتوفر في المعتدي لنعده عدواً. فوجئت به يقول: هناك ثلاثة شروط: التاريخ الطويل، النفسية المعبأة بالحقد، والمؤامرة المسبقة المدبرة. وكانت مفاجأتي من كونه كمن وضع لنفسه فخاً بيده! قلت له: وهذه الثلاثة كلها متوفرة في إيران. وصرت أفصل له، ولكن دون جدوى. قال: لنعتبر نقاشنا فاتحة حوارات متصلة فيما بيننا نناقش فيها هذا الموضوع الخطير. كان أذان المغرب قد أوشك على أن يرفع، وكنا في رمضان. استأذنته فودعني على أمل لقاء لم يتحقق بعدها. واستأجرت سيارة أجرة لألحق على الفطور مع أهلي.

السحت الحرام

تتابعت الأحداث فيما بعد سريعاً، وصرنا نعيها أكثر وأكثر. وتبين لنا أن المال الإيراني لم يكن يعطى لحماس وغيرها من الفصائل الفلسطينية عبثاً. كان كل تومان محسوباً بدقة. وحين أخذنا نضبط توقيتات الحوادث صرنا ندرك أن تصعيدات حماس العسكرية والسياسية كثيراً ما تتزامن مع النبض الإيراني شأنها شأن “حزب الله”، وأن (حماس) و (الجهاد الإسلامي) هما الجناح الثاني لإيران المقابل لجناح (حزب الله)، وأن هذه الفصائل المحسوبة على الإسلامية سقطت في الشرك الفارسي وستنتهي إلى بوار؛ لأن السحت والمال الحرام لن يورث إلا ورماً محبطاً. نعم ربما ليس كل قادة حماس وجمهورها راض بهذه العلاقة المشبوهة، وقد نمى إلي أن الأستاذ إسماعيل هنية على خلاف معهم بهذا الشأن.

أخزاه الله !

17843_l

إلى أن كان قبل ثلاثة أيام عندما بعث صديق برسالة على الهاتف الجوال يقول: هل رأيت الزهار قبل قليل على قناة الجزيرة – مباشر يطلق على الخليج العربي اسم الخليج (الفارسي)؟ لم أزد على كلمتين أجبته بهما: (أخزاه الله). ورجعت إلى شبكة المعلومات لأجد الخبر التالي: (في ندوة سياسية عقدتها حماس بنقابة المهندسين في غزة بتاريخ 25/5/2010 وكان ضيف الحفل محمود الزهار القيادي في حركة حماس. ختم الزهار حديثه بتمجيد “الكتلة الإسلامية الحضرية الممتدة من الخليج الفارسي إلى المحيط الأطلنطي”. ولم ينكر أحد عليه هذه التسمية من بين الحضور مما يعني بالموافقة والمباركة).

نعم أخزاه الله وأخزى كل من وضع يده بيد إيران على هذه الشاكلة المخزية. ألا ولا عذر لهم؛ فإن الدين والقضية والمبادئ لا تباع بالمال. هذا إن كانوا فعلاً محتاجين إليه. إن هذه الفصائل تريد المال لتحقيق مكاسب فئوية حزبية، أكثر مما تريده لعموم الشعب. وليست هي في حالة حرب شاملة مستمرة حتى تحتاج لهذه المبالغ الطائلة. إن الصواريخ البدائية التي يطلقونها مرة أو مرتين كل بضعة أشهر، يخرج في كل مرة مجموعة ملثمة تقرأ بياناً بطريقة تمثيلية استعراضية استغلالاً للحدث إلى أبعد ما يكون، يعرف كل من له خبرة أنها لا تكلفهم بمجموعها بضع مئات من الدولارات في السنة كلها. إنها صواريخ دعائية لجلب الأنظار وامتصاص التعاطف وتركيز الدعم في جهتهم فحسب. وضررها بالشعب أكثر من نفعها. فالشعب يدفع الضريبة وهذه الأحزاب تقبض الثمن. وفلسطين لن يحررها هؤلاء ولا في زمانهم. وإن التبرعات الشعبية العربية لتكفي وزيادة لو كانت غايتهم المقاومة بحجمها البسيط الذي هي عليه، وانظروا إلى حال المقاومة العراقية اليتيمة، كيف قامت بتنفيذ ذلك العدد الهائل من العمليات العسكرية ضد الاحتلالين الأمريكي والإيراني وأذنابهما، ما لو قورن به الجهد العسكري الذي بذل في فلسطين منذ الغزو الإسرائيلي في بداية القرن الماضي إلى اليوم لما عد إزاءه شيئاً! كل هذا ولا مساعدة من الدول العربية! إلا بالقطارة ربما. دعك من المساعدات العالمية والإسناد الإعلامي العالمي الذي يتمتع به الفلسطينيون.

التقاء الأهداف مع إيران

هل تعلمون أن هذه الفصائل عملت المستحيل من أجل التغطية الإعلامية على المقاومة العراقية؟ وذلك من أجل هدفين:

1, إرضاءً لإيران و”حزب الله”

2. منعاً لخطف المقاومة العراقية الأضواء من المقاومة الفلسطينية. وما سمي بـ”الملتقى العربي لدعم المقاومة” الذي عقد في بيروت منتصف يناير الماضي أوضح شاهد.

ومن شواهده الحرب الاستعراضية التي خاضها “حزب الله” في تموز/2006 لصالح إيران. وكانت من أجل هدفين اثنين أيضاً:

  1. رسالة لأمريكا أن إيران لديها أوراق حقيقية للعب، وأنها قادرة على قيادة المنطقة ضد إسرائيل والمشروع الأمريكي؛ فلتخفف أمريكا الضغط عنها فيما يخص برنامجها النووي الذي بدأ التصعيد ضده منذ نيسان 2006 ، وفي هذا التاريخ بالضبط بدأ جيش المهدي عملياته ضد الأمريكان في المنطقة الجنوبية.
  2. محاولة التغطية على سوءة الشيعة في العراق في وقوفهم مع المحتل وتكليل ذلك بقتل أهل السنة في العراق وهدم مساجدهم وتهجيرهم سيما بعد تفجير سامراء في شباط/2006 ، وانعكاس ذلك على “حزب الله”؛ إذ بلغت سمعته كفصيل يدعي المقاومة إلى درجة الحضيض، فجاءت هذه الحرب الاستعراضية لترفع من أسهمه لدى الجمهور المسكين، وقد كان.

مما لم ينتبه له الكثيرون ربما إلى الآن دور حماس الأساسي في هذه الحرب وجر الجانب الإسرائيلي إليها. فحماس هي التي بدأت فقامت بخطف جندي إسرائيلي، كان رد فعل الجانب الإسرائيلي يومها اعتقال نصف الحكومة الحمساوية، وذلك في نهاية يونيو/2006 قبل انطلاق المعركة بحوالي 12 يوماً. في اليوم التالي قام “حزب الله” بخطف جنديين إسرائليين، ثم تداعت الأحداث فكانت المعركة. وهي معركة إيرانية بامتياز خاضها بالنيابة عنها اللبنانيون ومعهم حماس بصورة أو بأخرى. وحرب غزة في 2008 لم تكن بعيدة عن الدوافع والأهداف الإيرانية. والمستفيد الوحيد منها هو إيران، والخاسر الأكبر هو الشعب الفلسطيني المنكوب. والعجيب أن قادة حماس بعد كل القتل والخراب الذي حصل في غزة يتبجحون بالنصر! ولو افترضنا جدلاً أن ما حصل نصر، فما الحاجة إليه وقد كان ثمنه ما حصل؟ ماذا استفاد شعب فلسطين من ذلك؟ وما قيمة صواريخ دعائية تطلق على إسرائيل عشوائياً قد لا تقتل أو تجرح أحداً ولا تصيب هدفاً مقابل كل هذه المصائب التي تجرها؟ هل ستتحرر فلسطين بها؟ أو ستكون خطوة في طريق التحرير؟ أم هي سبب لمزيد من الدمار والنكبات لشعب أترع ويلات وقتلاً وتشريداً؟ لا بأس من مشاغلة العدو، ولكن ليس بهذه الصورة. من الحمق أن تضرب عدوك كفاً تكون نتيجته قتل أهلك وإحراق بيتك! فكيف إذا كانت الشكوك تحوم حول النوايا الحقيقية لهذه الحروب الهزلية؟

لقد سقطت حماس في جب إيران، وما يحصل اليوم لغزة وغيرها هو الثمن الذي تقبضه إيران مقابل الأموال والدعم الذي تقدمه لحماس ولغيرها. والنتيجة أن فئات معينة تستفيد، وشعباً بكامله يدفع فاتورة الحساب! ومن هذا الثمن تصريح الزهار الذي خرج به على الملأ قبل أيام دون خجل أو حياء مسمياً الخليج العربي بالفارسي كبرت كلمة تخرج من أفواههم! كلمة لم يجرؤ الشقي عبد العزيز الحكيم على ابتلاعها يوماً حين ردد أكثر من مرة اسم الخليج مقروناً بالفارسي لكنه في كل مرة يستدرك ويصحح الخطأ – وهو متعمد – ليسمي الخليج باسمه العربي.

أنا أدرك أن الكثيرين لا يستوعبون هذا الذي أقول. ولكن ما في ذلك عجب ولا غرابة؛ فإن الجمهور كثيراً ما يكتشف الحقيقة ولكن بعد فوات الأوان. إن المعرفة الآنية والاستشرافية من اختصاص القادة، الذين يقدمون النصح المبكر لشعوبهم وإن رجموهم بالحجارة. ولنا في مؤمن آل فرعون أسوة حين نصح قومه، وكان من ضمن ما قاله أن قال: (فستذكرون ما أقول وأفوض أمري إلى الله).

وللحديث بقية إن شاء الله.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: