مقالات

تجزؤ الشورى .. نظرات جديدة في شوروية نظام التوريث (1)

د. طه حامد الدليمي

تعالوا نحلل الأمر ثم نركبه لنخرج بالنتيجة المنشودة.

لا بد لنا من تفكيك حقيقة الشورى، فهي ليست كلاً لا يتجزء. والبداية من السؤال عن المقصود بالشورى المنفية:

  1. هل هي الشورى التي بموجبها يتم اختيار الحاكم فقط (الشورى القبلية)؟
  2. أم هي الشورى التي على الحاكم بعد اختياره ممارستها في إدارة شؤون الدولة (الشورى البعدية)؟

الشورى شوريان اثنتان وليست شورى واحدة. فنفي الشوريين ضربة واحدة لا يصح لأنهما شيئان مختلفان مستقلان. إن نفي أحد نوعي الشورى – على فرض انتفاء الآخر اعتماداً على التباس لغوي – أمر غير صائب.

فأي الشوريين هو المقصود بالنفي؟

إن الأمور التي تناط بالحاكم بعد تعيينه والتي تحتاج إلى مشاورته لأركان دولته، كثيرة لا يمكن حصرها حتى بالعناوين العريضة من السياسة والعسكرية والأمن والاقتصاد والصحة والتعليم والقضاء والعلاقات الدولية بشتى مجالاتها.

إن الشورى في هذه الشؤون لا يلغيها مجيء الحاكم للسلطة بالتوريث أو التعيين المسبق، وأقل ما يقال من أمثلة لتأييد هذا عمر بن عبد العزيز وصلاح الدين الأيوبي ومن على شاكلتهما من الخلفاء والسلاطين الذين هم نتاج نظام ملكي وراثي جاء بهم إلى الحكم بالتعيين المسبق، ولم يتمكنوا أو لم يحاولوا وربما لم يفكروا أصلاً في تغييره، وورّثوا هذا النظام لمن بعدهم من أُسَرهم وأبنائهم. هذا ولم يقل أحد بأنهم لم يكونوا عاملين بقوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران:159) تطبيقاً لمبدأ الشورى.

 

الأدلة الشرعية على تجزؤ الشورى

لنا من الأدلة الشرعية في الكتاب والسنة ما يغنينا عن الأمثلة التاريخية:

  • وصول نبينا سليمان إلى الحكم عن طريق التعيين المسبق بالتوريث، وليس بالشورى. قال تعالى: (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ) (النمل:16). قال ابن كثير في تفسيره: (المراد بذلك وراثة المُلك والنبوة). وما من شك في أن حكم النبي حكم شوروي، ويستحيل نفي صفة الشورى عن حكم سيدنا سليمان مع أنه نتاج حكم وراثي. إن هذا الدليل يكفي في بيان النظرة المتعجلة للمخالفين، والتعسف في نفي صفة الشورى ضربة واحدة عن كل حاكم جاء للحكم طبقاً لنظام يعتمد التوريث في نقل السلطة والوصول إليها.
  • والله تعالى عيَّن طالوت ملكاً على بني إسرائيل، فهل هذا التعيين السابق يلغي الشورى والشورى اللاحقة؟ صحيح أن الله سبحانه عينه. لكن محور الفكرة ليس هذا، إنما هل يمكن وصف طالوت بأنه مارس الحكم خارج نطاق الشورى وقد جاء للحكم بالتعيين السابق؟ فأي الشوريين تحققت في حق طالوت ؟ الشورى القبلية أم الشورى البعدية؟ ما من شك بأن الشورى القبلية منفية تماماً.

لم يكن تنصيب طالوت ملكاً بـ(الشورى) التي يتوهمها المخالفون ويتخيلون أن الشورى كلها محصورة فيها. فهل ألغى هذا التعيين مبدأ الشورى؟ قطعاً لا. إذن وجود الشورى البعدية كافٍ لاعتبار الشورى ووصف نظام الحكم بأنه شوروي. ومجيء الحاكم بالتعيين كطالوت أم بالوراثة سليمان التي تستلزم التعيين السابق لا يعد إلغاء للشورى.

نقطة أُخرى تلفت النظر في تعيين طالوت هي أن الملأ جاءوا إلى نبيهم فقالوا: (ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (البقرة:246). والنبي بمثابة الحاكم الأعلى. فطلبوا منه أن يعين أو يختار لهم ملكاً يقودهم. وهذا يلتقي مع فعل الصحابة إذ طلبوا من عمر بن الخطاب أن يعين لهم من يَخلفه فيهم. وكذلك فعل أصحاب علي. فهو طلب من الحاكم الأعلى أن يعين لهم من يقودهم. وهذا يعني أن حق الخليفة القائم في تعيين الخليفة القادم معروف للشعوب منذ أقدم العصور، وقد تواطأت عليه البشرية. فهو أسلم آليات انتقال السلطة. وهو ما ذكره علماء السياسة ومن كتب فيها من المسلمين. لهذا قال ابن حزم: “عقد الإمامة يصح بوجوه. أولها وأفضلها وأصحها أن يعهد الإمام الميت إلى إنسان يختاره”.

  • كان النبي هو الحاكم الشرعي، وهو أعظم من عمل بالأوامر النازلة بالشورى. ومع ذلك فإن سلطته كحاكم لم تكن بانتخاب شوروي وإنما بتعيين إلهي. والتعيين الإلهي يلغي دور الجمهور في تعيين الحاكم، ومع ذلك فالشورى معمول بها على أوسع نطاق. فإلغاء دور الجمهور في تعيين الحاكم بالوراثة إذن لا يعني ولا يلزم منه إلغاء الشورى، ولا وصف الأنظمة الملكية بأنها أنظمة لا شوروية. ولا يصح علمياً أن تُجعل الوراثة قسيم الشورى فكأنها والشورى ضدان لا يجتمعان.

إن هذا التعبير بهذا التمايز خطأ علمي لا يستقيم. لسببن جوهريين:

1. فالتوريث أصلاً نظام ولد بالشورى وتم إقراره ووضعه من خلالها؛ فقد وجد أصحاب الشأن و(الحل والعقد) أن هذا النظام أليق بالعصر وأنسب له من النظام القديم وهو اختيار الحاكم من خارج الأُسرة؛ لأن ذلك أصبح مدعاة للتفرق والاقتتال والفتنة، فما عاد صالحاً للواقع الجديد، فكان التعيين بالوراثة هو النظام الأصلح للوضع. وهو نظام متطور اقتضته ظروف الحياة وأوضاع المجتمع الجديد.

2. الوراثة لا تلغي الجزء الأكبر والأهم من الشورى. وهو ما تعلق منها بإدارة شؤون الدولة بعد تنصيب الحاكم أو الخليفة. ولو أجرينا عملية مقارنة رياضية أو حسابية وأعطينا لعملية تنصيب الحاكم نقطة، ولكل شأن من شؤون الدولة يحتاج لعملية شورى نقطة، لوجدنا أن الأمر الأول لا يشكل نسبة (واحد بالألف، وربما أقل) من الأمر الثاني! فكيف يلغى هذا وهو بهذا الحجم لأجل ذاك؟ فكيف وقد أقر الأمر أساساً بالشورى!

هذا كله فيما لو كان التعيين بالتوريث.

فكيف إذا كان التعيين بالاختيار دون شرط التوريث كما طلب الصحابة من عمر أن يفعله مع ابنه عبد الله، وكما فعل علي أو أصحابه مع الحسن، وكما فعل معاوية مع يزيد؟

بهذا يتبين لنا كم لحق بسيدنا معاوية من ظلم وإجحاف عندما يوصم بأنه غيّر نظام الحكم من نظام الخلافة الشوري إلى نظام الملك الوراثي. بمعنى أن الوراثة تصادم الشورى. وكم لحق بالحقيقة من ظلم وإجحاف حين تقرر هذه الأمور الخطيرة نتيجة التعجل والتقليد والاستنساخ وكأنها حقائق لا يرقى إليها الشك بحال، وتنتقل من جيل إلى جيل بطريقة التوريث والتسليم المسبق!

 

الخلط بين الشورى والانتخاب

أحد أسباب الفصام المتوهم بين الشورى والوراثة هو أن المخالفين لا يرون الشورى إلا في صورة واحدة هي الانتخاب. الذي هو اختيار واحد من بين عدة مرشحين بالتشاور بين أهل الشأن. ولما كان التعيين المسبق للابن (بالتعيين الذي تفرضه اللحظة، أو التوريث المتسلسل بالعائلة) مغايراً للانتخاب فيكون التعيين وكذا التوريث عندهم مناقضاً للشورى.

إن الشورى عملية لاستخراج الحكم، بينما الانتخاب آلية لاستخراج الحاكم. وهذه الآلية، التي هي الانتخاب، هي إحدى صور الشورى وليست الصورة الوحيدة لها. فيكون الانتخاب أحد طرق تولية الحاكم، ولكنه ليس الطريقة الوحيدة. فقد يتم اختياره بغير الانتخاب أي بتعيين رجل يتم التشاور بشأنه كما فعل أبو بكر يوم عيّن عمر، ولم يلزم – ولا يلزم – منه انتفاء الشورى. مع أنه لم تَجرِ أي عملية انتخاب. وهذا يوضح أنه تلازم بين عدم الانتخاب وعدم الشورى.

صحيح أن التوريث وتعيين الابن ليس فيه انتخاب. لكن غياب الانتخاب في هذه الحالة لا يلزم منه غياب الشورى. وهكذا نصل إلى المعادلة التالية: (كل انتخاب شورى، وليس كل شورى انتخاباً)، فيكون بينهما عموم وخصوص من وجه دون وجه.

 

الحسن بن علي لم يتول الخلافة بالانتخاب

إن اختيار الحسن بعد أبيه كان بالشورى، مع أنه لم تجر أي عملية انتخاب. غير أن الأمر إذا وصل إلى معاوية اختلفت طريقة التفكير ورفع الكثير صوته بالنكير، بالرغم من أن معاوية استشار جميع ذوي الشأن في الأمصار. بينما اقتصرت شورى علي في تولية الحسن على أهل الكوفة، سواء قيل له فيه فقال: “لا آمركو ولا أنهاكم” أو قال: “أترككم كما ترككم رسول الله “. ولا حرج فيما فعل علي أو أصحابه، بل هو الواجب الممكن.

شيء آخر تميز به معاوية عن علي هو التحوط للأمر وحسمه قبل وفاته بمدة كافية (أربع سنوات). بينما علي لم يفعل ذلك حتى إذا أدركته المنية فعل ما فعل حسب إملاءات اللحظة الحاضرة. ولو أنه مات في اللحظة التي ضرب فيها ولم يتأخر عدة أيام كانت له كالمهلة التي يتم فيها تداول الرأي، لربما عمت الفوضى أصحابه وأطراف دولته، ولصعب عليهم الاهتداء إلى أحد يتولى أمورهم، ولانفرط العقد وحصل ما لا يحمد عقباه من الاختلاف والفتن، وقد يكون ذلك سبيلاً لاقتال آخر بين المتنافسين. وهذا ما حصل يوم حوصر عثمان وقتل دون أن يحتاط لتعيين خليفته.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: