تشيع بعض علماء الحديث .. الإمام النسائي نموذجاً

د. طه حامد الدليمي

لا أقصد بالتشيع هنا التشيع العقائدي، إنما التشيع الثقافي، الذي يفرد سيدنا علياً بميل وانحياز خاص يفوق الميل إلى الشيخين رضي الله عنهما، وقد يصاحبه – في الغالب – الانحياز ضد سيدنا معاوية والأمويين عموماً. والتشيع الثقافي أخطر من التشيع العقائدي من حيث أن التشيع العقائدي ما كان له أن يتسلل إلى الأمة إلا تحت جناح التشيع الثقافي.

وكان أخطر مصدرين للتشيع الثقافي هما التاريخ والحديث؛ فبعض علماء الحديث مثل عبد الرزاق الصنعاني والحاكم وابن عبد البر والنسائي فيهم تشيع قد لا يكون بلغ حد العقيدة، لكنه يعكس أمرين خطيرين:

الأول: الانحيازية من ناحيتيها: الإساءة إلى خصوم علي وتفسير كل شيء يصدر عنهم لغير صالحهم وكأنه لا يصدر عنهم إلا الخطأ لاسيما في خلافهم مع علي. هذا مع تبرير أو تحوير كل ما نقل عن علي وإخراجه مخرج القبول وكأن علياً شخص لا يخطئ. وهذه الانحيازية السلبية لها أثرها في بناء التشيع الثقافي، الذي هو قنطرة سهلة الانزلاق إلى التشيع العقائدي.

الثاني: رواية كل ما يقع تحت أيديهم من مناقب لعلي، حتى المناقض للعقيدة أو الثوابت الدينية، وقد يعنونونه بعناوين أخطر من المضامين التي تحتها.

كل ذلك بحجة أنه يروى بالسند. والحقيقة أن هذه الحجة واهية وخطيرة وفي حاجة إلى مراجعة وإعادة نظر. وقد بينا ذلك في فقرة (التاريخ) من (منهاجنا)؛ وذلك لخطورة مآلاتها؛ من ناحيتين:

الأولى: أن معظم الناس لا قدرة لهم على تحقيق السند.

والثانية: اختلاف المحققين في نتائج تحقيقهم بين مضعف ومصحح. وفي ذلك إشارة إلى قصور القواعد الحديثية عن استيعاب مشاكل السند والمتن.

ولهذا كله انعكاساته الخطيرة في زرع التشيع الثقافي.

 

حقيقة تشيع الإمام أحمد بن شعيب النسائي (ت 303 هـ)

الإمام النسائي عالم جليل. لكن فيه تشيع. وممن ذكره في عداد المتشيعين من أهل الحديث – كالحاكم وابن عبد البر – شيخ الإسلام (منهاج السنة:7/373). والذهبي إذ قال في (سير أعلام النبلاء: 14/133): فيه قليل تشيع، وانحراف عن خصوم الإمام علي، كمعاوية وعمرو، والله يسامحه.

وفصّل ابن خلكان (الوفيات: 1/77) أكثر فقال: قال محمد بن إسحاق الأصبهاني: سمعت مشايخنا بمصر يقولون: إن أبا عبد الرحمن فارق مصر في آخر عمره، وخرج إلى دمشق، فسئل عن معاوية وما روي من فضائله، فقال: أما يرضى معاوية أن يخرج رأساً برأس، حتى يفضل؟ وفي رواية أخرى: ما أعرف له فضيلة إلا “لا أشبع الله بطنك”. وكان يتشيع، فما زالوا يدفعون في حضنه حتى أخرجوه من المسجد.

المشكلة أن هناك من يستضري في نفي التشيع عن النسائي، ولا يستضري في معالجة ما خلفه لنا في كتابه من انعكاسات خطيرة لتشيعه على الدين والثقافة! وكأن همنا الطعن في هذا العالم الجليل، فيكون همه الدفاع عنه بكل سبيل. ويفوته أن الحق أحب إلينا من الخلق. على أننا نلتزم مع علمائنا حدود الأدب الشرعي، نبين الحق ونرحم الخلق ونستغفر لمن مضى قبلنا. وما شط به القلم فنستغفر الله تعالى منه.

كان لتشيع النسائي – غفر الله له – وأمثاله من المحدثين أثره في زرع الثقافة الشيعية في الأمة الإسلامية. وقد يكون تشيعه ردة فعل على ما كان في زمانه من بقايا تسيء إلى سيدنا علي. قال ابن خلكان (المصدر السابق): وكان قد صنف كتاب الخصائص في فضل علي بن أبي طالب وأهل البيت، وأكثر رواياته فيه عن أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى. فقيل له: ألا تصنف كتاباً في فضائل الصحابة ؟ فقال: دخلت دمشق والمنحرف عن علي كثير، فأردت أن يهديهم الله تعالى بهذا الكتاب.

فصنف كتابه (خصائص علي)، وضمنه كتابه (السنن الكبرى) لتصحيح هذا الميل السيئ عنه. لكن هل يصلح هذا مسوغاً لمثله – وهو من هو في منزلته حتى قرن بالبخاري! – لأن يحشو كتابه بروايات مخالفة لعقيدة أهل السنة، ويرفضها العقل الصريح ويردها النقل الصحيح بداهة!

وإذا ثبت هذا القول فلا بد أن نطرح السؤال الملح التالي: لماذا يروي العلماء مثل هذه الروايات المخالفة للعقيدة ولبداهة النقل والعقل؟ أم لنا أن نسأل: هل فعلاً روى هؤلاء العلماء هذه الروايات بأنفسهم؟ أم أقحمت من بعد – بفعل أصابع شبحية – في كتبهم؟ الأمر متروك للبحث عسى أن نقع على الجواب.

فإذا كان هذا شأن أكابر علمائنا إذا أرادوا معالجة خلل ما – إن كان له وجود حقاً – عالجوه بهذه الصورة فإن هذا يعني وجود معضلة فكرية وثقافية ناءت الأجيال اللاحقة بحمل نتائجها المزرية.

 

منابع التشيع الثقافي في الأمة

لم يتوازن النسائي – ولا آخرون أمثاله من علماء الحديث – في علاج الحالة، بل انتقلوا من الضد إلى الضد. فإذا أضفت إليهم أصحاب التاريخ والسير والتفسير والأدب والقصص وغيرها من العلوم أدركت تمام الإدراك من أين أُتِينا فشاع بيننا التشيع الثقافي حتى فشا وصار ظاهرة اجتماعية، تغلغلت إلى الفكر بل العقيدة واتخذ سنة إذا تركت قيل: تركت السنة، وانطلقت الصيحات على كل من أراد التصحيح من كل جانب تذمه وتصنفه وتنسبه إلى ما تشاء من الفرق والفئات، أقلها أن يقال عنه “ناصبي”. وما دروا أنهم لتشيعهم يرون الاعتدال ميلاً والسنية الحقة نصباً. فجبن أكثر من يعلمون الحقيقة عن تبليغها، وتردد معظم العلماء عن الإفصاح عن مكنونها.

من واقع خبرتي لا أجدني أعدو الحقيقة إن قلت: لم أجد كتاباً سلم من التشيع، إلا كتاباً واحداً هو.. القرآن الكريم! الفرق أن بعضها مكثر وبعضها مقل.

إن هذا هو الذي هيأ التربة لترسيخ الثقافة الشيعية الشعوبية في الأمة، وكان مقدمة للتشيع العقائدي الذي غزا ملايين من أبنائها في الأحواز والعراق واليمن والشام وغيرها من الأقطار والأصقاع، ومهد أخيراً للغزو العسكري الذي اجتاح المنطقة في قلبها.

 

وقفة مع كتاب ( السنن الكبرى )

بعيداً عن كل الانتقادات والتبريرات إليكم هذه الإحصائية السريعة من كتاب (السنن الكبرى):

  1. روى النسائي في (فضل أبي بكر الصديق )[1] تسعة (9) أحاديث فقط.
  2. وفي (فضل أبي بكر وعمر رضي الله عنهما)[2] مجتمعَين روى تسعة عشر (19) حديثاً فقط.
  3. وفي (فضل أبي بكر وعمر وعثمان )[3] جميعهم روى خمسة (5) أحاديث فقط.
  4. وفي (فضل علي ) وحده روى عشرين (20) حديثاً.
  5. أعاد ذكر فضائل علي في موضع آخر من كتابه (السنن الكبرى)[4]، لكن هذه المرة بعنوان (ذكر خصائص أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وذكر صلاته قبل الناس، وأنه أول من صلى من هذه الأمة). بلغ عدد أحاديثه مئة وأربعة وتسعين (194) حديثاً. وأفردت هذه الخصائص بكتاب مستقل.

ولا أدري هل أفردها النسائي نفسه؟ أم تولت ذلك الأصابع الشبحية؟

  1. بلغ مجموع ما رواه النسائي في فضائل الثلاثة (33) حديثاً، بينما روى في فضل علي وحده في الموضعين مع المكرر (214) حديثاً! أي إنه روى في فضل علي أكثر من ستة (6) أضعاف ما رواه في فضل أبي بكر وعمر وعثمان مجتمعين.
  2. سمى ما رواه من فضائل علي (خصائص)، ووضع لبعضها عناوين متميزة لإظهار أفضليته على الصحابة بمن فيهم الصديق والفاروق. انظر إلى لفظ هذا العنوان (ذكر ما خص به علي دون الأولين والآخرين)[5]! بينما اكتفى بكلمة (فضل) في وصف ما ورد في حق الآخرين من ثناء. والخصائص متفردة، أما الفضائل فمشتركة. وهذا كله يتناقض مع سنية الأمة المسلمة وعقيدتها.

 

شواهد ونماذج للتدبر

هذه شواهد قليلة على ما أسلفت مما جاء في كتاب (خصائص علي)، المتضمَّن في كتابه (السنن الكبرى)[6] أضعها بين يدي القارئ دون حواجز ولا شرح ولا تعليق، وله – بعد ذلك – الخيار في أن يفكر ويرى ويقرر.

24/11/2016

___________________________________________________________________________________________

  1. – السنن الكبرى، 7/293. أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي الخراساني النسائي (ت: 303هـ)

    تحقيق وتخريج: حسن عبد المنعم شلبي، إشراف شعيب الأرناؤوط، تقديم عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة – بيروت، الطبعة الأولى، 1421هـ – 2001م.

  2. – السنن الكبرى، 7/296. مصدر سابق.
  3. – السنن الكبرى، 7/304. مصدر سابق.
  4. – السنن الكبرى، 7/407. مصدر سابق.
  5. – السنن الكبرى، 7/452. مصدر سابق.
  6. – السنن الكبرى، 7/407- 7/483. مصدر سابق.
التخطي إلى شريط الأدوات