النص التوراتي والحضارة الفارسية المزعومة

 

أ. العنود الهلالي

 

يتحرى الآثاريون حياة الشعوب القديمة بدراسة مخلفاتها، فكل ما خلفه نشاط إنساني في مكان ما خلال حقبة زمنية ما هو أثر، يخضع لدراسة علم الآثار(Archaeology)  والذي يصنف كفرع من علم الأنثروبولوجيا أي: دراسة الجنس البشري وتراثه الفكري والمادي ..

ويختلف علم الآثار عن علم التاريخ من جهة أن المؤرخين يدرسون بصورة رئيسية مسيرة الشعوب استناداً إلى السجلات المكتوبة، بينما يتطلع علماء الآثار إلى معرفة الكيفية التي تطورت بها الحضارات وإلى معرفة المكان والزمان الذي حدث فيهما هذا التطور.

 

علاقة علم التاريخ بعلم الآثار

يعنى علم التاريخ بنشاط الإنسان السياسي والعلمي في الماضي ويعتمد المؤرخ على وسيلتين لتحصيل المعرفة عن هذا الماضي وهما: النقولات المدونة والأشياء المادية المتبقية  من العهود الماضية ، بينما يعنى علم الآثار بالأشياء المادية التي يُعثر عليها وصفاً وتحليلاً وتقديراً ثم يضعها بين يدي المؤرخ والمعني بالتاريخ ليستفيد منها في تدوين التاريخ أو تفسيره.

وإذا كان علم التاريخ يعتمد على علم الآثار في معارفه عن عصور ما قبل التاريخ كما يستمد منه المعلومات عن آثار العصور التاريخية أيضا وما يقدمه في هذا المجال من معلومات تاريخية وحضارية، فإن الكتابات التاريخية تعين الآثاريين كثيرا في معرفة الماضي.

 

لقد اهتم الباحثون الغربيون بهذا العلم الذي نشأ بصورته الحديثة خلال عصر النهضة الأوروبية أهتماما بالغا لأسباب عدة كان من أهمها اكتشافهم إمكانية استغلال هذا العلم كوسيلة لتحقيق الأحداث القديمة الواردة في التوراة وحيث أن الشرق الأدنى القديم هو المكان ذو العلاقة مع تلك الأحداث برزت أهميته لديهم كمسرح لمختلف الدراسات الأثرية.

لكن علم الآثار حينما توجّه إلى منطقة الشرق الأدنى تم تكبيله بالنص التوراتي “الذي صنع له خصوصية مغلقة وثابتة انتجت منه فرعاً آخر لعلم الآثار يدعى بعلم الآثار التوراتي، لا تلمسه أي مكتشفات من أي نوع كان، ولا تغير ثوابته أي خبرات جديدة مكتسبة، ولا أي تطورات حديثة في مجال علم الآثار”[1]. فوظيفة هذا الفرع من علم الآثار ليس التنقيب عن الآثار القديمة ومعرفة هويتها – فهويتها معروفة سلفا في النص التوراتي – بل لرفعها كمستندات تثبت الوجود التاريخي اليهودي في المنطقة.

 

مرجعية مغلوطة

يذكر مؤلف كتاب الحضارة الفينيقية ج. كونتنو أن أول من وضع الأسس التمهيدية لدراسة الحضارات القديمة هو صموئيل بوكارت الذي عاش ما بين 1599-1667حين وضع في كتابه “جغرافية الأحرام المقدسة” أراء صارت قواعد سار عليها الدارسون خلفه، وما يزال كثير منها قائماً إلى اليوم ومنها مثلا اعتباره أن الفصل العاشر من سفر التكوين ماهو إلا تبويب رباني حقيقي للشعوب، واعتبر أن اللغة العبرية هي اللغة الأم وبات يرجع كل شيء على هذا الأساس[2].

 

كيف قُرئت الألواح وصنع التاريخ

نقش ميشع مثالا:

مسلة ميشع أو حجر ميشع مسلة تاريخية كتبها الملك ميشع، ملك المملكة المؤابية التي ظهرت في وسط الأردن في القرن التاسع قبل الميلاد، وتعتبر من أقدم المسلات التاريخية في بلاد الشام، ويحفظ اليوم في متحف اللوفر بباريس، وهو “واحد من أكثر النقوش التي تعرضت للدرس والتمحيص وذلك لورود أسماء مثل إسرائيل وداود وآرائيل ويهوه في نصه ومتنه، وقد اعتبره الآثاريون الغربيون من الأدلة الكتابية على وجود إسرائيل في العصر الحديدي. وبالطبع فقد جرت قراءته على أساس عبراني بحت، وبإلهام توراتي أيضاً، والطريف أنه جرى قلب الكثير من الجمل والكلمات فيه ليستخلصوا منه الكلمات والإشارات . وهذه القراءة التوراتية العجائبية قدمت على أنها حقيقة مطلقة، مع أنها من حيث العلم تزوير فاضح”[3].

ومن خلال تتبع نتائج البحث الأثري لكثير من النقوش التي عثر عليها في المنطقة العربية واعتبرت أدلة على قصص التوراة سيتضح لنا أن صناع التاريخ قد عمدوا إلى إخضاع المكتشفات الأثرية في المشرق العربي للنص التوراتي، دون بذل الكثير من الجهد لمعرفة حقيقة هذه الآثار وتاريخها. وأنهم استخدموا هذا النص كمصدر (علمي) دقيق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه!!! لذا فقد جرى الاعتماد عليه في تفسير تاريخ الشرق الأدنى القديم؛ مصر وبلاد ما بين الرافدين وبلاد الشام بما في ذلك فلسطين، وعليه فلقد أعطى هذا التفسير دورا محوريا لبني إسرائيل والعبرانيين في الحضارات القديمة . ومن جانب آخر منح الفرس مكانة مرموقة في التاريخ بتلميع صورتهم التاريخية وتضخيم دورهم الحضاري في المنطقة، وهذا ما جعل أغلب الموسوعات التاريخية والمؤلفات الغربية التي تتحدث عن حضارة الشرق تقحم “الحضارة الفارسية” إقحاماً تعسفياً ضمن الحضارات التي قامت في الشرق رغم انعدام الأدلة والشواهد على هذا الزعم.

وقد يسأل سائل عن علاقة الفرس بالرواية التوراتية وما يفعله اليهود من السطو على تراث وحضارات شعوب المنطقة، وحق له أن يسأل فالنباهة والحرفية التي تصرف بها محررو التوراة أبعدت الأضواء عن المزور والسارق الحقيقي وحمّلت اليهود كامل المسؤولية عن هذا العبث التاريخي. 

التحالف اليهودي الفارسي

بعد أن كان يتمسرح حضور اليهود والفرس في الظل على هامش التاريخ حاول كهنة اليهود وقادة الفرس أن يقدموا أنفسهم على أن تاريخهم كان يتموضع في مركز التاريخ الإنساني.

فبدأ اليهود بتدوين التوراة في مرحلة السبي البابلي بأمر وتوجيه من الملك الفارسي (أرتحشستا) بعد ثمانية عقود من احتلال كورش للعراق ورغم أن هذه الحقيقة واضحة الدلائل والشواهد إلا أن الفكر السائد يسير بالضد من ذلك حين يتجاهل دور الفرس في كل ما جرى ويجري، ويحمل اليهود المسؤولية الكاملة بعيداً عن الفرس[4] .

لقد أدى النص التوراتي – الذي كُتب ببنان يهودي لكن بأمر وتوجيهٍ فارسي – الدور الأكبر في إنتاج ماضي الشرق خصوصا شرقنا العربي، ففسر تاريخه ولغاته وآثاره من خلال سياقات متخيلة مستمدة من المرويات التوراتية؛ ففي كل مرة يكتشف فيها آثار مدن عربية دارسة، سواء كانت في العراق أو سورية أو مصر أو شبه الجزيرة العربية كان الآثاريون التوراتيون يسارعون إلى نسبة لغات وفنون وعقائد هذه المدن إلى التوراة ومروياتها ولغتها. وبذلك ندرك لمَ تزخر المصادر التاريخية الغربية والموسوعات المتخصصة في حضارات الشرق القديم بمديح وثناء لا ينتهي عن “الحضارة الفارسية” المزعومة ودور الفرس الحضاري في المنطقة، فهم يروجون لهذه الحضارة – التي ليس لها آثار أصيلة ولا شواهد واقعية –  حتى تتوافق أبحاثهم ودراساتهم مع الرواية التوراتية التي كتبت بتوجيه فارسي.

 

2020/7/13

 

 

[1] مستشرقون في علم الآثار تأليف: محمد الأسعد

[2] الحضارة الفينيقية تأليف: ج.كونتنو ترجمة د.محمد عبدالهادي شعيرة

[3] الحلقة المفقودة والدين المختطف تأليف: محمد الفيصل

[4] صنّاع الأديان تأليف: د.طه حامد الدليمي

 

التخطي إلى شريط الأدوات