التخطي إلى شريط الأدوات
مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

الوضع الأمني على عهد النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة

د. طه حامد الدليمي

2222 استمر الوضع الداخلي مستقراً ست سنين على عهد الخليفة عثمان ثم أخذ بالتآكل حتى انهار النظام. وإن من الخطأ التاريخي والسياسي والاجتماعي الكبير أن نسمي أو نفهم ما حدث على أنه قتل خليفة ومجيء خليفة كما حصل مع الخليفة عمر بن الخطاب.

ما حدث هو انقلاب على الدولة، وزوال نظام، ومجيء نظام آخر يفتقر كثيراً إلى الاستقلالية.

في رأيي أن السنين المستقرة كانت بسبب التعود الجمعي على الضبط، الذي كان عليه المجتمع في زمن عمر، فكأنها كانت استمراراً وظلاً لذلك العهد، وأثراً من آثار الهيبة التي خلفها أبو بكر وعمر في نفوس الناس تجاه الخليفة، احتاج هذه المدة لكي ينقشع عن المجتمع؛ فصار الخليفة يواجه الأمور بمكنته الذاتية. لَلأسف أثبتت الأحداث أن مَكِنَته لم تكن على قدر التحدي. يبدو أنه كان يعالج الأمور بشيء واحد هو اللين. واللين وحده لا يصلح به حكم، والدولة قد توسعت فضمت شعوباً لم يصهرها الدين بعد، والناس قد تغيرت. فلما وجد الناس أن الخليفة القائم لَين على طول الخط، وأنه من اللين كما جاء وصفه عن عبد الملك بن مروان إذ قال: (وما خالف عثمان عمر في شيء من سيرته إلا باللين، فإن عثمان لان لهم حتى رُكب. ولو كان غلَّظ عليهم جانبه كما غلَّظ عليهم ابن الخطاب ما نالوا منه ما نالوا)[1]. لما وجده الناس كذلك تجرأوا وتمادوا في جرأتهم حتى كان ماكان. وازدادت الأمور اضطراباً على عهد علي، حتى يمكنني القول إن الأحداث العاصفة جرفته بأمواجها فلم يستطع وقفها، بل أغرقته بتيارها الجارف. فكيف تمكن معاوية من إنجاز ما عجز عنه عثمان وعلي؟! لقد استقرت الدولة واجتمعت الأمة وانطلقت تترقى في سبيل المجد والعزة والرفاء والنماء فبلغت الذروة من ذلك.

لا أريد الخوض في أسباب ذلك لأنني أريد الكلام عن معاوية إتماماً على المقال السابق الذي تناولت فيه المؤامرة الفارسية وكيف تصدى لها هذا الرجل العظيم. وهنا يبرز سؤال: كيف تمكن من ذلك؟

دعونا نبدأ بالموضوع من أوله.

جهاز الأمن والاستخبارات على عهد النبي صلى الله عليه وسلم

اهتم النبي عليه السلام بتحقيق الأمن والأمن الشخصي منذ أن بعث بالنبوة فكان في جوار عمه، وكان يبحث بين القبائل عمن يمنعه ليبلغ دعوة ربه. ثم اتخذ له حرساً في المدينة. فقد روى الشيخان عن عائشة قالت: أرق النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة فقال: (ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة)، إذ سمعنا خشخشة سلاح قال: (من هذا)؟ قال: سعد بن أبي وقاص يا رسول الله جئت أحرسك. فنام النبي حتى سمعنا غطيطه.

وبقي على ذلك حتى نزل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) (المائدة:67)، قال ابن كثير في (تفسيره): “أي بلغ أنت رسالتي وأنا حافظك وناصرك ومؤيدك على أعدائك ومظفرك بهم؛ فلا تخف ولا تحزن فلن يصل أحد منهم إليك بسوء يؤذيك. وقد كان النبي قبل نزول هذه الاَية يُحرس. ثم أورد ابن كثير روايات عديدة في أن النبي صرف الحرس بعد نزول الآية([2]).

وهذا شيء خاص بالنبي ليس لأحد غيره. فكيف يقتل عمر ثم عثمان ثم علي لو كان لهم حرس؟ ولمَ لمْ يتخذوا حرساً وليس لهم عصمة من الله؟ ولماذا يرفض عثمان عرض معاوية عليه قبل مقتله بسنة إرسال كتيبة شامية لحراسته؟ كانت الاطمئنان بالإيمان قد زاد بحيث ترك الخلفاء الأوائل ما لم يتركه رسول الله قبل نزول الخبر الرباني بعصمته من قبله سبحانه. وانتقل علي إلى بيئة الكوفة الموبوءة بالفتن فلم يدفعه تغير البيئة وأخلاق الناس ووجود الفرس هناك بنسبة كبيرة منذ أن سكنتها (حمراء الكوفة) بالاتفاق مع سعد بن أبي وقاص.. إلى التحفظ وحماية نفسه بحرس يحوطه فقتل لدى باب المسجد عند الفجر.

لا يمكنني أن أفهم هذا التصرف فهماً مجتزءاً يقتصر على مفردة الحراسة فقط. بل إن هذا مظهر واحد من مظاهر بقاء العوائد عند الجيل الأوائل كما هي عليه دون التأثر بمتغيرات الواقع. فاحتاج الزمن إلى تغيير لا يقدر عليه ذلك الجيل بما طبع عليه من عوائد وزهد وبساطة منبعها إيمان بالأقدار لم يتوازن باتخاذ الأسباب، كما هو شأن النبي صلى الله عليه وسلم.

لم يقتصر النبي صلى الله عليه وسلم على أمنه الشخصي بل اهتم بالأمن العام. ودل البحث على أن له جهاز استخبارات لا يترك شاردة ولا واردة في بيئته إلا وجاء بها إليه، سواء ما كان يدور في مكة قبل الفتح وما بعده أو المدينة أو الأصقاع المجاورة ذات العلاقة كخيبر وغيرها. وكان على رأس هذا الجهاز في مكة عمه العباس الذي كان يكتم إيمانه. وربما كان حذيفة بن اليمان في المدينة كعباس في مكة؛ إذ كان يسمى (صاحب سر رسول الله)، واختصه النبي بأسماء المنافقين. ولنا العذر في أن نستنطق الإشارات لنستخبر ما وراءها؛ فإن هذا العمل مبني على السرية والكتمان، ويبدو أنه بقي لكذلك حتى مات وانطوى بموت أصحابه، فلم تصلنا – فيما علمت – تفاصيل عنه. وإلا ما قيمة معرفة شخص بأسماء مجموعة من الأشخاص لولا وجود غرض معين؟

وكان للنبي صلى الله عليه وسلم عيونه حتى وهو في مكة، وحادثة الهجرة بنيت على عمل استخباري دقيق قام به آل أبي بكر وفي مقدمتهم عبد الله وأسماء. والمتابع للسيرة يقع على كثير من الحوادث التي لا تحتاج إلا إلى خيط رفيع يربط بينها لتبرز أمامه صورة متكاملة لجهاز استخباري محكم كان يعمل في خدمة الدولة الناشئة بقيادته صلى الله عليه وسلم! ومن ذلك أنه استفاد من حلف قديم بين خزاعة وجده عبد المطلب فكسب ودها فكانت حليفاً له. ومما خدمته به من الأخبار التي كانت تبعث بها إليه عن قريش ما جاء ذكره في (السيرة الحلبية): “كانت خزاعة، مسلمها ومشـركها لا يخفون عليه صلى الله عليه وسلم شيئاً كان بمكة، بل يخبرونه به وهو بالمدينة، وكانت قريش ربما تفطن لذلك”([3]).

لا نقول: إن الدولة على عهد الخلفاء الأربعة لم يكن لها جهاز استخباري لحماية الدولة. بل كان لها هذا الجهاز منذ عهد أبي بكر الصديق، كامتداد للجهاز الاستخباري النبوي. وكان فعالاً جداً في كشف المؤامرات: الخارجية والداخلية ومواجهتها وإحباطها، ومنها حركة الارتداد التي واكبت أول خلافة الصديق. ولست بصدد تفصيل ذلك. وكان في جهاز استخبارات الدولة على عهد الفاروق شعبة خاصة لمراقبة الولاة وموظفي الدولة، أسندت رئاستها إلى الصحابي الجليل محمد بن مسلمة.

سيف ولكن من حقنا أن نسأل: فأين غَناء هذا الجهاز في حماية رأس الدولة وقد قتل ثلاثة منهم على التوالي؟ وأرى أن معادلة الموازنة بين القدر والسبب اختلت لصالح الاعتماد على القدر وضمرت في جانب اتخاذ السبب فيما يخص الأمن الشخصي للخليفة. وذلك – في رأيي – عائد إلى زيادة إيمان وتقوى تذهله عن ملاحظة كون أمنه الشخصي ليس مبتوتاً عن أمن الأمة؛ فما يصيبه من خير أو شر فيه ينعكس في مآله على الأمة في الناحيتين. كالماء في صدره من النهر مهما يكن عليه من حال يتوزع – ولا بد – في سواقيه.

في المقال التالي – بإذن الله – سيكون الحديث عن إنجازات معاوية على صعيد الأمن.

2020/1/25

…………………………………………………………………………………………………

  1. – الطبقات الكبرى، 5/232، ابن سعد. وتتمة كلام الخليفة عبد الملك: (وأين الناس الذين كان يسير فيهم عمر بن الخطاب والناس اليوم؟ يا ثعلبة إني رأيت سيرة السلطان تدور مع الناس، إن ذهب اليوم رجل يسير بتلك السيرة أُغير على الناس في بيوتهم، وقطعت السبل، وتظالم الناس، وكانت الفتن، فلا بد للوالي أن يسير في كل زمان بما يصلحه. لما وجده الناس كذلك تجرأوا وتمادوا في جرأتهم حتى كان ما كان.
  2. – كان يحرس حتى نزلت هذه الآية: (والله يعصمك من الناس)، فأخرج رسول الله رأسه من القبة، فقال لهم: (يا أيها الناس! انصرفوا فقد عصمني الله). صححه الألباني في (الصحيحة).
  3. – السيرة الحلبية، 3/18، علي بن إبراهيم الحلبي (ت 1044هـ)، دار الكتب العلمية – بيروت، الطبعة الثانية – 1427هـ. وذكر الشاعر العراقي معروف عبد الغني الرصافي، تفاصيل كثيرة عن هذا بعنوان (استخبارات محمد)، ص492 فما بعدها. في كتابه (الشخصية المحمدية)، منشورات الجمل، الطبعة الأولى، ألمانيا، 2002. والكتاب – على سوئه وجرأته التي لا يقفها حد – فيه شذرات نافعة.

 

اظهر المزيد

‫4 تعليقات

  1. ذكر الله عز وجل في كتابه العزيز عدة آيات للأخذ بالاسباب ولحفاظ على النفس أولاً حتي تستطيع أن تعمل للغاية التي خُلقته من أجلها تغيير المجتمع نحو الهدف الصحيح على طريق المنهج القرآني والسنة، قال تعالى ﴿ وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا ﴾

  2. لا أراني أبالغ إن قلت: أن أفضل من أعطى لهذا الرجل حقه وعرف دوره الحقيقي هو كاتب هذه السطور، فقد جلى لنا ما غاب وغيب عن هذا الرجل المجدد.

  3. صار فترة اريد احد يراسلني من الموقع ما اعرف شلون ادزلكم (ليش هيجي)
    اخوان راسلوني على بريدي الالكتروني
    zumraad@yandex.com
    عندي بعض الملاحظات الي ممكن تخلي مقاطع الفيديو تظهر بصورة اكثر ابداعاً
    والله اني لا راجوا اي شي من عملي هذا انما هو قربة لله وانا متفرغ نسبيا هذه الايام ممكن اساعدكم.

  4. السلام عليكم
    لدي بعض الملاحظات بخصوص التصوير والانتاج المرئي للشيخ
    ارجو من القائمين على الموقع مراسلتي على البريد التالي
    zumraad@yandex.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: