بحوث ودراسات

معاوية ليس الفئة الباغية

د. طه حامد الدليمي 

مدخل تمهيدي

طالعت على موقع (الكادر) مقالاً بعنوان (هل معاوية حقاً من الفئة الباغية بعد مقتل عمار بن ياسر) للكاتب الفاضل يزيد بن الحسين. لفت انتباهي قوله في أوله: “من الأحاديث المتواترة عند المسلمين أن النبي صلى الله عليه وآله مدح عمار بن ياسر رحمه الله، وأخبر بأنه ستقتله الفئة الباغية”. لأنني وجدت بالبحث المعمق النبيه أن:

1. نص الحديث مخالف لحيثيات الحدث.

2. وفي سنده تفاصيل وثغرات وعجائب تستوقف النظر.

والكاتب – وإن كنت أتفق معه في نظرته الإجمالية إلى سيدنا معاوية وهو خير في موقفه من هذا الصحابي الجليل من كثير ممن خاض في هذه اللجة – فاتته أمور يبدو أنه لم يطلع عليها. ولا غرابة في أن تفوته فالضخ الإعلامي الشديد ضد معاوية في غياب آليات (الأمن الثقافي) مسخ ثقافة الدهماء ودوخ فطاحل العلماء!

رواية (عمار تقتله الفئة الباغية) في (الصحيحين)؛ لذا فقد أغمض عامة العلماء – لا سيما المتأخرين – عيونهم عن البحث فيها. على أن البحث العلمي يسفر عن مفاجآت صادمة للثقافة السائدة الصادئة! وإليكم شيئاً مما أسفر عنه البحث، قسمته قسمين: الأول عن حيثيات الحدث، والثاني عن سند الرواية.

 

القسم الأول

حيثيات الحدث ( النزاع بين علي ومعاوية )

الرواية في عمومها وظاهرها وما يبنى عليها تسيء إلى صحابي جليل لاسيما وقد أطال الرواة وعرضوا فيها، واستثمرها الكثيرون حتى من السنة في النيل من سيدنا معاوية ؛ فلا بد من تقليبها على وجوهها للتأكد من سلامة إعمالها. إن البحث في حيثيات الحدث لمعرفة مدى تطابق النص مع واقع الحدث، يكشف عن علة في المتن لم أجد من تطرق إليها، تستدعي التوقف عن تنزيله على سيدنا معاوية. والتوقف عن إعمال الحديث الصحيح السند إذا خالف الواقع منهج علمي اتبعه الإمام مالك وغيره، فتقديم عمل أهل المدينة على الحديث الصحيح أمر معروف عنه. وهو نوع من تحقيق المتن في عملية تصحيح الحديث. تعالوا إذن لنبحث قليلاً في الحدث.

 

1. قتلة الخليفة عثمان بن عفان هم الفئة الباغية

لا يشك أحد في أن الذين قتلوا أمير المؤمنين عثمان بن عفان فئة باغية معتدية ظالمة، لا يمكن تأويل ما ارتكبت من جرم بأي نوع من أنواع التأويلات لصالحها.

هذا هو أصل البغي، وهذه هي الفئة الباغية التي لا خلاف في بغيها.

ولنا أن نلحظ هنا أمرين:

أ. هذا الصمت المريب عن ذكر بغي الفئة التي قتلت سيدنا عثمان، حتى ليكاد ينسى فلا يخطر على بال، وإزاحة دائرة الضوء بعيداً بعيداً عنها رغم أنه لا خلاف في بغيها.

ب. لجوء هذه الفئة الباغية إلى سيدنا علي وإقناعه بتولي الأمر بعد أن كان رافضاً له عقب مقتل سيدنا عثمان كما رفضه سواه من كبار الصحابة: سعد وطلحة والزبير وابن عمر ومحمد بن مسلمة، وربما غيرهم. وتحول هذه الفئة إلى قوة ضاربة ليس لعلي غنى عنها بعد أن انفض عنه معظم الصحابة لعدم إقامته الحد على رؤوسها وتقريبه لهم، ورفضه جميع الحلول التي أشار بها كبار الصحابة عليه علاجاً للفتنة؛ وما ذاك إلا لتمكن البغاة من زمام السلطة، وفقدانه أي مصدر للقوة سواهم. لكن هذه القوة لم تكن في الواقع مخلصة له، إنما دفعته للبيعة كي تحتمي به من القتل، فلما تم لها ما أرادت صارت هي المتحكمة بالأمر، بينما الخليفة لا يملك شيئاً! وهو القائل (الفتنة ووقعة الجمل، ص97، سيف بن عمر التَّمِيمي: (كيف أصنع بقوم يملكوننا ولا نملكهم)؟ وفي عبارة ثانية (شرح نهج البلاغة، 9/291، لابن أبي الحديد): (كيف لى بقوة والقوم المجلبون على حد شوكتهم يملكوننا ولا نملكهم).

هذا هو أصل الخلاف ولب الصراع. لكن الثقافة السائدة لا تعي أن الباحثين يتجاوزون هذه النقطة لحساسيتها؛ فبقيت الصورة الحقيقية لمشهد الفتنة يكتنفها الغموض.

 

ابن كثير : علي خالف رؤوس الصحابة وطاوع أمراء الخوارج

قال ابن كثير (البداية والنهاية:7/255-256): “ولما استقر أمر بيعة علي دخل عليه طلحة والزبير ورؤوس الصحابة وطلبوا منه إقامة الحدود، والأخذ بدم عثمان. فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد وأعوان، وأنه لا يمكنه ذلك يومه هذا. فطلب منه الزبير أن يوليه إمرة الكوفة ليأتيه بالجنود، وطلب منه طلحة أن يوليه إمرة البصرة، ليأتيه منها بالجنود ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج، وجهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان رضي الله عنه فقال لهما: مهلاً عليّ، حتى أنظر في هذا الأمر”.

وذكر ابن كثير نصيحة المغيرة بن شعبة له بأن يقر العمال على البلاد، فإذا أتته طاعتهم استبدل بعد ذلك بمن شاء وترك من شاء. فلم يستجب له فتركه إلى مكة. وذكر نصائح ذهبية أسداها إليه ابن عباس من استمرار النواب في البلاد، إلى أن يتمكن الأمر. وأن يقر معاوية خصوصاً على الشام، وقال له: “إني أخشى إن عزلته عنها أن يطلبك بدم عثمان ولا آمن طلحة والزبير أن يتكلما عليك بسبب ذلك. فقال علي: إني لا أرى هذا ولكن اذهب أنت إلى الشام فقد وليتكها. فقال ابن عباس لعلي: إني أخشى من معاوية أن يقتلني بعثمان، أو يحبسني لقرابتي منك. ولكن اكتب معي إلى معاوية فمنِّه وعدْه. فقال علي: والله إن هذا مالا يكون أبداً…”. وختم ابن كثير ذلك بقوله: “فأبى عليه ذلك كله، وطاوع أمر أولئك الأمراء من أولئك الخوارج من أهل الأمصار”.

فكيف – والوضع على هذا – تمّ اغتيال وعي الجمهور بحيث أخفي بغي الفئة الباغية حقاً، وحوّل إلى فئة ثانية؟! هل كونها مع سيدنا علي يعفيها من جريمتها البشعة التي هي أكبر من البغي؟ أم لأن وصمها بالبغي يخشى منه انسحاب الوصف إلى علي؟ مع أنه بريء منه، وإنما رأى اضطراب الأمور فعمل بما أدى إليه اجتهاده. ولا أحد من الأمة يظن فيه ذلك. الذي أراه أن خلطاً للأوراق جرى من قبل جهة ما مستغلة العاطفة مستفيدة منزلة سيدنا علي، وبهذا تم ذلك التحويل المجحف. وكثير من أهل العلم يعلم لكنه يخشى من ردة فعل الجمهور المستغفَل! وعميت الحقيقة على الأجيال المتعاقبة.

 

2. معاوية يطالب بحقين ولم يرفض بيعة علي إنما علقها حتى استيفاء الحقوق

كان معاوية يطالب بإقامة الحد على قتلة سيدنا عثمان . عندها سيسلم ويبايع علياً. وكان له في ذلك حقان: حقه الخاص لأنه ولي الخليفة القتيل. والحق العام الذي من أجله خرج الزبير ومن معه على علي. أما البيعة قبل القصاص من القتلة فمن غير الممكن إتيانها؛ لأن الشوكة بيدهم، فإذا فعل قتلوه. وكان علي لا يكاد يخرج عن أمرهم “وإلا ألحقناك بصاحبك” هذه هي العبارة التي يهددونه بها. وفي آخر المطاف قتلوه فألحقوه فعلاً بصاحبه. فإن كان معاوية باغياً في هذا فالزبير وطلحة باغيان من باب أولى. فهو صاحب حقين وهما صاحبا حق واحد. وهو لم يبايع وهما بايعا ثم خرجا! الفرق أنهما وجدا من يتأول لهما. أما معاوية فالثقافة السائدة مجبولة على التأويل ضده لا له؛ فلماذا؟

 

3. ليس معاوية الوحيد الذي خرج على علي

لقد خرج الزبير وطلحة وأكثر الصحابة عن طاعة علي حين أيسوا من تنفيذه القصاص في حق البغاة. بل إن رؤوس أهل الشورى منهم (سعد وطلحة والزبير) لم يبايعوه. ومن لم يخرج عليه من الصحابة فمعظمهم اعتزله ولم يبايعه، كسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر وسعيد بن زيد. أما الزبير وطلحة فبايعاه مكرهين تحت شفار السيوف، لكنهما اشترطا إقامة الحد. والسبب أن البيعة تمت بإرادة من قتلة عثمان لينجوا من القتل الذي ينتظرهم على يد الجيوش القادمة من الأمصار بأمر من عثمان. فلما علمت الجيوش بمقتله رجعوا تجنباً للفتنة، ففاتت الفرصة. ولو وصلت الجيوش قبل مقتل عثمان لانحل الإشكال. ولو صبر علي حتى وصلت لتولت زمام الأمر وقبضت على المجرمين، ثم اجتمع المسلمون على أمير لهم. وفي الغالب سيكون علياً. وفي هذه الحال سيكون حاكماً كامل الأدوات مالكاً للقوة نافذ القرار.

لقد خرج معاوية على علي كما خرج طلحة والزبير عليه. وخرج ابن الزبير والحسين على يزيد من بعد. بل إن الحسين دعا إلى نفسه مع وجود خليفة شؤعي قد بويع له من قبله! وهو ما لم يفعله من سبق ذكرهم. النتيجة أن الغي ألقي على معاوية وحده دون الآخرين مع أنهم أولى بالبغي منه لو كان ثمت بغي فعلاً؟!

4. ابن عمر يصف ابن الزبير بالفئة الباغية

قال الذهبي (تاريخ الإسلام، 5/276) وصححه: قال الزهري: أخبرني حمزة بن عبد الله بن عمر قال: أقبل علينا ابن عمر فقال: ما وجدت في نفسي من أمر هذه الأمة ما وجدت في نفسي من أن أقاتل هذه الفئة الباغية كما أمرني الله، فقلنا له: ومن ترى هذه الفئة الباغية؟ قال: ابن الزبير بغى على هؤلاء القوم، فأخرجهم من ديارهم ونكث عهدهم.

والسؤال: لماذا هذا العول؟ ومن وراءه؟

 

القسم الثاني

سند الرواية

 

1. هذا النص : (عمار تقتله الفئة الباغية) غير موجود في أصل صحيح البخاري !

لا تكاد تجد نسخة لـ(صحيح البخاري) اليوم إلا وفيها هذا النص: (ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار) وفي موضعين منه. بينما عثرت على أكثر من عشرة علماء كبار ذكروا أو أشاروا إلى أن هذا النص (عمار تقتله الفئة الباغية) لا وجود له في أصل رواية البخاري! وإنما هو (ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار). قالها لسيدنا عمار عند بناء المسجد كأنه يرتجز، والمقصود بها كفار قريش الذين عذبوه وقتلوا أبويه. فكيف استقرت الرواية على النص الأول بينما لم تكن كذلك أول الأمر؟! وهؤلاء العلماء هم:

        1. شيخ الإسلام ابن تيمية: (مجموع الفتاوى: 35/74). قال: وأما الحديث الذي فيه (إن عماراً تقتله الفئة الباغية): فهذا الحديث قد طعن فيه طائفة من أهل العلم؛ لكن رواه مسلم في صحيحه، وهو في بعض نسخ البخاري. وقال (منهاج السنة:4/415): لكن في كثير من النسخ لا يذكر الحديث بتمامه، بل فيها: “ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار”. قلت: الغريب أن هذه النسخ الكثيرة اختفت اليوم وانقرضت حتى لا يكاد يحس لها من ذكر إلا طبعة بولاق سنة 1300هـ كما ذكر د. محمد طاهر البرزنجي. وربما لا وجود لهذه الطبعة إلا في المتاحف الأثرية!
  1. الإمام أبو بكر البيهقي (دلائل النبوة: 2/547)؛ نافياً وجوده في (صحيح البخاري).
  2. محمد بن فتوح الحميدي (الجمع بين الصحيحين: 2/462): نفى وجوده في (صحيح البخاري) أيضاً.
  3. أبو مسعود الدمشقي (أطراف الصحيحين). ذكر ذلك البيهقي في النص السابق قائلاً: “قال أبو مسعود الدمشقي من كتابه: لم يذكر البخاري هذه الزيادة”.
  4. الإمام الحافظ عبد الحق الإشبيلي (الجمع بين الصحيحين، 4/199) قال: لم ﻳﺨﺮﺝ ﺍﻟﺒﺨﺎﺭﻱ ﻓﻲ قتل ﻋﻤﺎﺭ ﺷﻴﺌﺎً.
  5. الإمام الحافظ جمال الدين المزي (تحفة الأشراف:3/427)، قال: ليس فيه (أي صحيح البخاري): “تقتل عماراً الفئة الباغية”.
  6. وممن ذكر عدم وجوده في أصل (صحيح البخاري) الحافظ ابن حجر( فتح الباري: 1/542) إذ قال: واعلم أن هذه الزيادة لم يذكرها الحميدي في الجمع وقال: إن البخاري لم يذكرها أصلاً. وكذا قال أبو مسعود. قال الحميدي: ولعلها لم تقع للبخاري أو وقعت فحذفها عمداً… إلى أن قال ابن حجر: ويظهر لي أن البخاري حذفها عمداً وذلك لنكتة خفية، وهي أن أبا سعيد الخدري اعترف أنه لم يسمع هذه الزيادة من النبي فدل على أنها في هذه الرواية مدرجة، والرواية التي بينت ذلك ليست على شرط البخاري.
  7. ومنهم ابن الأثير (جامع الأصول:9/43)؛ إذ ذكر حديثَي البخاري دون الزيادة. وجاء بكلام بعض العلماء مثل الحميدي في خلو صحيح البخاري منها.
  8. وقال عبد القادر الأرنؤوط محقق (الجامع للأصول:9/43): والصواب أن هذه اللفظة لم تكن موجودة أصلاً في صحيح البخاري، والذي يظهر لنا أن بعض النساخ المتأخرين أدخلوها على الأصل.
  9. وممن ذكره: الذهبي (تاريخ الإسلام:1/18).
  10. وابن كثير (البداية والنهاية:7/270 ط دار الفكر).
  11. واستمرت بعض نسخ (صحيح البخاري) المطبوعة خالية من تلك الزيادة إلى عهد قريب، مثَّـل لها د. محمد طاهر البرزنجي (حقيقة معاوية رضي الله عنه) فقال: الطبعة الأميرية مثلاً المعروفة بطبعة بولاق، التي نشرت سنة 1300 للهجرة بمصر لا تحتوي على هذه الزيادة المركبة في كتاب المساجد. وكذلك طبعة شرح ابن بطال لم تذكر هذه الزيادة المركبة في كتاب المساجد ولكنها ذكرت في الموضع الثاني (أي في الجهاد).

وقد يكون د. البرزنجي وضع يده على السر إذ يقول: فاستيقنت أن النص المطبوع بين أيدينا من صحيح البخاري والذي هو النسخة اليونينية (كتبت نهاية القرن السابع الهجري) المروية من طريق واحد عن البخاري وأعني الفربري قد وهم فيها بعض الرواة في هذه اللفظة.

 

2. تضعيف كثير من العلماء زيادة ( عمار تقتله الفئة الباغية )

وإن قيل: إن حديث (عمار تقتله الفئة الباغية) رواه مسلم، قلنا: إن لنا وقفات علمية هنا لا بد من أخذها بالاعتبار:

1. قال الإمام أحمد بن حنبل: روي في عمار: (تقتله الفئة الباغية) ثمانية وعشرون حديثاً، ليس فيها حديث صحيح. رواه ابن قدامة المقدسي في (المنتخب من علل الخلال، ص222) قال (الخلال): سمعت عبد الله بن إبراهيم قال: سمعت أبي يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول… (وساق النص السابق، وهو صحيح السند؛ فالخلال وعبد الله وأبوه ثقات كما حققته في كتاب “الملك الراشد”). وقال ابن قدامة: عن الخلال أخبرنا إسماعيل الصفار قال: سمعت أبا أمية محمد بن إبراهيم يقول: سمعت في حلقة أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وأبي خيثمة، والمعيطي، وذكروا: “تقتل عماراً الفئة الباغية”. فقالوا: ما فيه حديث صحيح. وقال ابن تيمية في (منهاج السنة:6/259): وطائفة من العلماء ضعفوا هذا الحديث، منهم الحسين الكرابيسي وغيره، ونقل ذلك عن أحمد أيضاً.

2. يظهر التحقيق أن الرواية فيها تناقض واضطراب كثير، فصلته في كتابي (الملك الراشد). مثال ذلك ما ذكره مسلم في (صحيحه) عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري عن قتادة أن رسول الله قال لعمار، حين جعل يحفر الخندق، وجعل يمسح رأسه ويقول: (بؤس ابن سمية تقتله فئة باغية). فإن هذا لا يستقيم؛ إذ الروايات والأدلة مطبقة على أن هذا عند بناء المسجد أول الهجرة لا عند حفر الخندق. إلا إذا قلنا بتعدد المناسبة وهو بعيد. وقد رد ابن رجب الحنبلي (فتح الباري، 3/306) ما ورد في رواية مسلم هذه من أن الواقعة كانت في حفر الخندق، ولم يقبل قول أبي نضرة في روايته عن أبي سعيد أن ذلك كان في حفر الخندق.

إن هذه الأقوال لا ينبغي أن نمر عليها مروراً عابراً. كما لا يصح تغطيتها وركنها في زوايا الإغفال! أما حيثيات الحدث، فتكشف لنا عما هو أهم. وقد سلفت سابقاً.

2. إن مثل هذه القضايا العظيمة التي يترتب عليها نتائج خطيرة لها تأثير مباشر أو غير مباشر على الدين والعقيدة والثقافة والتحصين الجمعي، لا ينبغي أن نخر صماً وعمياناً على حديث واحد ورد بشأنها. وقد توقف الأئمة الكبار مثل مالك وأبي حنيفة والشافعي إزاء أحاديث صحيحة وأخذوا بما أدى إليه اجتهادهم دون أن يلزموا أنفسهم بها. ولهم في قبول مثل هذه الأحاديث شروطهم المذكورة في كتب الأصول والفقه. وذلك في أحكام فرعية لا يضر الخطأ فيها، وليس في أمور خطيرة تتعلق بما ذكرناه آنفاً تنسحب في النهاية على دين المسلم ودنياه.

 

3. بطلان الرواية المنسوبة إلى عبد الله بن عمرو بن العاص في ( صفين )

ذكر الأخ يزيد كاتب المقال أن الحديث كان مشهوراً بين المسلمين، وأن عمرو بن العاص كان يرويه قبل صفين ويكرره… فلما قتل عمار احتار واحتار معه ابنه عبد الله ولم يجد معاوية سبيلاً للخروج من المأزق سوى التأويل… إلى آخر ما جاء في ذلك.

وأقول: كل هذا من صنع الرواة؛ فالروايات في ذلك لا تصح.

قال ابن رجب (فتح الباري:3/308): روى الأعمش عن عبد الرحمن بن أبي زياد، عن عبد الله بن الحارث، سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقول لأبيه يوم صفين: يا أبه، أما سمعت رسول الله يقول، وهم يبنون المسجد، والناس ينقلون لبنة لبنة، وعمار ينقل لبنتين لبنتين… إلى آخر الحديث. خرجه يعقوب بن شيبة في (مسنده) بتمامه. وخرجه الإمام أحمد والنسائي في (الخصائص) مختصراً، والحاكم. وفي إسناده اختلاف عن الأعمش. وقال (فتح الباري:3/306-307): خرجه يعقوب بن شيبة في (مسنده)، عن أبي مصعب، عن الدراوردي. وخرجه الترمذي عن أبي مصعب، لكنه اختصره، ولم يذكر فيه قصة بناء المسجد، وقال: حسن صحيح غريب من حديث العلاء. وإسناده في الظاهر على شرط مسلم، ولكن قد أعله يحيى بن معين، بأنه لم يكن في كتاب الدراوردي، قال: وأخبرني من سمع كتاب العلاء – يعني: من الدراوردي – ليس فيه هذا الحديث. قال يحيى: والدراوردي حفظه ليس بشيء، كتابه أصح.

المشكلة أن هذه الرواية المعلولة اعتمدها علماء كبار مثل شيخ الإسلام (مجموع الفتاوى:35/74) وغيره. وبنوا عليها رأياً غاية في الضعف والغرابة، وهو أن معاوية بن أبي سفيان لم يجد أمامه للتملص من حكم النص سوى الجنوح إلى التأويل ليقول لعمرو بن العاص بأن الذين أخرجوه هم الذين قتلوه؛ فهم (الفئة الباغية). وروي بألفاظ بعضها منكرة وشنيعة لا تليق بحلم معاوية ونزاهة لسانه. مع أن الرواية لا تصح: سنداً ومتناً.

 

ولمن يرغب في التفصيل أقول:

1. رواية عبد الله بن عمرو الآنفة الذكر فيها أربع علل: راويها الأعمش وهو مدلس شديد التدليس (تدليس التسوية)، وقد عنعن. وهو شيعي، والرواية في خدمة التشيع. وروايته عن عبد الرحمن بن أبي زياد مرسلة. وابن أبي زياد ضعفه البخاري. إضافة إلى أن الأعمش مولى أصله من نواحي الري، والرواية في خدمة الفرس.

2. ورواية عمرو بن حزم، أوردها عبد الرزاق الصنعاني في (المصنف:23/464). وفيها أن عمرو بن العاص دخل فزعاً وهو يرجّع على معاوية، وأن معاوية قال له: دحضت في قولك أو بولك أنحن قتلناه؟ إنما قتله علي وأصحابه، جاءوا به حتى ألقوه بين سيوفنا. وقد تفرد بها الصنعاني، قال الذهبي: (تاريخ الإسلام:5/374) عن عبد الرزاق: حديثه محتج به في الصحاح. ولكن ما هو ممن إذا تفرد بشيء عد صحيحاً غريباً. بل إذا تفرد بشيء عد منكراً”. وقد صنفه بعض أئمة علم الرجال في الضعفاء، مثل العقيلي في كتابه (الضعفاء الكبير، 3/107) ونقل عن علماء (الجرح والتعديل) من الطعن في صدقه، وأخباره أعاجيب.

والرواية مخرومة بعدة علل؛ أولها: تفرد عبد الرزاق الصنعاني، وما تفرد به الصنعاني فمناكير لا يؤخذ بها. وثانيها: تشيعه وقوله السيئ جداً في معاوية وأبيه رضي الله عنهما. وثالثها: صنفه البعض مثل العقيلي في الضعفاء. ومنهم من اتهمه بالكذب.

وهذا كله وغيره مما يؤيد نظرة الريب التي كنت ألقيها على متن رواية مسلم لضعف توافقه مع الواقعة. إن الحكم على ما جرى من القتال بين الصحابيين الجليلين: علي ومعاوية ينبغي أن يبنى على أساس حيثيات الواقعة فهو الأصل. ثم من بعد ننظر فيما روي فيها. لاسيما وأن أمور النزاع والقتال تتدخل في الحديث عنها الميول الذاتية: الشخصية والحزبية والقومية، ويكثر في موارده الأهواء. ولعل هذا سبب اضطراب الروايات.

وبهذا يتبين ضعف قول الكاتب عن رواية (عمار تقتله الفئة الباغية) أنها “من الأحاديث المتواترة عند المسلمين”. بل الرواية في أصلها تحوم حولها كثير من الشبهات. وزياداتها كلها ضعيفة باطلة من رواية الشيعة والموالي وممن يدلسون تدليس الكذب (التسوية) وممن لا يؤخذ عنهم إذا تفردوا. فكيف إذا كان ما يروونه فيه طعن مباشر بجمع كبير من الصحابة! وعلى رأسهم معاوية وعمرو بن العاص رضي الله عنهم أجمعين.

9/3/2016

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى