أشخاص تأثرت بهم .. الخال ملا إبراهيم / الجزء الثاني

ذكريات ومواقف

د. طه حامد الدليمي

 

كان ملا إبراهيم قوي الشخصية، حاضر البديهة، يتحلى بشجاعة أدبية عالية، يتكلم ويصرح برأيه غير مبالٍ بخطورة الظرف في بعض الأحايين.

حضر يوماً مجلس عرس أو عزاء في أحد الأرياف وكان الجمع حاشداً فصار يعظ الناس ويذكرهم بكلمة التوحيد، ويفصّل لهم في أنواع الشرك من الدعاء والنذر وشد الخِرق التي تسمى (ستارة) وغيرها من المخاريق السائدة في تلك العهود. فإذا أحدهم يستشيط غضباً ويهاجمه قائلاً: أنت تكره الصالحين وتنكر كراماتهم، وتتنقص منهم، كيف تفعل هذا؟ نحن لا نسمح لك. وهنا لجأ ملا إبراهيم إلى سلاح السخرية ولكن بذكاء؛ فبعد أن أثنى على إنصات الحاضرين وأدبهم قال له: يا مسكين! لقد نظر إبليس ليجد من بين هذا الجمع الطيب شخصاً ضعيفاً يستغله، ومن سوء حظك أنه لم يجد سواك لـ(ينخسه) بإصبعه! واستعمل كلمة (النخس) باللهجة الشعبية، فكانت مقذعة اللفظ، قاسية الوقع! لكنه يعرف كيف يستعمل الكلمة الساخرة، وكيف يلقيها على المسامع فتقبلها! يقول لي أحد شهود الموقف من أخوالي: لم أشك تلك اللحظة في أن الرجل ومن معه من عمومته سيردون هذه الإهانة علينا فيكون مصيرنا ما لا نتمناه، سيما ونحن قلة في منطقة غريبة. وصرت أفكر في حيرة كيف سنخوض معركتنا الوشيكة غير المتكافئة! لكن ما إن انتهى الملا من عبارته تلك حتى ضج الجمع بالضحك وأُخرس الرجل، و.. انتهت الأمور بسلام!

كان أسلوبه الساخر طبعاً فيه، كثيراً ما يلجأ إليه في الجد وفي المزح كذلك، ويجيده تمام الإجادة. ومن عباراته الساخرة التي يرددها قوله: (أول من يدخل النار إبليس لعنه الله ثم السيد ثم الحنفيش ثم الدرويش وآخرهم الكاولي يضرب في مؤخرتهم بالطبل يزفهم إلى جهنم). فإذا قيل له: وما الحنفيش؟ قال: هو (الگَــيِّم) أي السادن. ولم تسميه بالحنفيش؟ ألم تروا إلى السافل كيف (يحنفش) على المرأة يفتش صدرها وجوانبها بحجة أنه يبحث عن المال المنذور؟! ثم يقول: هل لاحظتم كيف أن (الكاولي) أخف جرماً من السيد وبقية تلك الزفة المشركة! [الكاولي مفرد كاولية وهم صنف من الغجر يتكسبون بالطرب ترقص نساؤهم وتغني وتعرض أجسادها للمستأجرين].

في آخر حياته أوقف عدة أيام في مخفر للشرطة في اليوسفية، فصار يدعو شرطة المخفر إلى العقيدة السليمة والصلاة، فلما رأى ضعف التزامهم ورقة تدينهم قال: يا هؤلاء لقد قسمت أصحاب النار من قبل إلى خمسة أقسام، ولو كنت عايشتكم قبل ذلك لجعلت الشرطي سادسهم. وسرد عليهم (روايته) فضحكوا وتغيرت معاملتهم له. وصاروا يخرجونه من بين الموقوفين إلى حجرة أخرى يصلي فيها، ويواجه الزائرين. كنت أيامها مشغولاً بالدراسة في الصف الأول من الكلية ولم أره حتى توفي رحمه الله.

تفكيره القيادي وعلو همته

وإن أعجب من شيء فأعجب من تفكيره القيادي الفطري. لم يدخل مدرسة، فالمدارس نادرة في ثلاثينيات القرن الماضي خصوصاً في الريف، وإنما تعلم قراءة القرآن على يد من يعرف بـ(الملا)، ولا يزيد الملا عن تعليم الطالب قراءة كلمات القرآن الكريم بطريقة التهجئة المعروفة آنذاك بـ(التزبير). واللفظ مأخوذ من كلمة (الزَّبرة) وهي علامة الفتح التي توضع فوق الحرف، والعلامتان الأخريان هما: (البَيشة) [بإمالة الباء المفتوحة] ومعناها الضمة، و(الزَّيـرة) [بإمالة الزاي المفتوحة] وتعني الكسرة. فيتعلمون – مثلاً – قراءة وتهجئة (الحمد لله رب العالمين) – كما روتها لي والدتي– هكذا: ألِفْ لامْ زَبَرْ ألـ، حَ مِيمْ زَبَرْ حَمْـ: ألْحَمْ، دالْ بَيشْ دو: ألحَمْدُ. لامْ لامْ زَيرْ لِلـْ: ألحمدُ لِلْـ، لام الِفْ لا لِلّا، هـَ زَيرْ هـِ للهِ: الحمدُ للهِ… وهكذا.

وكان من همته أنه ذهب إلى بغداد طالباً للعلم وهو في الثلاثينيات من عمره، لكن أحداً ممن التقاهم لم يشجعه فلم يستمر طويلاً، سوى أنه تمكن من مرافقة الشيخ عبد العزيز البدري رحمه الله فترة من الزمن عندما كان خطيباً في جامع (عادلة خاتون) في حي العيواضية بباب المعظم، وقد كان خالي مؤذناً في المسجد. ثم استقال من الوظيفة وعاد إلى الريف.

كم رأيت من علماء دين وشيوخ مساجد يقضون أعمارهم ولا يفكر أحد منهم بتهيئة أحد يَخلفه في مسيرته، وإذا وجدت منهم من يمارس التدريس فإنما يؤديه بطريقة تقليدية رأى غيره ففعل مثلما فعل، أو يكون الدافع هو الراتب وأمور المعيشة، دون أن تكون في باله فكرة عما يريد ولا خطة ولا متابعة. وكان الخال – على بساطة علمه الشرعي – يسعى لزج ما يمكنه من شباب في المدارس الدينية، في زمن كان الناس أزهد ما يكونون في تلك المدارس بسبب ضعف الأمل بمستقبل الدارس وقلة راتب شيوخ الدين وأئمة المساجد ومنزلتهم الاجتماعية. وهذا ما جعله يعاني كثيراً في إقناع مجايليه، ومع ذلك لم ييأس فدفع ببضعة طلاب من أبناء أقاربه وأصدقائه إلى اختيار الدراسة الدينية، أحدهم أخي نوري. كان يومها في الصف الثاني المتوسط فنقله إلى مدرسة هيبت خاتون الدينية في المحمودية، رغم معارضة أحد أعمامي وقوله: ماذا يفعل ملا إبراهيم! إنه يعدم مستقبل هذا اليتيم.

لم يستمر في الدراسة من أولئك الطلاب أحد سوى ذلك (اليتيم)! منهم من هجر المدرسة كلياً، ومنهم من انتقل إلى فرع آخر فأكمل أحدهم ثانوية التجارة، وآخر اختار كلية الأمن القومي فتخرج ضابط أمن. أما نوري فثبت حتى تخرج من كلية الإمام الأعظم سنة 1977، وعين إماماً وخطيباً في جامع مشروع المسيب الكبير في الناحية المعروفة باسم (جْبلة). وبقي يمارس دوره حتى استشهاده في أول نيسان 1991. ولم يذهب تعب الخال وجهوده سدى فقد أثمرت فكان الشيخ نوري من تلك الثمار.

كان – رحمه الله – يرعاني ويشجعني. وقد يستصحبني إلى مجالس السمر الشتائية في القرية لأقرأ على الجالسين في كتاب (فتوح الشام) للواقدي. وقد قرأت حينها بيني وبين نفسي الجزء الأول منه، ولم أكن أعرف أين أجد الجزء الثاني المفقود لأقرأه. من هنا بدأت رحلة الحب الجارف والإعجاب البالغ بسيف الله المسلول خالد بن الوليد. ولم يكن يخالجني آنذاك شك في صحة بعض المواقف الأسطورية التي تروى عنه في ذلك الكتاب الذي هو أشبه بالكتاب القصصي أو الروائي منه بكتب التأريخ، بل كانت تزيدني حباً وإعجاباً، وأتلذذ بها غاية التلذذ وأنا أقرأها وأرويها لأصيحابي بشغف وشوق.

وكان يتخذ لتشجيعه أساليب متنوعة، فيقول أحياناً لبعض مجالسيه: ما شاء الله! طه شخص ذو ذكاء وعلم. وكنت أدرك أن هذا تشجيع منه، ولكنه قائم على أساس. ولما عرضتُ عليه في ذلك العمر بعض قصائدي شجعني وقال لي أريد قصيدة تهز بها الجماهير تقول فيها: “يا شباب الإسلام”! قالها لي وكأني أنظر إليه الآن وقد رفع يمينه وكوّر كفه وحركها مرات وهو يضغط على مخارج الحروف بنبرة قوية تشد العزم وتبعث الحياة في النفس، وكرر العبارة عدة مرات.

رزق بثماني بنات الواحدة تلو الأُخرى، ولكنه – على غير عادة الناس – كان يُظهر السرور كلما بشر بواحدة ويقول: الحمد لله هذه هدية من الله يشكر عليها، وقد سمى إحداهن (هدية). حتى رزق بولده الأول محمد. كم كان خالي إبراهيم يتمنى أن يكون محمد عالم دين وخطيباً في جموع المسلمين. كان عمره سنتين حين كان يصفُّ صناديق الطماطة الفارغة بعضها فوق بعض، ويرفعه فوقها وقد لف المنِشفة حول رأسه على شكل عمامة قائلاً له: هيا شيخ محمد، اخطب فينا. ثم يلتفت إلى الحاضرين قائلاً: “إن شاء الله يوم تشوفون محمد خطيباً يهز المنابر”. ثم يرزق من بعد محمد بخمسة بنين، لم يصدق ظن أبيه منهم سوى آخر العنقود يحيى! الذي استمر في دراسته حتى تخرج من كلية الشريعة وصار خطيباً.

لقد علمني النظر في مواقع القدر أن من حاول شيئاً وسعى إليه وألح قلما يخيّب الله ظنه فيه، ولكن ليس شرطاً أن يكون في حياته، ولا بالطريقة التي يريدها أو يراها.

لقد أراد إبراهيم محمداً وأراد الله يحيى. ولم يكن ذلك في حياته، إنما بعد مماته بحوالي عشر سنين. ليس هذا هو المهم، المهم أن الله تعالى حقق دعوة إبراهيم وأمنيته، ولو بعد حين. فحق للشيخ يحيى أن يقول: (أنا دعوة أبي إبراهيم)!

29 نيسان 2014

 

التخطي إلى شريط الأدوات