جيل البوبجي وانتفاضة الشيعة .. هل من حل ؟

د. طه حامد الدليمي

الفرصة فرصتان: واحدة تُصنع وأُخرى تَسنح. وما لم يتم استثمار الفرصة بعد صنعها، أو حين سُنحها، انقلبت وبالاً على أهلها.

الذي ألاحظه أن واقع الفرص المتعلقة بـ(القضية الشرقية: قضية إيران وشيعتها)، التي تمثل أكبر خطر يهدد (المشرق العربي: الأحواز والجزيرة والعراق والشام).. كما يلي:

1. على صعيد الفرص التي تصنع لا تكاد تذكر.

2. أما على صعيد الفرص السانحة فيكون الموقف منها: إما بالإهمال، أو بالنظر إليها نظرة سطحية، يتبعها – بطبيعة الحال – فعلٌ بالمستوى نفسه، بعيداً عن الغوص في العمق: تشخيصاً وعلاجاً.

لنتأمل المشهد قليلاً.

ما يجري منذ شهر في الواقع الشيعي العراقي يمثل فرصة تاريخية للاستثمار، ولكن… . دعنا من (لكن) وانظر معي:

هناك انقلاب بنسبة لا بأس بها حاصل في أوساط  الشباب الشيعي على الموروث الديني بما فيه العمامة، وصلت آثاره على استحياء إلى العمامة الكبيرة. أما العمامة المحركة في طهران فقد ضربت بالأحذية. انقلاب من حيث الحجم كبير، ومن حيث العمق في حاجة ماسة إلى تعميق أكثر.

في (منهاج المشروع السني) وضعنا خطة استراتيجية أسميناها (استراتيجية الحل الجذري للمشكلة التاريخية مع الشيعة وإيران) تتكون من مرحلتين بأربع خطوات. لخصنا المرحلة الثانية بخطوتين: الأولى: تحرير الشيعة من التشيع: عقيدة وعقدة. والثانية: تفكيك إيران. دعونا الآن من إيران وتفكيكها، وخلونا في محاولة بلورة تشخيص العلة قبل القفز إلى العلاج.

 

التشخيص الحقيقي .. العلة العميقة للشيعة

بعيداً عن العواطف والمجاملات والحماسيات وإطلاق وصف (التشيع العربي) على تشيع  فارسي القلب والقالب.. أدعوكم للغوص عميقاً بحثاً عن العلة خطوة خطوة.

1. المشكلة – حسب الواقع الظاهر على السطح – في إيران. لا يختلف في ذلك منا اثنان، ومعنا في هذا جمهور عريض من الشيعة أنفسهم. لا سيما الجمهور المنتفض.

2. حين نغوص تحت السطح قليلاً سنكتشف أن العلة قبل ذلك في الشيعي نفسه؛ فلولا الحاضنة الشيعية الشعبية ما تجاوزت إيران حدودها.

3. لكن حين نغوص إلى العمق بما يكفي نجد العلة في التشيع الذي صنع الشيعي؛ فلولا التشيع ما كان الشيعي؛ فالمرء ابن فكره، فإذا تحول الفكر إلى عقيدة زاد منسوب (الابنوية). فإذا استحالت العقيدة عقدة صار الابن عبداً، والأب رباً من الأرباب!

 

ألوهية العمامة

تقول: لا، وتسأل مستنكراً: كيف تنعت الشيعي بالعبد؟! والمرجع بالرب؟!

دعونا نتناقش بهدوء. وهاكم نصاً من كتاب يدرس في حوزة النجف وقم وكل مدارس الحوزات الشيعية للطالب أول انتسابه إليها:

(عقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط أنه نائب عام للإمام (ع) في حال غيبته. وهو الحاكم والرئيس المطلق. له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس، والراد عليه راد على الإمام والراد على الإمام راد على الله تعالى وهو علـى حد الشرك بالله كما جاء في الحديث عن صادق آل البيت (ع)([1]).

هل هناك نص في أي ديانة يستعبد الإنسان كمثل هذا النص؟!

في هؤلاء وأمثالهم قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (آل عمران:31).

هذا النص ينزع قابلية التفكير من الشيعي ويجعله (عبداً) بل آلة بيد (السيد).

ولولا هذه العبودية ما صدق شيعي مزاعم العمائم من تحريف كتاب الله إلى الغلو في الرجال إلى المتعة إلى الخمس إلى التقية إلى استحلال دم الشريك في الوطن إلى الانتساب إلى إيران بديلاً عن الوطن الأم. إلى إلى إلى…!

ولولا هذه العبودية ما صبر الشيعي ست عشرة سنة على حكم العمامة وهي تمارس ألوهيتها العاهرة المكشوفة العهر تجاهه! أم لم ير الشيعة بالصورة والصوت كيف أنه لا يعين خادم في العتبة الحسينية قبل أن يتم التوقيع على دبره من قبل المسؤول! وذلك في مكتب وكيل السيستاني وخطيب جمعة كربلاء عبد المهدي الكربلائي – أخزاه الله – الواقع في مواجهة الضريح، ينزعون الملابس الداخلية للمتقدم بالطلب ثم يقوم مرتضى الثاني صهر عبد المهدي بالتوقيع على دبره بيده!

 

جيل البوبجي

قبل أشهر سمعت خطيب الجمعة يحذر من (البوبجي). أول مرة أسمع بهذه الكلمة! ولما استفسرت عنها بعد الانصراف من الصلاة عرفت أنها لعبة دخلت فتنتها كل بيت!

ثمت جيل يولد بيننا يمكن أن نسميه (جيل البوبجي).. جيل ثقافته ثقافة (بوبجي) لا (ثقافة حسينية). فيه ملحدون يبدو أنهم كثر. وفيه من هم بين بين. يشكل هذا الجيل طليعة الانتفاضة الشيعية. ولولا ظهور هذا الجيل ما كانت هذه الانتفاضة بهذا العمق، وهذا الاتساع والانتشار!

 

هل من تشيع عربي ؟

العلة إذن في التشيع. والتشيع الشائع فارسي. ودون تحرير الشيعة من هذا التشيع لن يستفيد الشيعة ولا السنة من هذه الفرصة السانحة. لا الشيعة سيتخلصون من تبعية إيران. ولا السنة سيصلون إلى تحقيق التعايش السلمي مع الشيعة بأي حال من الأحوال.

وهنا يبرز سؤال مهم: هل من تشيع عربي يمكن أن يكون التشيع البديل عن التشيع الدخيل؟ والجواب: نعم، وفي مصادر الشيعة قبل غيرها. لكنه مطمور بين ركام من التشيع الفارسي، والعمل ليس عليه.

سؤال آخر يطرح نفسه: وما العلاج برأيك؟ والجواب: أنا مستعد لإعطاء وصفة ناجعة نافعة للشيعة وللسنة: تخلص الشيعة من تشيعهم الفارسي وتنقلهم إلى تشيع عربي حقيقي. وتحقق للسنة ما يطمحون إليه مع الشيعة من تعايش سلمي. يتم تفعيل مكونات الوصفة من خلال مشروع.. لكن بشرطين: أن ينطلق أولاً من (جيل البوبجي) كمقدمة، ويكون تعويله على الجيل القادم، أي الجيل الثاني. والشرط الآخر تفعيل فقرة الأقاليم في الدستور.

مقدماً أبشركم فأقول:

لن يتقدم إلي أحد لا من السنة ولا من الشيعة – إلا أن يشاء الله – ليلتقط هذا العرض التاريخي، ويستثمر هذه الفرصة النادرة.

هل تعلمون لماذا؟ لسببين:

1. لأن الشيعي فاقد للثقة بالآخر.

2. ولأن (جيل البوبجي السني) لم يظهر بعد.

ما زال الجيل المتكلس.. جيل الدواوين والسوالف والحماسيات والمجاملات، ودغدغات العلة الغائصة في الأعماق، والمساعدات الخيرية وتوزيع الكتب، والخطاب الفضائي والمنبري، واعتماد وسيلة الدعوة دون المشروع، أو التهرب منه.. هو المسيطر.

ومن خالفني فالتحدي بيني وبينه قائم. وأن عسى أن أكون أنا المخطئ فيبعث الله تعالى لنا جهة أو شخصاً يقول: هاتِ ما عندك، وهاكَ ما تريد.

وإلى أن تظهر لنا تلك الجهة، أو ذلك الشخص، أو لا تظهر، أقول:

يا طليعة الجيل السني القادم! عليكم بالشباب؛ فعليه المعول بعد الله سبحانه! دعوا المقابر المؤجلة.. لا تنشغلوا بخطاب الجثث المحنطة، تبحثون بين أنسجتها المتفسخة عن مغرس لأمل لا وجود له.

3 تشرين الثاني 2019

……………………………………………………………

  1. – عقائد الشيعة، ص9، محمد رضا المظفر، المطبعة الحيدرية في النجف – 1373هجـ – 1954م.

 

التخطي إلى شريط الأدوات