مقالات

العالم الذي لا ينفع

د. طه حامد الدليمي

http://www.alqadisiyya3.com/images/download_2.jpg مما قرأناه في الزمن الأول عن الشاعر العباسي أبي الطيب المتنبي أنه ساوم في صباه صاحب دكان يبيع الفاكهة على بطاطيخ، فقال له البائع بغير اكتراث: اذهب فليس هذا من أكلك! فتماسك قائلاً: يا هذا، دع ما يغيظ واقصد الثمن. قال: ثمنها عشرة دراهم. فدفع له خمسة دراهم فلم يقبل. يقول المتنبي: فوقفت حائراً، وإذا بشيخ من التجار قد خرج من الخان ذاهباً إلى داره. فوثب إليه صاحب البطيخ من الدكان، ودعا له، وقال: يا مولاي، هذا بطيخ باكورة، هل تأذن بأن أحمله إلى البيت؟ فقال الشيخ: ويحك، بكم هذا؟ قال: بخمسة دراهم. قال: بل بدرهمين! فباعَهُ البطاطيخ بدرهمين، وحملها إلى داره، ودعا له. وعاد إلى دكانه مسروراً بما فعل. فقلت: يا هذا، ما رأيتُ أعجب من جهلك. اسْتَمْتَ عليّ (غاليت في الثمن) في هذا البطيخ، وفعلت فعلتك التي فعلت، وكنتُ قد أعطيتك في ثمنه خمسة دراهم، فبعتَهُ بدرهمين محمولاً! فقال: اسكت! هذا يملك مائة ألف دينار!

ما أشبه هذا البائع بحال الكثيرين من الناس اليوم وهم يُجِلون بصورة تقرب من التقديس حملة علم جُّلُّ علمهم لا ينتفعون به، ولا هو من العلم الذي ينفع، بل هو أشبه ما يكون بنقود أو مسكوكات تاريخية لا تصلح إلا أن توضع في المتاحف يتفرج عليها الزوار. بل لا يكتفي البعض بذلك حتى يريد أن يجعل منهم قادة يسير وراءهم الناس في أمور هم أبعد الناس عنها خصوصاً ما تعلق منها بالسياسة وشؤون المجتمع العامة!

قيمة العالم بنفعه الاجتماعي

هل قيمة الثري الحقيقية في مجرد حجم ثروته؟ أم فيما يخرج من بين الخزائن منها إلى المجتمع لينتفع به الناس: مباشرة بالإنفاق، أو على شكل مشاريع عامة؟ لا يقول بالجواب الأول إلا من كان على شاكلة ذلك البائع صاحب البطاطيخ. وإذا كان الجواب الثاني هو المتفق عليه بين العقلاء، فتعالوا بنا لحظات نتوقف فيها عند العلم الذي يحمله كثير ممن يتصدر ما يسمى بـ(المؤسسة) الدينية.

أزمة الـ(فقه)

العلم الذي يستند عليه هؤلاء العلماء في صلاحيتهم للتصدر هو علم (الفقه) وعلوم الآلة التي تخدمه من اللغة وأصول الفقه والحديث وغيرها. ولنا على هذا العلم عدة ملاحظ جوهرية:

الأول: إن هذا العلم الذي بات يطلق عليه – منذ قرون – اسم (الفقه) يخاطب المجتمع كأفراد، لا كمجموع. فهو عاجز عن تأسيس مشروع لبناء مجتمع. والإسلام دين أنزله الله تعالى لإنشاء دولة لا لإصلاح أفراد كل على حدة.

الثاني: إن 95٪ من مادة هذا (الفقه) تفاصيل وفروع ما عاد حتى الفرد في حاجة إليها فضلاً عن المجتمع. وهي بأمس الحاجة إلى تنشيط وتجديد وتكييف بما يتلاءم وحاجة الواقع الجغرافي لا الوجود التاريخي.

الثالث: إن مستند علماء هذا (الفقه) حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه الشيخان عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين). والفقه الذي قصده النبي عليه السلام هو الفقه العام الشامل لكل علوم الدين، وليس قاصراً على علم فروع الأحكام العملية الذي اصطُلح عليه في القرون المتأخرة. فإن هذا اصطلاح خاص بعلم (أصول الفقه). وإذا كان (الدين) بالمفهوم الرباني يشمل شؤون الحياة كلها تبين لنا أن الفقه في كل العلوم مشمول بوصف الخيرية. ولهذا لو تتبعت آيات القرآن الكريم وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته تجد الفقه المقصود هو فقه النوازل وهو العلم بالحوادث النازلة أو الواقعة حقاً: عبادية كانت أم معاملاتية، دينية أم دنيوية. ولهذا لم يترك لنا نبينا كتاباً في (الفقه) نلتزم به ويكون العالم به هو الفقيه وهو المرجع؛ لأن الفقه الرباني متحرك لا جامد، يتغير بتغير الزمان والمكان والأعيان. ولو كان هناك فقه مقدس قابل للاعتماد طول التاريخ لكان هو الفقه الأول. ولقد كان السلف على علم بهذا الفهم الشمولي، فكان من تطبيقاته أن مستشاري الخليفة كانوا من جميع أصناف العلماء في السياسة والعسكرية والأمن والفتيا والقضاء والمال وغيرها مما تتطلبه الحاجة الدائمة والآنية للمجتمع. فيكون التنفيذ الصحيح للأمر الشرعي اليوم عن طريق مجمع علمي من جميع التخصصات مرتبط بمنظومة قيادية تمثل أهل السنة. وما عدا فلا حجة ولا إلزام ولا اتباع فيه إلا لأصحابه على أصحابه.

من تكلم بغير فنه

في غياب هذا الفهم، الذي هو مظهر من مظاهر التقهقر الناشب في مفاصل الأمة، لم يعد مستغرباً أن يكون ممن أطلقوا على أنفسهم اسم (كبار العلماء) – مع احترامنا لأشخاصهم لاعتبارات عديدة – من اقترف أحكاماً مدمرة فتكت بسنة العراق أيما فتك! وعبّرت عن بعد شديد لا عن الواقع فحسب، بل عن الدين حتى في أصوله! وعن السياسة حتى في مفاهيمها البسيطة! فالدكتور أحمد الكبيسي– مثلاً – ادعى في العدد الأول لمجلته (الساعة) التي صدرت أعداد منها بداية الاحتلال سنة 2003 ثم اختفت، أن دين السنة والشيعة واحد، وهم متفقون في 95٪ من عقائدهم وفقههم. وفي أول خطبة بعد الاحتلال يوم 18/4/2003 في جامع أبي حنيفة ببغداد مدح الشيعة فقال ثلاثاً: “بيّض الله وجوه الشيعة”! وقال قبل ثلاث سنوات بجواز نكاح المتعة. وادعى قبل أكثر من سنة أن أهل الأنبار نواصب. وشتم أمير المؤمنين معاوية. ويقدم حلولاً سطحية لكارثة العراق. والدكتور حارث الضاري لا يفترق عنه كثيراً في نظرته للشيعة، وهو – إلى اليوم – يقول بأن الصراع السني الشيعي خلاف سياسي. وكان يقول بأن الكارثة ستنتهي بمجرد رحيل الأمريكان، وأن المليشيات يومها ستزدحم بهم الحدود هرباً! ويتمدح بمقتدى والتيار الصدري. وقناة (الرافدين) التابعة له ما زالت حتى الساعة تستضيف من يثني عليهم! وغني عن البيان ما ذكره الدكتور عبد الملك السعدي في خطبته المشهورة على منصة اعتصام الرمادي قبل تسعة أشهر عن كون السنة شيعة والشيعة سنة! فضلاً عن مجازفات اعتقادية غالية لا نريد الخوض فيها. ويقول عن (مطالب) المعتصمين بأن المالكي يمكنه الاستجابة لها بتوقيع لا يستغرق منه أكثر من دقيقتين! غافلاً عن السياقات القانونية والدستورية، ومتجاهلاً العوائق الاجتماعية والسياسية المزمنة. فضلاً عن كون استجابة المطالب – على فرض حصولها – لن تحل أصل المشكلة.

هذا غيض من فيض الشواهد على كون معظم العلم الذي يتمتع به هؤلاء (الكبار) هو من صنف العلم الذي لا ينفع. وأن تقديس البعض وخضوعه لهم هو كخضوع بائع البطيخ لذلك التاجر البخيل. وضحكت وأنا أقرأ في مقدمة البيان الذي أصدروه قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا). (النساء:83)!

أين هؤلاء من قول شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يطل به على واقع العراق من قبل سبعة قرون: (إذا صار لليهود دولة بالعراق وغيره تكون الرافضة من أعظم أعوانهم فهم دائما يوالون الكفار من المشركين واليهود والنصارى ويعاونونهم على قتال المسلمين ومعاداتهم)([1])؟

حقاً.. علم مخزون أو غير قابل للحراك في المجتمع كمال مكنوز لا ينفق منه، أو عملة سقطت فلم تعد تصلح إلا للمتاحف.

_________________________________________________________________________________

  1. – منهاج السنة 2/378.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: