مقالات

د. طه حامد الدليمي

إذا أردنا أن نلخص صفات (القائد الأصيل) بكلمة واحدة فهي (القابلية على تخليق الفكرة). وهذا الصنف من القادة هو الذي ينبغي على المؤسسة أن تحرص على وجوده بما يحقق الكفاية. وذلك على الدوام. وتفرد لهذه المهمة برنامجاً خاصاً ملازماً لها. بهذا تستمر مبدعة خلاقة متجددة. ودون ذلك تتحول إلى مجموعة أشخاص يتحركون ضمن مسار سرعان ما يتسلل إلى مفاصله الجمود والعطب ثم التوقف.

لا نريد – بالدرجة الأولى – ذلك الشخص الذي يبدو للناظر أنه قائد لكونه يتقدم المسير، وهو في الحقيقة مجرد ناقل للفكر ومنفذ للبرنامج، لا صانع مبدع له. وإن كانت المؤسسة لا غنى لها عنه.

وإذا كانت القيادة صفة من الممكن أن تكتسب، فكيف يمكن أن يكتسب الشخص تلك القابلية التي تلخص صفات القائد ألا وهي القابلية على تخليق الفكرة؟

تفجير طاقة التفكير

تكتسب القابلية على تخليق الفكرة وتنمى وتطور باتباع منهجية راقية أسميناها (تفجير طاقة التفكير). وفيما يلي أهم تِقْنياتها([1]):

1. ربانية التفكير

مشروعنا رباني المنشأ والمنطلق والمسار. وإذا كانت أول كلمة نزلت من السماء هي (اقْرَأْ) (العلق:1)، فإن تلك القراءة المأمور بها قراءة ربانية: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ). بهذا تزكو وتنمو ويباركها الإله جل في علاه. وذلك يكون بما يلي:

  1. الالتجاء إلى الله تعالى ودعاؤه وحده أن يفتح مغاليق العلم وأبوابه. فكان من أدعية النبي التي يفتتح بها صلاته إذا قام من الليل: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل. فاطر السماوات والأرض. عالم الغيب والشهادة. أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم)([2]). وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: (ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مئة تفسير، ثم أسأل الله الفهم وأقول: يا معلم آدم وابراهيم علمني، وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها، وأمرغ وجهي في التراب وأسأل الله وأقول: يا معلم إبراهيم فهمني).
  2. تدبر القرآن الكريم والنظر إليه من خلال الواقع، والنظر إلى الواقع من خلاله. فعندما تقرأ – مثلاً – سورة (الأحزاب) وأنت تنظر إلى واقع تسب فيه أمهات المؤمنين رضي الله عنهن، فإن هذا سيحثك لاكتشاف أن محور السورة إنما سيق للحديث عن أزواجه ! وحين تقرأ قصة الهدهد في سورة (النمل) وأنت تعاني من القوالب الجامدة للأحزاب والجماعات والهيئات، ليس بمستغرب أن يتبادر إلى ذهنك هذه الحكمة العظيمة: (الخروج على النظام لأجل النظام نظام).
  3. النظر في السنة والسيرة النبوية على أن يكون الفهم منضبطاً بالقرآن الكريم. مثال ذلك ما رواه أحمد والترمذي وغيرهما عن أبي الدرداء قال: قال النبي : (ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليلككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى. قال: (ذكر الله)([3]). لا ينبغي أن يفهم بمعزل عن قوله تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:142) وما في معناه من الآيات المحكمات في وجوب الجهاد وعلو منزلته على نوافل العبادات: الصلاة فما دونها. ومن دلائل ذلك ما رواه الشيخان عن أبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ: دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ؟ قَالَ: (لا أَجِدُهُ). قَالَ: (هَلْ تَسْتَطِيعُ إِذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَكَ فَتَقُومَ وَلا تَفْتُرَ وَتَصُومَ وَلا تُفْطِرَ)؟ قَالَ: وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ! قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: (إِنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَيَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَيُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٍ). ومن ذلك القول بتأسيس الأصول على متواتر السنة، أي دون نص من القرآن الكريم؛ فهذه القاعدة تخالف عشرات الآيات المصرحة بأنه مصدر الهدى، وأنه كاف في بيان أصول الدين، كما قال سبحانه: (وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآَيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ * أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ * قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (العنكبوت:50-52). كما أنها عاطلة غير منتجة؛ إذ يعجز أصحابها أن يأتوا بأصل غير مصرح به نصاً في القرآن.

2. القراءة العملية المركزة

من تقنيات هذه القراءة:

أ. اتباع قاعدة “الفهم قبل الحفظ“؛ تجنباً للوقوع في فخ التقليدية والاستنساخ. فإذا أردت أن تعرف فقه هذا المنهج أو أي منهج آخر والأفكار الواردة فيه فعليك باستحضار السؤالين التاليين: لماذا؟ وكيف؟ أي لماذا قيل كذا.. ما الهدف من ورائه؟ وما السبيل الذي اتبعه صاحب الفكرة فتوصل إليها؟ والتنقيب عن ذلك حتى تقع على الجواب. مثلاً: قيدنا مشروعنا بوصف (الرباني) دون (الإسلامي)؟ لماذا؟ وكيف تم استنباط ذلك([4]

ب. اتباع أساليب مبتكرة في القراءة، مثل:

  1. وضع إشارة تحت أي عبارة أو كلمة تجدها متميزة
  2. جدولة العبارات أو الكلمات المتميزة في قائمة
  3. تمييز الكلمات العملية منها (القابلة التحويل إلى خطة عمل)
  4. اختيار أهم (5) كلمات عملية (العدد قابل للتغيير)
  5. تحديد الكلمة التي تحتوي على الفكرة الأم أو (الأساسية) من بين الأفكار التابعة أو (البنائية) [مثلاً مقال وردت فيه هذه الكلمات المتميزة: الهوية، القيادة، المال، المؤسسة، الإقليم]
  6. تقديم تفعيل الفكرة الأم وجعلها محور العمل [من هنا ولدت فكرة التأسيس على مرحلة التحصين]

للبحث صلة..

25/5/2014

_________________________________________________________________________________

  1. – تِقْنيّة: مصدر صناعيّ نسبة إلى تِقْن. وهو أسلوب أو فنِّيَّة في إنجاز عمل أو بحث علميّ ونحو ذلك، أو جملة الوسائل والأساليب والطرائق التي تختص بمهنة أو فنّ.
  2. – رواه مسلم وغيره عن عائشة رضي الله عنها.
  3. – صححه كثيرون وضعفه آخرون. قال ابن حجر في (الفتوحات): هذا حديثٌ مختلفٌ في رفعه ووقفه، وفي إرساله ووصله.
  4. – لم نصف مؤسستنا بـ(الإسلامية) وأبدلنا بها صفة (ربانية) لثلاثة أسباب:

    الأول: الأضرار المرافقة للفظ من حيث توهم كثيرين من أتباعه قدسية ما وصف به مثل (جماعة إسلامية، حزب إسلامي) فيكون فوق النقد. ومن حيث ارتباطه في الذاكرة الشعبية بإساءات جلبها أولئك الأتباع؛ فصار جمهور الناس ينفرون من لفظ (الإسلامي) لا سيما في العراق.

    الثاني: ورود كلمة (رباني) في الوحي الإلهي (الكتاب والسنة) عكس (الإسلامي).

    الثالث: اقترانها حيث وردت في النص الإلهي ببيان مهمة الرباني ووظيفته في الحياة، وهي على أربعة أقسام:

    1. تعليم الكتاب ودراسته: (كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) (آل عمران:79).

    2. تحكيم شرع الله: (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ) (المائدة:44).

    3. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ) (المائدة:63).

    4. القتال في سبيل الله: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) (آل عمران:146).

    وهذه (النصية مع الوظيفة) ميزة لصفة (الرباني والربانية) ليست لصفة (الإسلامي والإسلامية). فكيف وقد صارت مصحوبة بمفاسد لا يستهان بها!

    على أن في الأمر سعة، ولكن هذا خيارنا.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: