التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

في ذكرى الشهيد نوري خلف الدليمي (3)

د. طه حامد الدليمي

oo

هذا ما حدث ..!

تأملوا ما حدث لي قبل أسبوعين في ذلك اليوم الذي زرنا فيه أخانا وصديقنا القديم محمود:

قبل سنين عثرت بين أوراق أخي على رسالة موجهة منه إلى محمود.. رسالة أخوية فيها نفثات وشجن.. وكلمات عفوية رقيقة نابعة من القلب. احتفظت بالرسالة لا لشيء إلا للذكرى.

في يوم ذهابنا إلى محمود تذكرتها! فأخذتها معي كشيء عزيز طريف: رسالة عمرها اثنان وعشرون عاماً..! أُرسلتْ منذ ذلك التاريخ ولم تصل إلا بعد هذه السنين الطويلة من أخ حبيب إلى أخ حبيب.

في المسجد حين صلينا الظهر في (دلي عباس) خطر لي خاطر غريب، لا أدري كيف برق في خاطري ولا كيف اجتاز مسرعاً دون أن يتوقف ولا أن يترك أثراً صفحة ذاكرتي! ولغرابته ويجزمي ببعده عن الواقع تلاشى سريعاً، حتى إنني لم أكلف نفسي مد يدي إلى جيبي حيث الرسالة لأنظر ما فيها مما يصدّق ذلك الخاطر أو يكذبه، وهل تحتاج الخيالات المجنحة أو المغرقة في الغرابة إلى دليل يكذبها؟!

وعند الرواق قبل أن أدلف إلى حجرة الضيوف زاغت عيني إلى تلك التشكيلة الرائعة من الورود التي صاغتها يد الصَّناع الماهر محمود، وجمدت برهة لتستعيد ذكريات سبقت في رواقه الحبيب من بيته القديم في تلك الناحية.

وبعد أن انتهينا من الغداء أخرجت الرسالة ويا لَشدة المفاجأة!

ويا لغرابتها؟!

وجدت الرسالة مؤرخة هكذا (15/4/1979 الأحد). فما الغرابة في هذا؟

هل تصدق أنه التاريخ نفسه!

وتسأل: أي تاريخ تقصد؟ وأجيب وأنا في غاية العجب: إنه تاريخ اليوم نفسه الذي كنا فيه نزور أخانا محمود.. نعم نفسه! ليس تاريخ أيام الشهر فقط، بل حتى يوم الأسبوع كان هو نفسه (الأحد).. وعجبت واستعجب الحاضرون أشد العجب!

وأعجب من ذلك أن هذا هو الخاطر الذي برق في ذهني بجوار المسجد دون سابق ربط أو إنذار! نعم كنت أعرف أن الرسالة مؤرخة ولكن كأي رقم أو تأريخ لا أحفظه، فضلاً عن أن يمكن أن أدري أو أتوقع أو يمر في البال أن تاريخ كتابة الرسالة سيكون هو نفسه تاريخ اليوم الذي نذهب فيه إلى المرسل إليه.. وأنى لي ذلك؟! ولم نكن اتفقنا على أن نجمع بين اليومين، ولا نحن نعلم تأريخ الرسالة.. بل حصل الاتفاق صدفة وقدراً!

صدفة.. بلا اتفاق.

وقدراً من الله..؛ لأنه لا صدفة في ملك الله بل كل صدفة فهي بقدر: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ.

ولكن………

لماذا قدّر الله ذلك وجعل يوم وصول الرسالة إلى صاحبها، وبعد اثنين وعشرين عاماً من كتابتها، هو اليوم الذي كتبت فيه يوم كتبت من دون ميعاد أو اتفاق مسبق؟!

وقالوا… وقلنا… ..

إن الرب العظيم الذي يدبر هذا الكون العظيم ثم لا يشغله ذلك كله عن أن يعبأ بأمر صغير كهذا، بحيث أنه يرعى بقدره هذه القصاصة الصغيرة، ومثلها مليارات بل مليارات الترليونات مضروبة في أمثالها من الأوراق تكتب يومياً ولأكثر من عشرين سنة! لهو رب لطيف ودود حبيب قريب! لا يشغله شيء عن شيء.

وإن إنساناً يرعاه الله إلى حد أنه يعتني بورقة صغيرة سقطت منه، ويوصلها إلى من أرسلها إليه بهذه الطريقة العجيبة.. يشير ذلك إلى أنه كريم على الله.. حبيب إليه.. وأن أعماله الصالحة كلها محفوظة لديه.

وإن هذه العناية تدل على صدق الأُخوّة التي ربطت بين الاثنين. ولعل هذه الورقة بطاقة دخول لتلك الأُخوة إلى الجنة. ولعل الله تعالى يشمل بذلك من وفقه إلى أن تصل الرسالة على يديه.

وقالوا أيضاً: إن هذا يشير إلى حياة الشهيد فكأن المرسل حي كتب الرسالة وأوصلها في اليوم نفسه.

وقلنا ….. .. وقلنا..

ويبقى لطف الله – مع كل ما قيل ويقال – أكبر، ورحمته أوسع، وأسراره وحكمه وعجائبه لا تنقضي.

هل اشتقت الآن إلى قراءة الرسالة؟ إذن فهاكها لعلك تكتشف فيها ما لم نكتشف، وتقول فيها ما لم نقل. وتجد فيها لمحة من لطف، ونفحة من طيب، ولفحة من قسوة حياة رجل أردت أن أتحدث عن حياته في يوم ذكراه فألجم حروفي جلال السيرة وشعورها بالعجز عن ترسم خطاها والعروج إلى شيء من مداها:

الرسالة

الأخ محمود

لقد أتيتك عصر هذا اليوم وكأني أصّعد في السماء من ضيق صدري ولكن للأسف لم أجدك بعد أن أقنعت نفسي أن الغُمة التي تغشاني سيكشفها محمود إذا بثثت له أحزاني فاتجهت نحو خبائك بعد هذه التهويمة الآيسة مطأطئ الرأس. (وسأجده يذرع دهليز الحديقة ذهاباً وإياباً. ربما استلقى على صدره من شدة التعب وو ـ حتى اصطدمت بأطفالك. وأراد محمد أن يسبقني بشيء من الكلام ربما ينفي وجود أبيه فعاجلته بالسؤال عن وجودك من مكان بعيد فتشاءمت مما قال. ثم رجعت من حيث أتيت ـ كمن رجع بخفي حنين.

رسالة يا أخ محمود :

في كل شهر أو شهرين أو أقل أو أكثر يعتريني شيء مبهم أخصك بخبره وأبثك إياه أشعر بضيق نفسي وأكره الحياة كلها ولا أستذوق شيئاً منها وحتى لا أستأنس بالعزيز من أصدقائي وأكره كل شيء وأفرّ من كل شيء إلى لا شيء. حتى أنزعج من صوت المذياع مهما كان الكلام وأكره أن يكلمني الآخرين كثيراً.

ويأخذني اليأس ويتغلب عليّ القنوط من الحياة وأجد سلوتي في الخلوة ومراجعة التأريخ الماضي. ولكن في هذه المرة فضلتك على خلوتي وحسبت لقاءك سلوتي. ولكن قدر الله وما شاء فعل.

15/4/1979م الأحــد

نــوري خــلف

نعم.. قدر الله وما شـــاء فعل .

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: