مقالات

من يوميات الحج

التنوع والتجديد في الحج

الإسلام أعظم دعوة تغييرية تجديدية شهدتها الأرض في تأريخها.

وإذا كان “المتغير هو الثابت الوحيد في حياة الإنسان”([1])، فقد جاء هذا الدين متماشياً مع هذه السنة الكونية أو هذا القانون الكوني العام.

تلمس ذلك في عقائده وعباداته ومعاملاته، وفي الجانب الفكري منه عند نقطة التماس بين الرباني والبشري. هكذا نزل القرآن منجماً على الحوادث. فالإسلام تعاليم سماوية في بيئة أرضية.

خذ الصلاة مثلاً: كيف تتنوع في أوقاتها، وعدد ركعاتها، فهي في الصبح ركعتان وفي الظهر والعصر أربع ركعات، وفي المغرب ثلاث لتعود في العشاء أربعاً. والسنن تختلف في التوقيت والعدد أيضاً: فهي ركعتان قبل الصبح، وركعتان أو أربع قبل الظهر وبعده، وقبل العصر، واثنتان بعد المغرب وقبله، وهي كذلك بعد العشاء وقبله. وفيها المؤكدة: قبل الصبح، وقبل الظهر وبعده، وبعد المغرب، وبعد العشاء. وتوجد نوافل أخرى مثل الضحى وقيام الليل، وكذلك الوتر، وهي آخر ما يصليه المسلم من نوافل (منهم من جعله واجباً).

تستشف من ذلك حكمة سامية، تتلخص في أن الله تعالى يريد أن يجعل عقل العبد في حالة تحفز دائم. فإن العبادات لو كانت على وتيرة واحدة: وقتاً وعدداً وعملاً وقولاً، توقف العقل عن التفكير، وصارت عبارة عن حركات آلية جامدة، وأقوال شفوية باردة. انظر التنوع في قراءة القرآن الكريم في الصلاة بعد الفاتحة: فالقراءة في الركعتان الأُوليان فقط من كل صلاة، أما الركعتان الأخريان (والثالثة في المغرب) فلا يقرأ فيهما غير الفاتحة عادة. وتتنوع القراءة أيضاً بين جهرية في صلاة الصبح والمغرب والعشاء، وسرية في العصر والظهر.

وعندما يكون العقل متحفزاً يكون الفكر المتجدد، ويكون التجديد والتغيير المواكب للتغير الحاصل في حركة الحياة.

من أجلى صور التنوع ما نجده في الحج أقوالاً وأفعالاً.

فالمواقيت تتنوع بتنوع جهة القدوم.

ونسك الحج نفسه ينقسم إلى ثلاثة أنواع: تمتع وإفراد وقران. ولكل نوع خصائص تحتاج من الحاج تحفزاً وسؤالاً ومراجعة.

والتلبية تختلف تبعاً لذلك، ففي حج التمتع: “لبيك عمرة”، وفي الإفراد: “لبيك حجاً”، وفي القران: “لبيك حجاً وعمرة”.

وفي الإفراد لا تجب فدية إذ تجب في النوعين الآخرين.

والتلبية في التمتع تبدأ من الإحرام في الميقات وتنتهي عند بداية الطواف، بينما في الحج إلى أن يشرع في رمي جمرة العقبة صباح العيد.

وهناك أحكام تخص الرجال دون النساء كملابس الإحرام، وبالعكس أيضاً. وهذه كلها لا تعرف إلا بإعمال العقل والسؤال والتنقيب.

وأما أعمال الحج فمتنوعة بين إحرام وطواف وسعي ووقوف بعرفة إلى غروب الشمس، ومبيت بمزدلفة عدة سويعات إلى الفجر، ثم مبيت بمنى ليلتين للمتعجل وثلاثاً للمتأخر، ورمي الجمار، وذبح الهدي، وحلق الرأس أو تقصيره. والطواف طواف عمرة وطواف قدوم وإفاضة ووداع. وصلاة خلف مقام إبراهيم عليه السلام، والشرب من ماء زمزم. وهذه كلها تتنوع بين ركن وواجب ومستحب.

والصلاة قبل يوم الثامن (يوم التروية) رباعية كل في وقتها، لكنها في هذا اليوم وما بعده تقصر وتصلى في وقتها دون جمع حتى لأهل مكة، وفي عرفة ومزدلفة تصلى قصراً وجمعاً.

والرمي يتنوع: ففي اليوم العاشر يكون وقت رمي الجمرات من وقت وصول الحاج إلى منى، ولا ينتظر وقت الزوال، وترمي في هذا اليوم جمرة العقبة فقط دون الوسطى والصغرى، بسبع حصيات. بينما في بقية الأيام، يبتدئ وقت الرمي من الزوال، وترمى الجمرات الثلاث كل جمرة بسبع حصى. ويجوز الرمي ليلاً لأهل الأعذار. ولك أن تتعجل في يومين، أو تتأخر يوماً ثالثاً. والدعاء بعد الجمرة الصغرى والوسطى دون الكبرى.

والتحلل من الإحرام أصغر يحل فيه كل شيء إلا النساء، وهذا قبل طواف الإفاضة، فإذا طفت تحللت التحلل الكامل.

والتفكر من أعظم العبادات في الحج. ومثيرات التفكر ومحركاته كثيرة. انظر إلى جبال مكة، تلك الصخور الكونكريتية الجرداء الصماء لا تكاد تجد فيها نبتة (واد غير ذي زرع): من أين لها بهذه الثمرات؟! وليس فيها من نهر، فمن أين لها كل هذا الماء؟!

وهذا الجو: لماذا هو حار طيلة العام؟ هل تفكرت في هذا؟

انظر في هذا وغيره وتأمل وابحث واسأل تنفتح لك أبواب من العلم والإيمان ما تكون به أهلاً لأن تحلق بروحك في السماء، وإن كنت بجسدك على الأرض.

_________________________________________________________________________________

[1]– الفيلسوف الإغريقي ثوديوروس (ت 230 ق.م).

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: