التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

مقبرة العبادي في المحمودية (1)

من شواهد الإبادة الجماعية للسنة في العراق

تقع هذه المقبرة العملاقة في قرية زراعية من قرى ناحية الرشيد، عند مدخل المحمودية، على يسار الداخل إليها من جهة بغداد، ليس بعيداً عن نهر القائد. تبلغ مساحة المقبرة أكثر من (10,000م2) غطيت كلها برموس الضحايا. لم يكن فيها قبل سنة (2005) سوى قبر واحد فقط يعود لصاحب الأرض، ويقال لقبره “قبر العبادي”.

لم يكن هذا الاسم معروفاً في ذلك الوقت إلا للقلة المحيطة بالمنطقة. لكنه الآن ذو شهرة واسعة، صارت علماً على مقبرة عظيمة تسمى (مقبرة العبادي)، هي اليوم معلم من معالم المنطقة، سيظل شاهداً من شواهد الطائفية الشيعية البغيضة، وشاخصاً من شواخصها البارزة.

عند اشتداد القتل الطائفي على يد المليشيات الشيعية بداية سنة 2006 بدأت المقبرة بالتكون والتوسع شيئاً فشيئاً، وبالتتابع، حتى وصل عدد القبور التي تحتضنها اليوم إلى أكثر من (3000) قبر! جلها قتل أصحابها على الاسم والعنوان والمذهب والعشيرة، وكثير منهم نزعت عنهم هوياتهم بعد قتلهم، فلم يعد بإمكان أحد التعرف عليهم، يجدهم الناس مقتولين على الطرقات والمزابل، أو ينتشلون جثثهم الطافية في نهر القائد القريب وعليها بصمات المليشيات، عند تتبعهم مسار النهر بحثاً عن أبنائهم وذويهم الذين خرجوا ولم يعد لهم من أمل بعودتهم أحياء، فلعلهم يعثرون على ما تبقى من جثثهم من أفواه السمك في ذلك النهر!

كان لسنة المحمودية مقابرهم، منها مقبرة الخضر في صحراء الحصوة جنوبي بغداد إلى الغرب قليلاً، ومقبرة السيد عبد الله في ريف شيشبار التابع لناحية اللطيفية. وكذلك مقبرة الكرخ في أبو غريب. ومنهم من يدفن في النجف أو كربلاء. ولكنهم في تلك الأيام السود لم يكونوا يجرؤون على نقل موتاهم بعيداً، وإلا تعرضوا للقتل هم والمشيعون معهم. وقد حصل ذلك مرة أو أكثر إذ قتل ذوو الميت ومن معهم؛ فلم يكن لهم بد غير دفن موتاهم في مكان غير بعيد تجنباً للخطف والقتل، فكانت (مقبرة العبادي). وقد تم اصطياد الكثيرين عند مراجعتهم للمستشفى الوحيد في المدينة؛ إذ كانت وزارة الصحة في ذلك الوقت بيد التيار الصدري فتحولت مستشفيات بغداد ودوائر الوزارة إلى شبكات للموت لا يكاد يفلت منها أحد من السنة. وكانت سيارات الإسعاف التابعة لوزارة الصحة تخدع المرضى أو الجرحى السنة فتقوم بنقلهم، ثم يكون مصيرهم القتل. وقد قتل ابن عم لي (جاسم حميد) بهذه الطريقة. ومنهم من يمسكون به عند ذهابه إلى السوق لاستلام الحصة التموينية الشهرية، أو استلام الراتب التقاعدي من المصرف. بعدها صارت النساء تذهب بدل الرجال. ثم تطور الخطف والقتل فطال مصير النساء؛ فانقطع السنة من دخول المدينة ردحاً من الزمن قارب العشرين شهراً.

إحدى النساء من عشيرة الغرير اسمها (هناء عبيِّد عبود) يقال إنها تهجمت على جيش المهدي وسبتهم وهي في بناية المحكمة، فخطفوها عند باب البناية هي وابن أخت لها طفل صغير. أما الطفل فقتلوه، وأما المرأة فربطوها بحبل إلى مؤخرة سيارة ثم سحلوها في شوارع المحمودية، ومزقوا جسدها شر تمزيق أما أنظار الجميع!

ولكل قبر قصة

كلفت أحد الأصدقاء بتصوير المقبرة، فبعث إليّ بكثير من الصور. وبينما كنت أتقلب بين مآسيها عثرت من بينها على قبرين لشخصين عزيزين على قلبي، توقفت عندهما برهة وأطرقت مأخوذاً بجلال المشهد، ولفتني هواجس الذكريات.. ثم تمتمت أترحم عليهما وكأنني بحضرتهما أؤدي مراسيم الزيارة لهما، وفي خاطري تتوالى مشاهد المأساة التي كانت خاتمة حياة كل واحد منهما. ثم انتبهت لنفسي وأنا أقول: “لكل قبر قصة”. ثم قلت: ماذا لو قام كاتب بجمع قصص مآسي هذه المقبرة في كتاب؟ إذن لخرج على العالم بموسوعة تزيد على (3000) صفحة! فكيف لو كتبت مآسي العراقيين جميعاً؟!!!

C:\Users\SONY\Desktop\3.jpg

أما القبر الأول فيحمل الاسم (عثمان عيسى غلب).. أبوه ابن خالتي، نشأ يتيماً فقد أباه وهو يدرج نحو الرابعة من عمره، وحيداً بين أربع بنات. كم انتظرتْه أمه ليبلغ مبلغ الرجال كي تزوجه وترى أولاده. وما إن وصل عمره سبعة عشر عاماً حتى زوجته ابنة عمه. واستجاب الله دعاء الأم بعد مدة ليست طويلة فكان (عثمان) أول الحبات في العقد المنتظر. لا أذكر عثمان إلا وتراود خيالي صورة وجهه باسماً وهو يناديني بـ(خالي)! وتمر الأيام سريعاً ليقع بلدنا فريسة للاحتلال..

وأسمع يوماً أن الشاب الصغير اعتقلته قوات الحرس الوطني، وأودعته أحد سجون الحلة.

كانت قصص المعتقلين في زنازين تلك السجون الطائفية البغيضة رعيبة تثير الأسى. يقف ثلاثة أو أربعة من المساجين وبين أيديهم آخر يرقد عليها ساعة أو ساعتين، ثم ينزلونه ليقوم بدوره في المناوبة مع أحد الذين كانوا واقفين يحملونه، يصعد هذا بعد أن نزل ذاك لكي ينام ساعة أو ساعتين! وهكذا حتى تأتي النوبة على الجميع؛ فالسجن مكتظ إلى حد أنه من المستحيل النوم على الأرض على أي كيفية! بل الجلوس يصعب على غالبيتهم؛ ولذلك كان بعض المعتقلين لا يجد أمامه من حيلة سوى أن يشتري له من بعض النزلاء موضع شبر مربع يضيفه إلى حصته كي يتمكن من الجلوس ولو لبعض الوقت. هذه لقطة واحدة لمشهد من مشاهد الظلم الذي يصب على أجساد وأرواح المودعين في تلك السجون والزنازين. دعك من حفلات التعذيب التي تقام لهم أثناء التحقيق.

ويخرج الشاب عثمان من السجن عليلاً مصاباً بعجز الكلى جراء التعذيب. ولا تدوم به الحال طويلاً حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة بين يدي جدته الأرملة العجوز، وأمه وأبيه، ليودع مقبرة البائسين، تلك المقبرة التي صارت تعرف بـ(مقبرة العبادي).

 

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: