هل من نعمان آخر يصحو من ذلِّ التبعية؟!

 

الحقوقي:معاوية الميلب

عند قراءتي لمقال الشيخ “عبد الغني شيت الموصلي” الذي جاء بعنوان: هرقل وكسرى ترجمة للشخصية الجمعية لأمتيهما في التاريخ الغابر والواقع الماثل وقد حلل فيها الشخصية الجمعية للروم والفرس مستثمرًا طريقة تعامل هرقل وكسرى مع رسالة النبي العربي محمد – صلى الله عليه وسلم -.
تجوَّلت في كلماته وتنظيراته ونماذجه حتى رسوت على عبارة ختم فيها الشيخ مقاله مستفهمًا : فهل من نُعمان آخر يصحو من ذلِّ التبعية؟!

عند هذه العبارة انبثقت فكرة مقالة أُخرى تستضيء بها، لقد قلتُ: لم تنتهِ المقالة يا شيخ بما حوت وخُتمت!

أنَّ عمق معاني المقال، وطريقة ربط الحاضر بالماضي، وإنزاله على الجغرافية السياسية حفَّزاني للشروع بكتابة مقال جديد يأخذ عنوانًا خُتمت به مقالة الشيخ: فهل من نعمان آخر يصحو من ذلِّ التبعية؟!

من هو نعمان؟!

إنه النعمان بن المنذر ذلك الملك العربي الذي كان مواليلاً وتابعاً للفرس فترة من الزمن تحت قيادة الملك الفارسي خسرو “برويز”، وكان سبب مقتله ومعركة ذي قار رفضه الخضوع لملك الفرس بمصاهرته وتسليم نساء العرب إليه.

لمحة تاريخية
الموضوع الذي نحن بصدده لا يمكن الغوص فيه بموضوعية من غير التطرق إلى جذوره الضاربة في عمق التاريخ.
حَكَمَت قبيلة “المناذرة” بلاد الرافدين واتخذت “الحيرة” عاصمة لها، وامتد حكمهم إلى تخوم الشام وصولاً إلى عُمان في الجنوب، وكانت بلاد المناذرة على مذهب كنيسة المشرق التي تعادي المسيحية الأرثوذكسيّة.

وهذا ما دفع المناذرة للتحالف مع الفرس “الإمبراطورية الساسانية” التي كانت تسيطر على ما يعرف بإيران الآن.
قام الفرس باستخدام المناذرة في السيطرة على بعض المنطقة العربية، وكذلك في حروبهم ضد الروم!
وفي المقابل فإن “الغساسنة” وهي أيضا قبيلة عربية قد سكنت بلاد الشام قبل مجيء الإسلام، واتخذت مدينة “بُصرى الشام” عاصمةً لها، تحالفت مع امبراطورية الروم “البيزنطيين” التي كانت تسيطر آنذاك على منطقة الشرق الأوسط والتي استعملتهم في حروبها ضد الفُرس، وهذه القبيلة العربية قد اعتنقت “الأرثوذكسية” دين حليفهم الأعظم، وقد بقوا على دينهم إلى حين معركة اليرموك.
ونتيجة لتلك التبعية والتحالفات خاض المناذرة والغساسنة حروباً طويلة وداميةً ضد بعضهم البعض في سبيل خدمة القوى العظمى ومشاريعها الاستعماريّة في منطقتهم العربية.

الحقد الفارسي المتجدد

لا تزال تلك الجذور التاريخية حية في العقلية الإيرانية، وهي القناعة التامة بأن العراق جزء من الإمبراطورية الفارسية، وهذه القناعة جزء لا يتجزأ من العقلية الجمعية للنخبة الإيرانية، فالدولة الوحيدة التي لم تعترف بالعراق عند تأسيس دولته الحديثه “١٩٢١” هي إيران. وما إن جاء خميني في عام ١٩٧٩ حتى صرح وزير خارجيته “صادق قطب زادة”: بأنَّ العراق أحد الأقاليم التابعة لإيران، وطالب بضمه إليها، وفي نفس السياق صرح علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني الحالي “روحاني” في مارس ٢٠١٥: بأنَّ إيران أصبحت امبراطورية كما كانت سابقاً وعاصمتها بغداد، وكل منطقة الشرق الأوسط إيرانية.
ففكرة أنَّ أرض العراق فارسية، وأنها جزء من هضبة فارس هي من ثوابتهم، ومن أولى أولوياتهم ضم العراق خاصة، والمنطقة العربية بشكل عام إلى حدودهم الإدارية، أو على الأقل أن ينصبوا عميلاً لهم فيها.لهذا دائماً ما نراهم يصنعون لهم ذيولاً في مناطقنا، وينوِّعون في هذه الصناعة.
لقد حاول الإيرانيون جاهدين إحياء مشروع إعادة الإمبراطورية الفارسية، ولأجل ذلك دخلوا مع العراق في حرب الثمان سنوات، لكنهم خسروا المعركة متجرعين السُّم.

لكنَّ حقد الفرس تاريخي فقد عادوا مرة أخرى، وتمالئوا مع القوى العالمية التي يسمونها الشيطان الأكبرَ! وأدت هذه العملية إلى انهيار الدولة العراقية في مارس ٢٠٠٣م .
وقد بدأت إيران بالهيمنة على العراق منذ بدايات الغزو الأمريكي، حين أعطت أمريكا الضوء الأخضر لها للتغلغل داخل العراق، وعند ذلك بسطت إيران سيطرتها بواسطة عملائها ومليشياتها التابعة لها والتي تكن لها الولاء التام (النعمانيون الجدد) ومنهم عرب ولكنَّهم أذلُّ من النعمان العربي الأصيل الذي صحا بعد طول تبعية.

>>>>>>>>>>>> يتبـــع

 

20/6/2020

التخطي إلى شريط الأدوات