التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

ولِّ يا محروم

وقصتنا الثالثة والأخيرة مما سمعته من خالي .

كان – رحمه الله – رجلا شفيفاً .. سريع الخشوع ، قريب الدمعة ، شديد التأثر بالقرآن .. إذا شهدته يقرأه ،، أو رأيته يسمعه شعرت أحياناً كأنه يتذوقه ، بل أحس كأنه يتطعمه تطعما !! وكثيراً ما سمعته ، وهو في حالة نشوة من سماع ، يقول : سبحان الله ! إن هذا القرآن له في كل لسان ذوق ! يقصد أن الآية يختلف أثرها في النفس من قارئ إلى آخر .

كان خالي أحد شهود تلك الليلة الخاشعة الشفيفة .. التي أحييناها على ذكر (العيناء المرضية) مع شيخنا الأثير … وقد كنا جلوسا في (ربعته) في تلك القرية الهادئة الوادعة من القرى الطيبة المتناثرة على ضفتي نهر مشروع المسيب الكبير .

حدثنا الخال فقال .. ما معناه :

– اسمعوا هذه القصة ! وهي مما تلقيناه عن أهلنا قديما .. قصة رواها بعض الحجيج العراقيين العائدين من الرحاب الطاهرة آخر أيام دولة الإسلام :

انتبه بعض الحجاج وهم يطوفون حول الكعبة إلى رجل يطوف معهم.. كلما قطع شوطا صاح يقول:

(ولِّ يا محروم) !

عبارة غريبة ! يتفوه بها وكأنها تصدر عنه دون وعي منه !!

وتتكرر الأشواط .. ومعها تتكرر العبارة على لسان ذلك الحاج الولهان .

وبدافع الفضول – والإنسان بطبعه كذلك – سأله أولئك الطائفون .. وألحوا عليه بالسؤال عن سر عبارته تلك : ما معناها؟ ولماذا هو يكررها دون انقطاع ؟!

فأجاب الرجل وهو يتنهد بعمق .. ويتكلم بحسرة .. ويخرج من أعماقه صوتا كأن روحه تتقطع مع كل جملة من جمله :

– كنا عشرة رجال أرسلتنا دولة الخلافة في مهمة جهادية إلى روسيا القيصرية . وشاء الله ، جلت حكمته ، أن يُكتشف أمرنا ويمسكوا بنا .

ساقونا إلى المحبس مكبلين . ثم …

كانت النهاية .. وحكم علينا بالإعدام .

ومرت بنا ليلة التنفيذ سريعة .. رائعة .. جميلة … ونحن نحيها بالذكر والصلاة .. والتهيؤ للقاء الله .

وفي الصباح ساقونا إلى ساحة عامة تجمهر فيها الناس ليشهدوا نهايتنا . وقرئ المنشور وتليت اسماؤنا واحداً واحدا . وهنا وقعت المفاجأة التي لا تخطر على بال .. ولا تمر في الخيال!

رأينا ، نحن العشرة ، أن السماء قد انفتحت ! ونزل منها عشر حوريات أضاءت لنور وجوههن جنبات الكون .. وامتلأت بعطرهن الفواح أرجاء الفضاء !!

أين قول القائل :

كان يوماً باسماً في مقلتيّا
أنِسَتْ روحي إلى طلعتِهِ
  يومَ أشرقتَ من الغيبِ عليّـا
واجْتنتْ زهرَ الربى غضاً نديّا

من هذا المشهد إلا كوردة ملقية بإزاء روض مسحور يمتد إلى… ما وراء الأفق !!

كان أمرا فوق الوصف جعلنا نذهل عن كل شئ .. لقد انعدم عندنا الإحساس بالحدث الذي نحن فيه.. ولم نعد نفكر ، ولا نحس ، ولا ندري بما يدور من حولنا سوى هؤلاء الحوريات العشر اللواتي حططن على الأرض على مد البصر منا ..

ماذا أقول ؟!

” كأنهن عشر حمامات بيض ” ؟!

لقد أزريت ، والله ، بهن أيما إزراء !.. وخجلت من هذا الوصف أيما خجل !.

وإن قلت : ” إن جمالهن يسبي العقول ، ويذهب بالألباب .. ” أهنت الجمال .. ولم أكن ممن يعرفون أدب الوقوف في حرمه الجليل .

ماذا أقول ؟ لا أقول شيئا !

إن كل العبارات قاصرة .. فقولوا أنتم ما تقولون ،، وتصوروا ما تشاءون . على أن تكونوا على يقين من أن الأمر فوق ما يقال .. وأغرب من الخيال !

 

***

وتدلى أول جثمان ..

لكننا رأيناه رأي العين في حضن واحدة من تلك الحوريات ، أخذته وطارت به إلى السماء وهو في غاية السعادة .. وقمة السرور !!

وصرنا نتسابق إلى الموت .. عفوا إلى … الحياة الأبدية السعيدة .

وهنا .. هنا فقط .. أدركت ، بكل ما عندي من قوة إحساس أو شعور ، معنى قوله تعالى : (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ )!!

… وكلما سقط جثمان إلى الأرض طار واحد منا إلى السماء في .. حضن حورية من تلك الحوريات !

هل تخيلتم المنظر ؟!!

إنسان مع حورية .. في حضنها … تطير به إلى السماء .. حيث الخلود والسعادة الأبدية!!

***

ويا للهول !

يا للصاعقة !

لقد توقف صاحب المنشور فلم ينطق باسمي !

كنت لحظتها مشدوداً إلى الأفق البهي حيث لم يبق من تلك الحور إلا واحدة .. ولم يبق من اولئك السعداء إلا واحد قضى حظه العاثر أن يبقى في آخر القائمة .

وكنت متلهفاً إلى سماع اسمي لأنطلق إلى حيث المشنقة . إلى .. حيث سلم الخلود ومدرج البقاء .

لكن صاحب المنشور قال :

– أما أنت فترجع بالخبر إلى من أرسلوك .!!!!!

وعبثاً حاولت معه .. وتوسلت إليه أن يُلحقني بأصحابي ..

وذهبت جهودي أدراج الرياح وأنا أصرخ باكيا أتخضعه .. وأترجاه

.. وأصيح بين تلك الحشود المذهولة :

– أعدموني .. أعدموني .. أعدموني ..

وعيوني معلقة بتلك الحورية الجميلة البيضاء التي ظلت تنتظر .. وتنظر إليّ بصمت كله كلام .. وتعابير تقطر مودة وحناناً كأنها تعرفني .. وقد علقت بي من ألف عام !!

حتى اذا أيست وتأكدت تماما أنه لا لقاء .. وأنها ستعود مفردة بلا رفيق .. طارت إلى السماء !

وتلمست قلبي ……… فلم أجده !!!

لكنها قبل أن تطير نظرت إليّ نظرةً لا زال سهمها يخترق أحشائي .. ويشك حبة فؤادي .. نظرةً انهد لها كياني فلم تقم له قائمة حتى الساعة .. ثم قالت كلمة خرجت من فمها ملحنة عذبة كأعذب ما تكون الألحان .. لينة الوقع ساحرة الأثر .. هجمت عليَّ فاخترقت أسوار القلب وحلت منه في أعماقه .. تضرب على أوتاره التي ظلت تتحرك  .. وتتحرك دون انقطاع .. ومع كل حركة أو موجة تثور تلك الكلمة وتتخلق من جديد .. فأحيانا أستطيع كظمها .. وأحيانا تفلت مني !

وأحس بها الآن .. الآن كأنها تغريدة بلبل فتان .. حط على فنن جميل .. فأقام فيه لا يريد له فراقا ، ولا عنه حراكا .. فهو دائم التغريد في الصيف والشتاء .. والليل والنهار.. والأصيل والسحر .

قالت بعد أن أيست وقد تهيأت للطيران :

– ولِّ يا محروم …

وانطلقت لتغيب وراء الأفق !

آهٍ .. آه . ومن يومها عزفت نفسي عن الدنيا .. وزهدت بما فيها ،، ومن فيها . وعدت لا أعرفها كما كنت أعرفها ..

ما عادت الدنيا تساوي عندي سماع تلك الكلمة مرة واحدة أخرى .. بذلك اللحن من فم تلك الحورية الساحرة !

وهجرت الأهل والوطن وأنا قلق حزين .. أسأل نفسي وأقول : هل أنا محروم حقا ؟ ماذا أفعل حتى أرفع عن نفسي قرار الحرمان،، وأنال صك الغفران من يد الرحمن ؟

وها أنا ذا أجاور الحرم الأمين .. ومنذ سنين .. لعل الرحمن الرحيم ينظر إلي نظرة يرحمني بها ،، فلا يحرمني مما فاز به أصحابي الذين غادروا أرض الأحزان إلى دار السرور في أحضان الحور .

***

أيها العشاق !

وأسدل الستار …

ولو كنت على المسرح لقلت لذلك الصب المستهام والعاشق الولهان :

إن أقرب طريق للوصول ، وأغلى ثمن وأرجى عمل مقبول .. هو ما جاءنا على لسان العابد الزاهد والعالم العامل المجاهد الأمام عبد الله بن المبارك يخاطب صاحبه الفضيل بن عياض ذلك العابد الذي جاور الحرمين فهو لا ينفك عن التنقل بينهما يعبد الله في علاه وهو قلق تتقاذفه الأشواق بين هذا الحرم وذاك الحرم .. يستبد به الشوق مرة إلى لقاء الحبيب فيشد الرحال إلى (طَيبة) .. ويهوي به فؤاده مرة فيشدها إلى بطحاء مكة ! حتى لقب بـ(عابد الحرمين). فيرسل إليه صاحبه ابن المبارك رسالته هذه من ميدان الجهاد معفرة بغبار سنابك الخيل، مضمخة بعطر دم الشهادة . يقول فيها :

يا عابدَ الحرمينِ لو أبصرتَنا ريحُ العبيرِ لكم.. ونحنُ عبيرُنا
منْ كانَ يُخضِبُ خدَّهُ بدموعِهِ
أوْ كانَ يُتعبُ خيلَه في باطلٍ
ولقدْ أتانا منْ مقالِ نبيِّنا

لعلمتَ أنّك بالعبادةِ تلعبُ
رهُجُ السنابُكِ والغبارُ الأطيبُ
فنحورُنا بدمائِنا تتخضبُ
فخيولُنا يومَ الصبيحةِ تتعبُ
قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يكذبُ
لا يستوي غبارُ خيلِ اللهِ في أنفِ امرئٍ ودخانَ نارٍ تلهبُ
هذا كتابُ اللهِ ينطقُ بينَنا

ليس الشهيدُ بميتٍ.. لا يكذبُ

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: