السعودية في قمة العشرين .. هذا هو الموقع الصحيح للعرب .. وللعالم أيضاً

قبسة من رواية ( هكذا تكلم جنوبشت )

د. طه حامد الدليمي

وقال ماكسيمليانو:

– وأين بغداد من هذا؟ لم أجدك تذكرها! أليست هي حاضرة العلم وعاصمة المسلمين لأكثر من خمسة قرون؟

وضحك (يان فرانتيشيك) ضحكة منتصر سفيه ضاعف النصر سفاهته فأُغرق في الضحك، أخذ يدق الأرض برجله.. وعقّب قائلاً، في اللحظة التي وضع فيها ظفر سبابته تحت إبهامه ومدّ يده باتجاه النافذة، ثم أفلتها كمن يقذف بها حصاة:

– وهل أبقى فيها الفرس من شيء؟! نصير الدين الطوسي وحده قام بثلاث حملات جمع بها كل ما طالته يده من مخطوطات في مكتبات بغداد والموصل و.. و..؟ ومدينة أخرى تسربت من بالي (وهمس جنوبشت: المسيب)، وسافر بها إلى (دار الرصد) في أذربيجان. هه ألم أقل لك قبل قليل: ماذا تفعل الهرة حين تمسك بفريستها؟ وشيئاً فشيئاً صارت النسخ التي كتبت تعود إلى منبعها لتنبت من جديد.. لكن على لون آخر. مساكين هؤلاء العرب! أيعقل أنهم طبعوا على هذه الدرجة من الطيبة؛ فيبلعوا كل ما قيل أو كتب لهم؟!

وقال مكسيم.. بلهجة علمية لا يُشك في حياديتها:

– تأملت كثيراً في هذه الصفة المتأصلة في العرب.. الطيبة، الطيبة.. حد السذاجة أحياناً. وجدتها في السياح الذين يكثرون التردد على آثار أجدادهم عندنا في إسبانيا (وتوقف يفكر متردداً) ولمستها حتى في أولئك المواطنين الإسبان.. الذين ما زالت ثمت آثار في وجوههم تثير الريبة في أصولهم.. لمَ هم هكذا دوننا نحن الغربيين؟ أتدري إلامَ وصلتُ؟ نتيجة غريبة، أخشى أن أصدقها أو أبوح بها. ولولا أنني واثق من أنك لن تتأثر بما أقول ما فكرت في أن أفضي بها إليك..! لكنني متردد يا صديقي (فرانتيشيك)!

– دون ماكسيمليانو!! أرجوك..؛ إنني أتوق لسماع بقية هذه الأحجية!

– صديقي العزيز (يان)، لكل أسرة، في العادة، أب وأم وأولاد.. انظر! الأب يتميز عن الأولاد بصفة الحيادية والاحتواء. وهذه هي (الأبوية) التي من دونها لا تجتمع أسرة ولا يُعمَّر وجودها طويلاً. وحين يختلف الأولاد فيما بينهم تجد الأب يقف منهم على مسافة واحدة. وهذا هو سر اطمئنانهم للرجوع إليه والقبول بحكمه. ولو شعر الأولاد بأن أباهم يمكن أن ينحاز إلى هذا أو ذاك ما قبلوا به حَكَماً، وتفرقت الأسرة. (الأبوية) روح القيادة وحضنها.. كما أنها أساسها وشرطها. لا يصلح لقيادة العالم إلا من كانت (الأبوية) فيه صفة راسخة.. يتصرف طبقاً إليها بتلقائية مغروسة في (اللاوعي).. في المحرك الداخلي لنوازعه ودوافعه النفسية. لكن هذه الصفة لها ثمنها الذي ينبغي أن يدفعه من يتصف بها. هؤلاء هم العرب! وهذه هي مشكلتهم!.. لقد خلقوا للقيادة. ما يخيفني أن تكون هذه هي الحقيقة… لا يصلح لقيادة البشرية سوى العرب! وما يخيفني أن العرب .. من بين البشر.. هم الأب.. وما عدا فأولاد متشاكسون عاقون. وحين يخطف أحد هؤلاء الأولاد زمام قيادة العائلة من يد الأب يخرب البيت. الأبوية هي أصل الطيبة المتأصلة في طبيعة العرب. لكنهم طيبون.. طيبون جداً.. هذه هي مشكلة العرب.. إنها (الأبوية).. حد السذاجة..! ومن هنا تبدأ مشكلة البشرية.. أن يخطف أحد الأولاد زمام القيادة فيحتل موقع الأب منهم.. وهو لا يملك مؤهلات الأبوية! وهو الواقع! (وضحك كأنه يمزح) ماذا أقول؟ لَلأسف؟ هذا ما أخافه أيضاً.. لَلأسف!

وانتبهت لنفسي!

كان الدمع يجري بصمت على خدودي وتسّاقط قطراته على صدري، و(يان) يقول:

– أنت تخيفني يا (دون ماكسيمليانو)! أنت تخيفني!

والتفتّ إلى جنوبشت.. كان حزيناً يجتر ريقه ساهم العينين زائغ النظرات. وهمست له: “رغم أنني أبكي على قومي.. قومي الذين مضى الزمن وتركهم على رصيف طيبتهم. إلا أنني لا أعذرهم. لا والله، ليس لهم من عذر.. وإلا علامَ خلق الله العقل؟ أليس من أجل أن يكون الحارس اليقظ على نوازع الفطرة وتمادي الإنسان في الاستجابة السفيهة لندائها؟”.

**

 

أظنني قلت ما أريد عن (قمة العشرين) التي تعقد اليوم في مدينة (أوساكا) في اليابان. والعارف ليس في حاجة إلى تعريف.

تحياتي.

28 حزيران 2019

التخطي إلى شريط الأدوات