مقالات

أهل السنة ومنهجية ( الدفع بالتقسيط ) الكارثية نقاط مفصلية في موقفنا من ائتلاف القوى السنية العراقية (1)

د. طه حامد الدليمي

timthumb

بداية أقول: لست عدمياً كما قال الشاعر حسن المرواني: “أنا وليلى واشطبوا أسماءكم”. بل أتمنى للعاملين التوفيق وإن اختلفت معهم؛ فالاختلاف واقعاً لا يلزم منه التشطيب حتماً. حتى وإن قلت لأهل ليلى: أنتم على خطأ، وتمشون في طريق أعوج شبه مسدود. وقد نشتد أحياناً مع بعضنا في الكلام، لكن مازال هذا هو موقفي حتى اليوم من أهل السنة على اختلاف هيئاتهم وانتماءاتهم، مع بعض الاستثناءات. والله أعلم بقابل الأيام.

مازلت على الخط نفسه في موقفي من (ائتلاف القوى السنية العراقية)، الذي عقد مؤتمره التأسيسي في إستانبول في الأول من تموز الحالي. قرأت البيان الختامي للمؤتمر وبيان انضمام جماعة (أنصار السنة) إلى الائتلاف، وناقشت بعض أعضاء الائتلاف، فبرزت أمامي جملة نقاط مفصلية تتعلق بالشرع والسياسة والواقع تستدعي البيان. عدا معرفتي المسبقة بالمؤتمرين ونقاشاتي المباشرة لهم، وبياني للأخطاء الأصولية والاستراتيجية التي أدت بنا إلى هذه النتائج الكارثية.

سأبدأ ببيان بعض الأخطاء التي أرى أن (الائتلاف) وقع فيها نتيجة السير على مفاهيم سياسية قديمة مازالوا يسيرون عليها دون توقف رغم أنهم لم يجنوا منها سوى الفشل، دون الانتباه إلى أن المسار الواحد لا يوصل في نهايته إلى غرضين مختلفين.

من المؤكد أن البعض سيجد في نفسه عليّ، ويعتبر كلامي تجريحاً. وأقول لهذا الصنف من البشر الذي تحول إلى ثقل تنوء به رقابنا: نحن أولى منك بالموجدة، بل بما هو أكبر؛ فإنكم بعملكم هذا، ومهما حسنت نواياكم، تطيلون من ليل عذاب أهل السنة؛ إذ تسيرون في طريق معوج، بل خاطئ، تستنفدون فيه جهود الآخرين وتصدونهم عن الطريق أو المشروع الصحيح فتتأخر نتائجه، وقد تتعسر كثيراً. وربما يئس البعض فنفض يده من القضية السنية كلياً. عندها لن نكتفي بالموجدة.

لا بد من أداء الثمن دفعة لا تقسيطاً

منذ اليوم الأول كنا نقول: المعركة الحقيقية مع الشيعة، وليس الأمريكان. وحين اقترب جلاء الأمريكان قلت: الآن بدأت معركتنا، وكتبت ذلك. هذه نقطة خلاف مفصلية بيننا وبين إخواننا جميعاً، وكنا في جهة وهم – على اختلاف عناوينهم – في جهة. على أنني لا أؤمن بالقطيعة – وما زلت – فكنت ألتقي معهم على المشتركات.

في خريف 2010 كنت أحذر بقوة من أن يكون الشيعة هم البديل الذي سيمسك بالأرض بعد جلاء الأمريكان الذي أعلن الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما عن اكتماله نهاية 2011؛ فلا بد للسنة جميعاً من التكتل بوجه الاحتلال الشيعي قبل حدوث فراغ يقوم الشيعة بملئه. كانت محاولة لجمع أهل السنة استمرت بضعة أشهر، وكانت ذات شعبتين: شعبة عامة مع عموم السنة، وشعبة خاصة مع خواصهم. أما عموم السنة فقد تقدمنا معهم خطوات جيدة. حتى إذا وصلنا إلى نقطة الخلاف الجوهرية: الهوية السنية التي تعبر عن نفسها في العنوان الذي سنظهر به، أصروا على أن يكون العنوان وطنياً، وقالوا: عوض ذلك سنجعل المضمون في خدمة السنة. قلت: لا فائدة من هذا التحايل، ولا يمكن أن أكون ضمن تجمع لا تكون (السنية) عنوانه. وتركتهم لهذا السبب؛ وانتهى المشروع في مهده. أما الخواص فأخذوا يتباطأون ويسوفون حتى انماعت الفكرة وتحللت نفسها بنفسها. لأتفاجأ بظهورهم في يوم 1/7/2015 كمكون أساسي في (الإتلاف السني)! ضحكت وقلت: في المرة الأولى كان المضمون سنياً والعنوان وطنياً، فما بالهم هذه المرة جعلوا المضمون وطنياً والعنوان سنياً!

وبين 2010 و2015 – وما قبلها أيضاً – كانت لي لقاءات عديدة مع الإخوة الذين كونوا الإئتلاف الجديد. ولطالما دعوتهم لتبني القضية السنية بالعنوان السني دون أي عنوان آخر مهما كان المضمون معبراً عن القضية. فكانوا يرفضون. حتى قال لي أحدهم قبل ثلاث سنوات بعد نقاش طويل، وهو أحد الذين ظهروا على الشاشة عند تلاوة البيان: “إذا جعلنا العنوان سنياً لن يعطونا فلوساً”! فما عدا مما بدا؟ هل انعكس الأمر؟ ولا يخالجني شك في أن صاحبي لا يقصد الانتفاع الشخصي بالمال؛ فهو عندي ثقة أمين، وإنما لا بد من المال لإقامة ما ينوون من مشروع.

وكنا نعلم أنهم سيقولونها، ولكن لات حين قول. وكنا نصرخ فيهم: قولوها اليوم قبل الغد وإلا ستضطرون إلى دفع ثمن التأخير، وسيكون مضاعفاً. وهكذا كان؛ فالحقيقة لا بد أن تفرض نفسها في نهاية المطاف.

لو كانت الأمور بالأماني لواصلنا الليل بالنهار نتمنى لهم التوفيق.. ولكن الأمر كما قال جل في علاه: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا) (النساء:123). و(القضية) أعظم من أن تدفع مستحقاتها بالتقسيط.. سبع سنين لمضمون سني بعنوان وطني، تلتها خمس أخرى لعنوان سني لكن بمضمون وطني. وها قد مرت اثنتا عشرة سنة بين هذا وذاك فقدنا فيها كل شيء، وشرد أهلنا في الأرض شر مشرد. فكم تحتاجون من سنين حتى توحدوا بين العنوان والمضمون؟ والسؤال الأهم: هل ينفع ذلك حينذاك؟ وهل ستمتلكون الشجاعة للاعتراف بأنكم السبب؟ وهل ستكونون على استعداد لدفع الثمن؟

الجهل بدور الهوية وحاجة الهوية إلى النظير المنافس

يبدو أن إخواننا ما زالوا يجهلون أو يتجاهلون دور الهوية ولزومها الحتمي لتحقيق الهدف.

ويجهلون معنى الهوية وفقهها.

ويجهلون أو يتجاهلون أن هويتنا هي (السنية).

ويجهلون أو يتجاهلون أن الهوية الوطنية والإسلامية غباء أو هروب من مواجهة الواقع، أو وسيلة للحصول على بعض المكاسب. علماً أن الإسلامية ليست هي الإسلام؛ الإسلام دين والإسلامية هوية. والدين واحد ثابت، بينما الهوية متعددة متحركة. فأنت مع الكافر مسلم، ومع الفرنسي عربي (إن كنت عربياً)، ومع الشيعي سني. ولست مع الشيعي إسلامياً؛ هذا خطأ جوهري. وإنما أنت مع العلماني إسلامي. على أنني أفضل الهوية الربانية أمام العلمانية؛ فهي خير من الإسلامية، ولها ذكر في الكتاب والسنة، بينما الإسلامية لا ذكر لها فيهما، وصارت سبة على أهلها؛ لأنهم لم يكونوا بمستواها.

وما زال إخواننا يجهلون شيئاً آخر مهماً، أودعته (فقه الهوية)، هو حاجة الهوية إلى النظير المنافس؛ فإن أساس منشأ (الهوية) هو وجود نظير منافس بهوية أو اسم يميزه. وحتى تتحقق الغاية من تبني (الهوية) والتأكيد عليها، يحتاج ذلك شرطاً إلى ذكر الهوية المنافسة لها. وفيما يخصنا نحن أهل السنة، لا بد من تبني (الهوية السنية) أولاً، وتكميلها ضرورة بذكر الهوية النظيرة لها، وهي (الهوية الشيعية) والتنديد بها. وبيان أن الجاني هو الشيعة، والشيعة لا غيرهم. بذلك نجمع قومنا ونستخلص حقوقنا. وإلا فإن الاكتفاء بذكر (السنية) على استحياء، والإعراض عن ذكر (الشيعة)، نقص قاتل في (الهوية) يمنع من حصول التأثير المنشود من وراء تبني (الهوية السنية) حتى تذكر (الهوية) النظيرة المنافسة، ويصرح بأن الشيعة هم خصومنا، وهم أعداؤنا، وهم آكلو حقوقنا وظالمونا، بلا مواربة. ودون ذلك يكون خسران القضية؛ فلا قضية بلا هوية. والهوية لا تقبل التجزئة. والأقدار لا تتعامل بالتقسيط.

ضحك اليوم صاحبي عمر حين حدثته عن منهجية (الدفع بالتقسيط) تلك المنهجية الكارثية التي ابتليت بها الزعامات السنية، وقال: إذا كان الدفع بالتقسيط كانت العقوبة بالجملة.

قلت: نعم إذا كان الدفع بالتقسيط كانت العقوبة بالجملة.

الثلاثاء

21/7/2015

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى