التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

ثورة العشرين .. الأغبياء حين يقاتلون بالنيابة عن الخبثاء

د. طه حامد الدليمي 

في كل عام في مثل هذا اليوم (30/حزيران) ينبري (الوطنيون) في العراق يتقدمهم الشيعة للاحتفاء بذكرى (ثورة العشرين) على أنها الثورة الوطنية التي ضمت تحت جناحيها جميع العراقيين. والحقيقة أن هذه الثورة لا تعدو أن تكون (حرباً بالنيابة) خاضها العراقيون بدلاً عن إيران، لاهثاً – دون أن يدري إلى أين يراد به – وراء اثنتين: المرجعيات الشيعية الفارسية الخائنة لحقوق (الزاد والملح)، التي لعبت الدور بإتقان فتعددته فيما بينها خدمةً للهدف. والمرجعيات السنية: العشائرية والسياسية التي لم تفقه اللعبة الفارسية حتى بعد مئة عام!!!

لا نغمط حق من قاتل بشرف بنية الدفاع عن الدين أو الوطن أو قيم العشيرة. لكن هذا كله لا يكفي عائقاً أمام قول الحقيقة التي توصلنا إليها من خلال المعاناة، التي دفعتنا دفعاً وساقتنا سوقاً للتنقيب بين أحجار التاريخ وزواياه المنسية خارج نطاق أشعة الشمس المنيرة.

المنهج الحماسي وسذاجة الوطنيين في ثورة العشرين

حتى اللحظة يجري تسويق (ثورة العشرين) إلى المطبخ الجمعي للذاكرة العراقية طبقاً لمنهج حماسي تهريجي، يقول عنه عالم الاجتماع العراقي الدكتور علي الوردي (لمحات اجتماعية: 5/25): (لا أنكر أنه أسلوب حسن إذا كان المقصود منه إثارة الحماس الوطني في أفئدة الناشئة الجديدة، إنما هو لا يصلح أن يكون أسلوباً للبحث العلمي الذي ينبغي أن يكون من نمط آخر).

إن هذا هو الأسلوب الوحيد الذي يجري على أساسه إيصال الحديث عن الثورة إلى الجمهور، سواء عن طريق كتب التاريخ والوطنية في المناهج الدراسية، أو وسائل الصحافة والإعلام، أو المنابر الدينية، وغيرها من وسائل التثقيف الاجتماعي. وبهذا يتبين مدى الفرق بين الصورة الدعائية التي رسخت في أذهان الناس عن هذه الثورة، والصورة الحقيقية لها، بصرف النظر عن سلبياتها وإيجابياتها.

في يوم من أيام ربيع 2005 قلت لأحد السياسيين الإسلاميين: هل يرضيك فلان يتحدث عن محمد باقر الحكيم على رؤوس الملأ ومن خلال شاشات الفضائيات ويقول: لقد وجدته حكيماً حقاً، وهو من عائلة وطنية سعت وما زالت تسعى في جمع العراقيين وتحقيق الوحدة الوطنية”؟!

شعرت بالصدمة حين سمعته يجيب: “نعم هو من عائلة وطنية”! قلت: “عن أي وطنية تتكلم”؟! قال: “هل تعلم أنه لولا فتوى السيد محسن الحكيم في الشيوعية لاجتاح الشيوعيون العراق في منتصف القرن الماضي”؟ فأجبته على الفور: “وهل تعلم أن هذه الفتوى هي فتوى أمريكية إيرانية؟ كان الروس آنذاك يسعون بكل طاقتهم لتحقيق حلم القياصرة في الوصول إلى (المياه الدافئة) في الخليج، وكان الشاه محمد رضا بهلوي رجل أمريكا الذي يقف سداً أمام أحلام الروس في اجتياح المنطقة. فأوعز الشاه إلى رجله في العراق المرجع الشيعي الإيراني محسن الحكيم (والد محمد باقر الحكيم) أن يصدر فتواه بتحريم الانتساب إلى الشيوعية حتى يقطع أذرع الروس التي يمكنهم استعمالها في سبيل هدفهم المذكور. فالفتوى يا أستاذ، أمريكية بثياب دينية شيعية”!

لم يجبني على هذا الكشف الواضح الفاضح لجذور الفتوى، وإنما قفز إلى موضوع آخر بعيد قليلاً عن أصل النقاش، ليقول: لقد شارك الشيعة وعلى رأسهم مراجعهم الدينيون في ثورة العشرين”. فقلت له:

أولاً: ثورة العشرين ثورة مسروقة؛ فأول من قاوم الانجليز هم أهل السنة، وقد ثار أهل تلعفر ومعهم الجيش العربي القادم من سوريا بقيادة جميل المدفعي وأبادوا الحامية البريطانية في قلعة تلعفر عن آخرها، وتقدموا إلى مركز محافظة الموصل لكنهم فشلوا في دخولها وانسحبوا راجعين، قبل تحرك الشيعة في رميثة السماوة بأربعين يوماً. وذلك في الشهر الخامس من سنة 1920 كما يذكر علي الوردي في كتابه (لمحات اجتماعية) في الجزء المخصص للثورة.

وثانياً: فتش عن يد إيران تجدها فاعلة في الحدث”.

فتش عن إيران في كل تحرك شيعي ( وطني )

لكل عمل بعدان: بعد سابق في النفس، هو النية الباطنة، وبعد لاحق في الأفق، هو الحركة الظاهرة. وبحسب صلاح البعد الأول يكون صلاح الثاني، وبحسبهما معاً يكون صلاح العمل وقيمته وقبوله. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى) رواه البخاري. فما كل عمل صالح في ظاهره هو صالح في حقيقته.

لقد جلب شيعة العراق المحتل الأمريكي، واستقبلوه بالورود والهتافات والزغاريد والاحتفالات.. حتى إذا استدار الزمان وصار وجود الأمريكان عبئاً على إيران، استدار الشيعة مع دورة الفلك، لا بسين ثياب الوطنية، وما هي بوطنية، بل عمالة وطائفية!

الموقف نفسه وقفه شيعة لبنان من الاحتلال الإسرائيلي للجنوب في سنة 1982. فقد استقبلوهم بالأرز والورود والهتافات! كما اعترف بذلك الشيخ صبحي الطفيلي الأمين العام السابق([1])، والشيخ حسن نصر الله الأمين العام الحالي لـ”حزب الله”([2]). ثم كان ما كان بعد استدارة الزمان.

نقول هذا ولدينا قبل الدخول في عمق الموضوع الملاحظات التالية:

  • كأي ثورة قامت ثورة العشرين على قيادة نخبوية، وعلى قاعدة جماهيرية. نخبة ذكية خططت ودفعت، وجماهير قادها الحماس اندفعت ونفذت، وهي لا تدري بالنوايا والأهداف الحقيقية لتلك النخبة. على أن هذه النخبة تنقسم إلى قسمين: قسم يمتلك الأسرار والدوافع الحقيقية الخفية للحدث، وقسم حاله حال الجمهور: نية صالحة وفعل جميل. وهؤلاء ربحوا المعنى، وإن خسروا – وخسرنا معهم – المبنى.
  • حين نقيس ثورة العشرين بمقياس الدوافع والمحركات الحقيقية الخفية التي تمثلها المراجع الدينية والسياسية والعشائرية، نجد أنها لم تكن ثورة عراقية وطنية، وإنما ثورة شيعية طائفية لتكوين دولة شيعية، أُعد لها من حين بدت بوادر زوال الدولة العثمانية السنية في الحرب العالمية الأولى. وكانت إيران وراء الحدث من أساسه، عن طريق المراجع الإيرانيين في العراق؛ تحقيقاً لهدفين:

الأول: التخلص من الهيمنة البريطانية التي كانت يومها تغتصب القرار الإيراني.

الثاني: تكوين دولة شيعية في العراق موالية لها.

  • يُظهر البحث في المفارقة بين (الوطنية) المزعومة للشيعة على عهد الاحتلال الانجليزي، والعمالة الواضحة بعد تسعين سنة على عهد المحتل الأمريكي أنه ليس من مفارقة، ولا من وطنية! إنما هي إشاعات روجها الإعلام، وساهم في ترسيخها التثقيف الوطني للدولة العراقية (1921-2003). هذا كل ما في المفارقة من فرق!
  • التطابق التام بين موقف المرجع الشيعي محمد تقي الشيرازي من الاحتلال البريطاني وموقف المرجع الحالي علي السيستاني من الاحتلال الأمريكاني، رغم وجود فترة طويلة تفصل بينهما تمتد إلى حوالي قرن من الزمان.. يكشف عن وجود منهجية شيعية واحدة تحكم تحركاتهم، هي وراء (قابلية الاستعمار) هذه التي يلاحظها كل متابع لتاريخهم في جميع أدواره وعصوره. ابن العلقمي الوزير العباسي الفارسي الشيعي، ومعه العالِم أو (المرجع) الديني الإيراني نصير الدين الطوسي مثالان مشابهان، وإن اختلف الزمان.

لم أكن يومها أملك أي معلومة تفصيلية عن علاقة إيران بالثورة وتحريكها لها، وأن القتال كان يصب في صالحها وخدمة أهدافها! إنما قلت ذلك – للمسؤول (الإسلامي) – بناءً على استقراء تاريخي وخبرة طويلة بالمحركات الخفية للشارع الشيعي، وأنه ما من حركة شيعية إلا ووراءها إيران، بصرف النظر عن الثوب الذي تلبسه الحركة وتظهر به للعالم.. “إذا أردت أن تفسر أي موقف (وطني) للشيعة، ابحث عن الأم الحبيبة إيران”.

وللحديث بقية.

1 تموز 2019

………………………………………………………………………………ز

  1. – جريدة (الشرق الأوسط) ، لقاء مع الأمين العام الأسبق لـ”حزب الله” الشيخ صبحي الطفيلي في (7/2/2004).
  2. – عراق بلا قيادة ، عادل رؤوف (شيعي من حزب الدعوة من أتباع الصدر) ص266-267. نقل المؤلف هذه العبارات عن خطاب لحسن نصر الله منشور في كتاب باسم (سجل النور) ص227 صادر عن الوحدة الإعلامية في حزب الله .
اظهر المزيد

‫4 تعليقات

  1. لم يمضِ على استقبال الشيعة للأمريكان المحتلين بالورود والزغاريد والحلوى سوى (16) عاماً، ولم تمض ِ على مقاومة الأمريكان من قبل المقاومة السُنّية سوى سنوات قليلة حتى بدأ الشيعة يسرقون هذه المقاومة ونسبها لأنفسهم.
    فكيف بثورة العشرين التي مضى عليها ما يقرب من مائة عام؟
    إن الشيعة مشهورون بالكذب والتزوير والسرقة ويشهد على ذلك تاريخهم وحاضرهم وبالتالي كل فعل صالح في ظاهره لابد من نبش وتفتيش باطنه لنعرف الوجهة الصحيحة والقبلة المقصوة والبوصلة ستنبيك بالجواب.
    جزاك الله شيخنا الفاضل فدائماً ما تقدح بنا أفكاراً كامنة في نفوسنا، وتذكرنا بأحداث طالما غفل وتغافل عنها أهل السنة.

  2. {فتش عن إيران في كل تحرك شيعي ( وطني )}
    هذه القاعدة الالمعية يجب أن تكون نصب عين كل سني مواطنا كان أو مسؤولا حتى لا “نلدغ مجددا من جحر ايران وشيعتها” فقد تورم جسد الأمة من كثرة اللدغ و خُدر وعيها من جراء السم الشيعي الذي ضخ في شرايينها على مدى اجيال و اجيال..
    ثم لا يكفي ان تعيّ الامة هذه الحقائق و إن كان هذا هو أول الطريق و بداية الاستشفاء من اللدغات الشيعية .. إلا انه ينبغي أن تشمر السواعد لنصرة هذا المشروع العظيم الذي اخذ على عاتقه هذه المهمة الجليلة”احياء أمة من تحت ركام التاريخ”
    لقد استطال علينا القوم باعلامهم المجلجل الذي رسّخ هذه الترهات في عقول الامة ولا سبيل لرد عادية هؤلاء إلا بخطاب صادم قوي يملك من الكفاءة ما يفكك به خططهم و اطروحاتهم .. اما حوقلة العجائز فللعجائز كما يقال..

    جزى الله شيخنا عن امة الاسلام خير الجزاء ..
    الله..ما احوج هذه الأمة إلى الانتفاع بهذه العبقرية الفذة التي منّ الله بها علينا في هذا الزمن .. فاللهم احفظه و بارك لنا في عمره وعمله

  3. بسم الله الرحمن الرحيم
    كثيرا ما وقع السنة بسبب طيبتهم وشجاعتهم وغيرتهم وعزتهم وأنفتهم في شرك القتال بالنيابة، وكلما خرجوا من شرك وقعوا بآخر، إلا أني هذه المرة مستبشر جدا بالوعي الجديد لشباب السنة، فلم يستطع الشيعة في ظل الصراع المحتدم بين أمريكا من جهة وإيران وشيعتها من جهة اخرى ان يسحبوا السنة إلى ميدان الصراع أبدا، رغم أنهم لبسوا كل جلود الحرباء وكأن لسان حالهم يقول: (هذا الميدان يحميدان، أين أنتم يا شيعة علي بابا)، لم يكن هذا ومضة وعي بسيط, بل هو خطوة متقدمة إلى الأمام كثيرا

  4. والعجييب خو تضخيم الفالة الشيعية والمكوار الشيعي اللذان كانا آلة لايران ويوصم اهل السنة الذين كانوا قادة البلاد حين كان الشيعة في جهل مركب لا يكاد فيها من يقرأ ويكتب وقد اشترك في هذا التجهيل الترك والايرانيين يما نشروا من خرافات وبما وطنوا من اجناس من غير العراق وهم الشروكية اللذين استوطنوا العراق فجلبوا معهم كل عادة حقيرة وفاسدة فكان لهم الاثر السلبي في المجتمعات الجنوبية والامر من ذلك ان ابوة السنة احاضنت هؤلاء وهؤلاء فزاد الطين بلة والامر وباء وما هي الا عقود حتى كانت بغداد عاصمة الفساد الديني والاخلاقي و الطبيعي بينما كانت عاصمة الحواضر العالمية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: