التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

من ذكريات رمضان .. صحن الشوربة .. هو السبب !

د. طه حامد الدليمي

25 رمضان 1434

في رمضان 1431/2010 كان أشبه بالورطة ذهابي إلى مصر لإعطاء حلقات رمضانية من خلال شاشة قناة (صفا)!

صداع يضرب عميقاً في ناصيتي.. القلق.. والانتظار الذي لا أعرف متى يتمرد على خط اللانهاية ويطلقني من دوامته. والسهر ترقباً لصبيحة سفر بت له أتقلب – كما هي عادتي – حتى طلع الصباح. ولم أنم إلا عند الساعة الثانية. استيقظت بعد ساعة على رنة رسالة عن تفجير سوق العشار في البصرة مع غروب شمس اليوم الماضي. بقيت سهران إثرها إلى أن أشرق الفجر بنوره، قمت للصلاة، ثم نمت بعدها سويعات قليلة. ثم.. أفطرت على لقيمات وشربت الشاي على عجلٍ، وبدأت السفر.

حطت الطيارة على أرض المطار بحمد الله، وواصلت السير إلى حي (الأشجار) في (6 أكتوبر) لأصله عصر ذلك اليوم الكئيب. قالوا لي قبل السفر: كل شيء جاهز، وما عليك إلا المجيء، والتهيؤ لإلقاء حلقات رمضان الذي بات على الأبواب. شقة جديدة، فيها كل أسباب الراحة وما يعين على القراءة والبحث وإنتاج الأفكار.

ودخلت الشقة فإذا هي أشبه بالخراب!

لم أجد فيها شيئاً صالحاً سوى سرير ومكيف فاقد لجهاز التحكم. الستائر مرمية على الأرض إلى جانب النوافذ. والمطبخ يعج بالأغراض التي تناثرت هنا وهناك، ثلاجة صغيرة عاطلة. جهاز التلفزيون صامت حركته فإذا هو غير موصول بشبكة البث. حتى الكتب موضوعة في صناديق بعضها فوق بعض، إذا أردت كتاباً بعينه لا تكاد تقع عليه إلا بعد جهد جهيد، وبحث شديد.

صورة003

كنت جوعان غاية الجوع. بحثت في زوايا المكان..

– هذا كيس فيه تمرات! الحمد لله.

تناولت بعضها ثم تركت الباقي خشية العطش ولا ماء في الشقة. حاجتي ماسة إلى الرقاد، دسست جسمي في الفراش، وحمدت الله أن تمكنت من اقتناص ساعتين من النوم. استيقظت بعدها فإذا الجوع يهاجمني.. ينهش أمعائي.

كانت الشمس تدنو من المغيب حين نزلت إلى سوق شعبي صغير. وبينما أنا أشتري بعض الحاجيات إذا مجموعة من كادر القناة. جلسنا في المقهى القريب.

– أيش تشرب؟ ابتسمت وقلت:

– ماء

– ماء فقط!

– ماء فقط

– لماذا؟

– أريد أن أغسل معدتي

هل انتبهوا إلى مقصودي من هذه العبارة أم لا؟ أخذتهم الأحاديث إلى أن أُذّن للمغرب، وأنا أتلفت: هل من مطعم أو كافتريا؟ وقبل الذهاب إلى المسجد القريب أشرت إلى حاجتي لطعام، وحيرتي من كيفية الحصول عليه؟ فالمنطقة لم أدخلها من قبل.. كل شيء فيها مجهول لدي.

وبينما نحن كذلك إذا بالتيار الكهربائي ينقطع عن المنطقة. أخذوني إلى مطعم قريب، لكن صاحبه اعتذر عن تقديم أي شيء قبل عودة الكهرباء. كان دخان المشويات يتسلل إلى أنفي فيثير شهيتي ويزيد من جوعي ووجعي. صلينا ثم جلسنا ننتظر في الفسحة الكبيرة وسط السوق، والتي عملوا منها شيئاً أشبه بالمقهى. كان هناك بعض العراقيين يقتعدون مجموعتين من الكراسي، عرفتهم من أشكالهم وقيافتهم. وقبيل أذان العشاء عاد التيار الكهربائي، لكننا ذهبنا للصلاة.

الصداع يشتد وهو يزحف كلص حذر إلى رأسي شيئاً فشيئاً.. والمعدة، ترسل نداءات استغاثة فتترجمها أجهزة الاستشعار المركزي إلى مزيد من الصداع. أخيراً حصلت على وجبة طعام بعد العشاء بساعة!

وحينما خيم الليل تمكنت من خطف سويعات قلقة تخللها كثير من الاستيقاظ لموعد مهم بقي معلقاً إلى الآن، ولا أعرف متى يمكنني الوصول إلى أصحابه لينتهي ذلك الضيق والقلق، وأقدر على تنفيذ ما جئت لأجله من عمل، والعين مشدودة إلى الجوال، وأضغاث من أحلام حول الموعد وأصحابه.

“كأنني أختنق”.. هذا هو إحساسي. هاتفت صديقاً لي فدعاني للغداء ظهر اليوم التالي. قلت: لعل ذلك يخفف عني بعض ما بي. كان غداء وفطوراً، وربما سيكون هو العشاء. ورغم شوقي إليه، كانت شهيتي للكلام وقدرتي على الاستماع ضعيفة، ولم يتسلل إلى نفسي أي شعور بالراحة. وكان الجو حاراً، وليس سوى مروحة واحدة ونحن ثلاثة! قلت: أرجع إلى شقتي، على الأقل أكسب برودة الجو. وهكذا حملت جسدي وعدت من حيث أتيت.

الزمن يزحف بطيئاً.. خانقاً كمطرقة ثقيلة، أو كثقل كبير موضوعٍ على رأسي.

ومع الليل تزداد المعاناة تعقيداً. ما إن أضع رأسي على المخدة حتى تهجم عليّ الهواجس، والوساوس، والأفكار المزعجة نفسها مع بهارات جديدة. وتساؤلات كثيرة تتزاحم على ذاكرتي.. رأسي لا يتحمل المزيد. إنه يكاد ينفجر!

وجاء رمضان

وجاء رمضان وأنا على هذه الحال. لكن أضيفت أحمال جديدة إلى الأحمال السابقة. أين أفطر؟ من يعمل الفطور؟ وعلى ماذا أفطر؟ والسحور كيف سيكون.. أين؟ ومن؟ وعلى ماذا؟ لا أدري من الذي كتب العقد الكاثوليكي بين صديقي الكويتي (مدير القناة) وبين مطعم الكنتاكي فطوراً وسحوراً! ولولا طبيعتي المتمردة لانقضت أيامنا كنتاكي على كنتاكي، وربما عيّدنا عليه أيضاً!

كم اشتقت إلى صحن (شوربة العدس)! فنحن العراقيين لا يمكن أن يخلو عندنا إفطار من الثلاثي الجميل: الماء والتمراء و….. الوجه الـ.. عفواً أقصد الشوربة. ويدعوني صديق مصري على وجبة إفطار، وألبي دعوته بلا تردد.. لأتفاجأ بخلو المائدة من الصحن الحبيب.. كنت أتصور أن كل الناس مثلنا، بل لم أكن أتوقع أن أحداً يمكن أن يفطر دون ذلك الحساء البديع.

أنا وصحن الشوربة

وكم فرحت يوم دعاني صديق عراقي – تعرفت عليه، أو تعرف عليّ، قبل بضعة أشهر – لكي أفطر في بيته. لا أكذبكم القول إن شوربة العدس هي أكثر ما جعلني أستجيب لدعوته.

وذهبت ولم أكن أدري أنني ذاهب إلى ورطة أخرى!

كان معي في تلك الدعوة اثنان من الأصدقاء. وفي مدينة (مدينتي) الرائعة الجمال حططنا الرحال. ويا ليتها ما كانت!

ما إن أخذنا مجالسنا في حجرة الضيوف حتى انطلق مضيفي وابنه وكأنهما على موعد مع مباراة كلامية ضد أحد الصديقين. لم يتركوا شاردة ولا واردة إلا وتلاقفوها بينهم في أحاديث مكررة، انتهت فترة صلاحيتها منذ شهور – إن لم تكن سنين – عن الوضع السياسي، والشيعة والسنة، وما شابهها من موضوعات محشوة بكل ما لاكته الألسن ولفظته الأفواه، والنفوس أيضاً. والتي عادة ما يتناهشونها قبل أن يتم أحدهم دورته الكلامية التي لا يكاد ينقطع شريطها الباهت الطويل حتى يبتدئ ثانية. وعاودني الصداع مستحثاً مدفع الإفطار.

قررت الانشغال بتصفح بعض الكتب، وجدتها مركونة على رف قريب، والإضراب كلياً عن الاشتراك في هذه المباراة الكلامية المليلة، والتي تجدد نفسها في كل لقاء. وأنا أعجب من هذه القدرة الفائقة على الكلام عند بعض بني البشر، رغم نضوب السكر في الشرايين بسبب الصيام!

ربما تتساءلون عن الشوربة وهل وفت بوعدها معي؟ وأقول لكم: اطمئنوا لا حياة بلا شمس، ولا عراقي بلا شوربة في رمضان!

في طريق العودة

في طريق العودة – وكان طويلاً – استلمنا المضيف بحديثه ثانية، لكن هذه المرة كان يسرد على مسامعنا قصة هدايته، وكأنه سلمان الفارسي!

لا أعلم أي شيطان نفث في روعي أن أقول له: “ما رأيك لو كتبتها لنا في أوراق حتى يمكننا الاستفادة منها، سيما وأن الذاكرة لا تقوى على حفظها بتفاصيلها”. فإن الشياطين تقيد في أيام رمضان ولياليه.

لم أدرِ أي ورطة أَخرى دخلت فيها بهذه الكلمات! فما إن سمع صاحبي ملاحظتي هذه حتى بدا كأنه نشط من عقال؛ فما غادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ولا نادرة ولا بادرة إلا اقتنصها، ولا تفريعاً ولا تأصيلاً إلا أتى عليه. مع مخللات ومطيبات تلزم في مثل هذه الحالات.

أردت أن أقطع عليه الطريق بأن أعدت على مسامعه ملاحظتي ثانية عساه أن يدرك ما أرمي إليه، لكنه ما كان له أن يفهم عني شيئاً. حاولت تغيير الموضوع بطرح جمل اعتراضية مناسبة للتخلص من سياق القصة، فلم تُجدِ محاولتي شيئاً. جربت وسائل أخرى وأخرى، ولا من جدوى!

أخيراً….. وأرجو أن تعذروني..

  • أبا فلان! هل تسمح لي بأن أطرح على حضرتك سؤالاً؟

– تفضل

– كم عددنا نحن الجالسين في السيارة؟

– أربعة

– هذا يعني أن لكل واحد منا حصة في الكلام تساوي الربع. تمام؟

– تمام

– طيب هل يمكنك أن تخبرني من هذا الذي منحك حق مصادرة الحصص كلها لك وحدك بلا منافس؟ ثم إنني – بحكم كوني شيخ المجموعة – مِن الأَولى أن تكون لي حصة الأسد، لتنتفعوا بوجودي، وتستغلوا الفرصة لتبادل آراء أنفع، وأفكار أجدى. أما أن يستحوذ واحد أو اثنان على المجلس دون الباقين، فهذا غير مقبول.

إخواني! رجاء لينتبه كل واحد منا إلى نفسه عندما يتكلم، وليعلم أنه ليس بأولى من غيره، وليس لديه ما يميزه حتى يستحوذ على الحاضرين بأحاديثه التي قد تكون معلومة، وليس فيها ما يضاف إلى الرصيد.

قال: عفواً شيخ! أنا آسف؛ اعذرني.

قلت (وقد شعرت أنه أُحرج): لست أنت المقصود حصراً، وإنما قلت ما قلت على قاعدة الشيء بالشيء يذكر. إنها ظاهرة عامة وليست خاصة بك وحدك.

بعد قليل أوقف السيارة ونزل منها لبعض شأنه. قال أحد الصديقين، وما زال الآخر صامتاً! (هل لاحظتم؟): ماذا فعلت به؟ لقد حطمته!

قلت: بل هذا يدعم قراري الذي اتخذته منذ مدة أن أقاطع كل (العزائم) وكل الدعوات؛ ماذا استفدنا من رحلتنا اليوم غير التعب وخسارة الوقت، وهو عمر الإنسان وحياته؟

أدرت المفتاح في باب الشقة، وأضأت المصباح، ثم أطفأته وتمددت على السرير وأنا أحلم بصحن شوربة آخر، ولكن في بيتي مع أهلي، وبسكينة وهدوء لا يقطعه إلا رنم الرشفات المتتالية التي عقدتها السنين بين شفاهي وبين ذلك الصحن الحبيب.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: