التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

اعتصام الموصل ثم صلاح الدين

ربان تائه وبوصلة ضائعة

دول المنطقة، ومنها العراق، تشهد أحداثاً كبيرة مزلزلة لا يمكن فصلها عن بعضها – وإن افترقت في أشياء كثيرة – إذا نظرنا إليها من حيث الموجة التي انطلقت من العراق، ثم ارتطمت نهاياتها الناعمة بعد ثمانِ سنين بتونس لتعود أطرافها المرتدة أقوى وأعنف من تلك النهايات الضعيفة المرتعشة، فتشمل باندفاعها وعنفوانها العراق نفسه، متجاوزةً إياه إلى ما الله أعلم بعده من أقاليم وبلدان.

مظاهر الأحداث وأخبارها اليومية لا يمكن الإحاطة بها، غير أن المراقب ذا الهدف يمكنه التوقف عند بعض نقاطها المفصلية؛ عساه من خلالها أن يضع معالم للسير وخطوطاً عريضة له وسط الأجواء المغبرة والأصوات الصاخبة؛ مشيراً للجمهور المندفع إلى الاتجاه الصحيح نحو الهدف المنشود.

خيط واحد وخرزات مختلفة

لنلتقط بعض الأخبار ونحاول أن نربط بينها:

  • اعتصام الموصل يتوسع، ومن أبرز مطاليب جماهيره المناداة برحيل المحتل الأمريكي. ينفرج عن إقالة مدير شرطة المحافظة والإتيان بمدير جديد معروف بسوابقه الطائفية في الفلوجة سنة 2004 وغيرها من المدن، يرفضه مجلس المحافظة بالإجماع. والقوات الأمنية الدخيلة من خارج المحافظة تطالب المتظاهرين بالاقتصار على شعار رحيل الأمريكان دون المساس برئيس الوزراء.
  • وفود عشائرية من الجنوب الشيعي تحضر إلى موقع الاعتصام ترفع الشعار نفسه: رحيل المحتل الأمريكي!
  • محافظة صلاح الدين تقتدي بأختها الموصل فتقيم اعتصاماً على غرارها. أبرز شعاراته المرفوعة؟ رحيل المحتل الأمريكي.
  • أخبار متضاربة عن اتفاق بين الحكومة والأمريكان لتمديد بقاء القوات الأمريكية في العراق، ومقتدى يعود من إيران إلى النجف ليتأكد بنفسه من الخبر، ويهدد أو يلوح بحرب ظاهرها ضد الأمريكان، وحقيقتها ضد السنة بطبيعة الحال، إذا ما تحقق من صدق الاتفاق بعدم الإسراع برحيل الأمريكان.

هل ركزت على عناصر الخبر؟

مقتدى..

قادماً من أين؟ من إيران..

أيش يريد؟ يتأكد إن كانت هناك اتفاقية للتمديد فسوف يواجهها بالقوة!

هل سألت: لمصلحة من؟

وهل انتبهت إلى الخيط الرابط بين هذه الأحداث المختلفة في مناطق متعددة متباعدة تمتد من شمال العراق إلى شرق إيران؟

حتى لا يختلط المشهد

لنأخذ عناصر الصورة واحدة واحدة:

1. عشائر الشيعة.. قوات الحكومة الشيعية.. إيران.. ابنها البار مقتدى: هؤلاء كلهم هم الذين دعوا الأمريكان وحلفاءهم لاحتلال العراق. والآن ينادون برحيله! لماذا؟

2. عشائر السنة ترتبط مع هذه الخلطة المشبوهة بشعار واحد، ولا من أحد يسأل: ما هو موقعنا من هذه الموجة؟ وأين مصلحتنا؟ وما هي أولوياتنا؟ وما الذي يميزنا في زمن المحاصصة الطائفية التي ترفع فيها هذه الخلطة دعوى (اللا فرق )عند بذر الحاصل، ولكنها عند جني المحصول تريد احتياز الحصة كلها، ثم بعد حصول المراد سوى الفتات المتساقط يرسلون لنا بعض حوشيتهم وصعاليكهم ومن لا قرار بيدهم يرددون بلا فرق بيننا، و (يتكشخون) بالزعيق برحيل المحتل، يضحكون علينا، وفي سرهم يبصقون على سذاجتنا!

هل من أحد سأل: لماذا قوات الشيعة وأقوياؤهم يحتلون مدننا ويستبيحون حرماتنا ويتحكمون فينا، وفي الوقت نفسه يرسلون إلينا ضعافهم ومن لا قرار بيده منهم (يهوس) معنا؟

هل سأل واحد من هذه الجموع: كم ممن جاء مع وفود العشائر الشيعية من النجف والناصرية وغيرهما، يتواجد أبناؤهم في الوقت نفسه في الموقع نفسه بأسلحتهم وبزاتهم العسكرية يغتالون عزتنا ويحاصرون قرارنا ويعتقلون كرامنا وشبابنا ونساءنا؟

يد تصافح، وأخرى تطعن! ما هذه المعادلة السخيفة؟! إلى متى ونحن في هذه المهزلة؟

3. هل من حكيم نظر في هذه المعمعة إلى موقف الكرد ورأيهم في رحيل الأمريكان؟ ولماذا؟

هل من رجل حر الفكر.. ثاقب النظر.. يملك القدرة على أن يتخلص من كل ما عاد لا ينفع من الماضي وشعاراته، لا يعير سمعاً للحماسيات الفارغة، والدعوات الغوغائية الساذجة: يمكنه الاستفادة من التجربة الكردية، ويوجه أنظار الجماهير لترى وتسأل: ما السر في أن مكوناً صغيراً يربح ويبني آمناً مطمئناً، ومكوناً كبيراً يخسر وينزف خائفاً مضطرباً، ولا يجني سوى الهدم والخيبات المتتابعة؟

كم من أهلنا المعتصمين على بصيرة بالتغييرات الحاصلة في الخريطة السياسية والعسكرية على مدى السنوات الثماني الماضية، وأثرها على تبدل الأهداف التكتيكية أو الاستراتيجية للدول والأحزاب والطوائف المختلفة؟

الأولوية .. لما ؟ ولمن ؟

هل الأولوية اليوم.. وهل المشكلة الكبرى الآن: في المحتل الأمريكي؟ أم المستحل الإيراني والمتحكم الشيعي؟

ألا من سائل يسأل: من هو أكثر حقداً وإجراماً بحقنا نحن أهل السنة: المحتل الأمريكي؟ أم أولئك الدخلاء المستحلون وتابعوهم الشركاء المتحكمون؟

يخرج خمسون ألف جندي أمريكي ليحُل محلهم مليون جندي شيعي! ما شاء الله.. تحررت فلسطين!

ثم أليس المحتل الأمريكي قد طوى رحاله، وحلحل حاله ومضى، وما تخلف أو بقي فعلى الطريق؟ فعلام إذن نتعب أنفسنا من أجل تحصيل حاصل.. الفائدة الكبرى فيه لغيرنا لا لنا؟!

لا شعار يعلو على رحيل إيران وشيعتها من ديارنا

العقيدة تخطف أبصارنا، والتاريخ يصك آذاننا، والأحداث تصفع وجوهنا: مشكلتنا الكبرى وأزمتنا الأولى في عدونا الإيراني وتابعه الشيعي، فالشعار الذي ينبغي أن يتقدم الشعارات، والصوت الذي لا يعلو عليه صوت هو:

1. أن يرحل المحتل الإيراني ويطرد سفيره وتغلق قنصلياته وتقاطع مصالحه وبضائعه.

2. وتسقط حكومته العميلة، وتحل أحزابه التابعة الذليلة، وتقطع أذرعه المستطيلة. وينتهي حكم الشيعة المفسدين، الذين لا يجيدون غير صناعة الفساد والخراب، ويرفعوا أيديهم التي تقطر بالدم عن مناطقنا، ويغادر جنودهم القتلة أراضينا، ويخرج معتقلونا من سجونهم السرية. ثم……..

لا بأس بعد ذلك..

نعم….!

بعد ذلك.. و…. ذلك… أن ينادى بخروج المحتل الأمريكي، وترفع بقية الشعارات، ولكن.. بشرط أن لا يكون المرفوع سبباً في تعميق السقوط الذي ما زلنا نتدهده في هاويته، ونتدحرج في هوته منذ ثماني سنين، سبقتها ثمانية عقود.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: