تاريخنا الضائع على موائد الغرب المنحاز للفرس

قراءة في كتاب ( تاريخ ضائع ) (1)

أ. العنود الهلالي

لم يتعرض تاريخ للتشوية والسرقة والتزوير مثلما تعرض له التاريخ العربي والإسلامي!

لم يكتف المزورون بتشويه الحدث، بل تعداه إلى مظاهر الحضارة ومؤسساتها وعلومها وعلمائها.

في أعقاب أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر، وبعد تنامي مشاعر الكراهية والعنصرية ضد العرب والمسلمين، واتهامهم في وسائل الإعلام الغربية بالإرهاب وعدم قبول الآخر.. كتب الدبلوماسي الأمريكي السابق مايكل مورجان[1] كتابه (تاريخ ضائع: التراث الخالد لعلماء الإسلام ومفكريه وفنانيه)، في محاولة منه – كما يبدو – لرأب الصدع والتقريب بين الشرق والغرب.

تناول في كتابه – الذي صدرت له الترجمة العربية عن دار نهضة مصر- الحضارة الإسلامية والعصر الذهبي لهذه الحضارة ومنجزاتها ودور الخلافة الأموية والعباسية في رعاية العلم والعلماء وتهيئة البيئة الجاذبة للمخترعين والمكتشفين في سرد زمني وتاريخي للوقائع التاريخية والعلمية. وقد قسمه إلى ثمانية فصول:

أبناء روما، مدن العباقرة المفقودة، تجلي عظمة الله في الأرقام، أشكال النجوم، المخترعون والعلماء، المعالجون والمستشفيات، رؤية وصوت وقلعة، القيادة المستنيرة.

لن استغرق أكثر في التعريف بموضوعات فصول الكتاب؛ فقد وجدت كثيراً من المراجعات الوافية حوله، بل سأتطرق إلى نقطتين أثارتا حفيظتي بشدة: مرة عند قراءتي الكتاب، ومرة عند اطلاعي على المراجعات التي كتبت عنه ولم تنتبه إلى ذلك التخليط الخطير الذي وقع فيه المؤلف عند بعض المواضع فتذبّ – ولو بملاحظة عابرة – عن عرض تاريخنا العظيم، وترد عن وجهه المشرق بعض الأذى الذي ناله جراء هذا التحريف، بل غضت الطرف وراحت تدبج المدائح وتثني على الكتاب ثناء مطلقاً.

هاتان النقطتان استفزتا قلمي للتعليق والرد على المؤلف الذي كان يفترض فيه أن يلتزم الدقة والعلمية المستقاة من أوثق المصادر عند كتابته هذا الموضوع؛ لأن هذا الخلط والتحريف يؤكد أنه لم يولِ اهتماما كبيرا للمصادر التاريخية التي اعتمد عليها!

ربما لم يدرك الأستاذ مورجان أن انتقاء المصادر الضعيفة وغير الموثقة يعد خيانة للأمانة العلمية وتحريفاً للحقائق وتزويراً للتاريخ. وهذه جريمة بكل ما تحمله الكلمة من معنى!

لا بأس سأحسن النية في المؤلف وأقول أنه محض اجتهاد منه وما من تعمّد في هذا الانحياز الغريب للرواية الفارسية لتاريخنا!!

لكن لا أعدك بأن هذا الظن الحسن سيصمد حتى النهاية؛ فالأمر أكبر من خطأ عابر يمكن لظني الحسن أن يغض الطرف عنه!

أولاً : فيما يتعلق بـخلافة معاوية بن ابي سفيان رضي الله عنه:

أعتقد أنه آن للتاريخ أن يخجل من استمراره في ممارسة تشوية هذه الدولة العظيمة وخلفائها الكرام، وأن ينحني راكعاً بين يديها معتذرا من فعل رواتِه المدلسين وكتّابه غير المنصفين..!!

1. تبني الرواية الفارسية وإغفال النقيض المضادد لها:

أورد المؤلف غير مرة عبارة “عزل علي بن ابي طالب ومقتله وتولي معاوية بن ابي سفيان الخلافة”، في إشارة خفية إلى أن معاوية قام بعزل علي رضي الله عنهما بل وقتله. وهذه نغمة فارسية لا يخطئها فهم القارئ الحصيف للتاريخ!

ففي فصل (ابناء روما) قال: (في عام ٦٦١م يعزل علي رضي الله عنه ويقتل ويصبح معاوية سليل العشيرة المكية وبني أمية هو الخليفة). وفي موضع آخر من الفصل نفسه يقول: (وعندما يتم عزل آخر الخلفاء الراشدين علي بن ابي طالب رضي الله عنه وابن عم الرسول وصهره في العام ٦٦١م ويعلن أحد الأمويين وهو معاوية تولية الخلافة تجيش الصدور بالمزيد من الضغائن والأحقاد).

وفي الفصل الأخير من الكتاب، فصل القيادة المستنيرة يقول: (أول خليفة يأخذ السلطة بالقوة هو الأموي معاوية في عام ٦٦١م …)!

هذا الخلط والتشوية الفاضح للحقائق يثير الكثير من الاسئلة في رأسي!!

أليس الغرض من الكتاب هو تناول التاريخ المشرق للحضارة الإسلامية فما الذي دفع المؤلف إلى هذا التشويه المتعمد لصورة معاوية؟

فإن قيل: إنه نقل مما في المصادر التاريخية وفيها ما فيها من التشوية والأخطاء نتيجة لتسرب الروايات الشعوبية الفارسية إليها. سنقول ربما لكن.. هل يوجد في المصادر التاريخية الموثوقة – وغير الموثوقة! – أن علياً عُزل من الخلافة؟ أم إن وجدان الكاتب المنصف لم يستطع أن يتخلص من رواسبه التي رسختها النظرة الغربية تجاه العرب والمسلمين فمارس دور “تصحيح التاريخ العربي الإسلامي” حسب هذه النظرة التي تقولب الواقعة التاريخية لتخرج بنتائج مقصودة مسبقاً؟!

حقاً مازلت أترنح بين علامات التعجب والاستفهام لشدة دهشتي من سطحية هذه العبارة (أول خليفة يأخذ السلطة بالقوة هو الأموي معاوية في عام ٦٦١م …)!!

كيف جمع واختصر الأحداث المتفرقة في سطر واحد يتهم فيه خليفة ويبرئ آخرين ويزور تاريخاً دون خجل!!

إن مأساة تاريخنا ليس في جرأة المزورين فقط، بل في الساكتين على هذا التشوية الصارخ للحقائق والتعدي السافر على عظماء حضارتنا. فكيف بالمادحين!

…………….. يتبع.

………………………………………………………………………………………..

  1. – والاستاذ مايكل مورجان دبلوماسي أمريكي سابق ومؤسس ورئيس منظمة” أسس جديدة للسلام” الأمريكية، تحظى كتاباته بشكل عام باهتمام ومتابعة جيدة من وسائل الإعلام..

 

التخطي إلى شريط الأدوات