على شواطئ الأبد

 

د.طه حامد الدليمي

إلى الأحبةِ الثلاثةِ.. الذين اختاروا أن يستقلوا خِضَمَّ الموجِ في رِحلةِ الأبدِ، ويتركوا أحبابَهم على الشاطئ.. ليلةَ العيدِ  و.. بلا وداعْ!

ومضيتُ ..
أبحثُ في الشواطئِ عن ( فلاحْ )
يا فارساً عشقَ البطولةَ فانحنى
يهوي يناجي دُرَّها ..
يَبغي لفارسِها وشاحْ

عن ( أحمدٍ ) ..
ذاك الذي
عن كاهلَيهِ تحدّرتْ
أثقالُ قريتِنا

فألقاها سريعاً
وارتمى .. بين اللآلئِ .. واستراحْ

يا أيها الأسَدُ المدجَّجُ عادياً
قد مرَّ بينَ ديارِنا ..
يروي قضيتَه بأطرافِ الرماحْ

والبحرُ يردمُ موجُه غضباً
يطاولُ راسياتِ الأرضِ
لما قد رأى
حصنَ العروبةِ مستباحْ

ولربما ( نجمٌ ) على الأفقِ البعيدِ
تلألأتْ أنوارُهُ
فرَنا بِبسمتِهِ العريضةِ
نحوَ عاشقِهِ .. وَ لاحْ

يا أيها الركبُ المسافرُ مسرعاً !
مهلاً ..
فإن العيدَ قد غطَّى البِطاحْ

صُمنا جميعاً .. واقتسمنا الهمَّ في زمنِ الجراحْ
حتى إذا انجلتِ الليالي السودُ .. تُزجيها الرياحْ

أبحرتَ تختلسُ المدى !
عندَ الغروبِ
تُسابقُ الشفقَ المُدَمّى ..
نحوَ أضويةِ الصباحْ !
في عالمٍ مدَّ الخلودُ لهُ الجَناحْ

وهناكَ …
بينَ الرَّوحِ والريحانِ ..
والغيدِ المِلاحْ

رستِ السفينةُ .. في أمانٍ
واستوتْ
وانساحَ منها الركبُ
يلهو بين أرواحٍ و راحْأمِن الوفاءِ أحبتي ؟
تَدَعُونَ أحباباً لكمْ
قد شاركُوكمْ صومَكم ..
لِتَقاسموا الأفراحَ فيما بينكم
وتُعيِّدوا ..
وتَعُبّوا من نهرِ السعادةِ وحدَكم !

يا.. ويحكم !
أحبابُكم من بعدِكم عَبُّوا النُّواحْ

عَبّاً .. وخاضوا عُبابَهُ
وتقلَّبوا فوقَ المِدى( ١)
وتمرغوا بين المدامعِ والجراحْ !

أيوبُ .. نعمَ العبدُ !
لولا أنهُ قضَمَ الشِّفاهَ
تفجرتْ أوتارُه ألماً .. وصاحْ

يا ليلُ !
طالَ تَوجُّعي
ما حيلتي ؟
والموجُ سار بأخوتي ..
بأحبتي ..
بأعزتي
بالحاملينَ الهمَّ في دربِ الكفاحْ

يا موجُ !
ما أقساكَ حينَ ضَمَمْتَهُمْ !
ورسمتَ فوقَ جباهِهم
شبحَ المودِّعِ ليس يطمعُ بالرَّواحْ

يا ظالماً هتكَ البراءةَ والنَّدى(٢ )
هتَكَ المروءةَ والشجاعةَ .. واستباحْ

رفقاً بزَهوِ شبابِهمْ
وإذا اسْتللتَ من الورودِ رحيقَها
فَبِرقةٍ ..
يَكفيكَ أن الوردَ
مال بغُصنِهِ
وتناثرتْ أوراقُهُ
بين الحقولِ
وفي الدروبِ ..
بِلا جُناحْ

وتحدرتْ .. عَبْرَ المآقي دمعةٌ
وتصاعدتْ .. بين السحائبِ آهَةٌ
وترنمتْ قُمْريةٌ
فوق الصخورْ
فأخذتُ أنْشِجُ .. قد شَجاني لحنُها
وغفوتُ ..
لا أدري بِما حولي يدورْ

فرأيتُ أقماراً تلوحُ .. ثلاثةً
قد أقبلتْ تَهوي
يزاحمُ بعضُها بعضاً
ومن فرطِ السعادةِ .. والسرورْ

تعلو وتهبِطُ
والفضاءُ الرحبُ قهقَهَ ضاحكاً
جذلانَ
وانتشتِ الرياضُ
ورفرفتْ خُضرُ الطيورْ

واهتزتِ الأغصانُ ما بين الربى
وانسابتِ النسماتُ ترقصُ في حبورْ

عجباً أرى !
ماذا أرى ؟!
عجباً ! فهذا البدرُ مَنْ ؟!
(نجمٌ) ؟!
وهذا (أحمدٌ) ؟!
ضَحِكوا وقالوا : « ما ترى
انظر ! فثالثُنا .. (فَلاحْ) !

ما بالُكم ؟
تبكونَ مَن سَكنَ الجِنانَ !
وجاورَ الرحمنَ !
ما هذا الصياحْ ؟!

ما هذهِ الآهاتُ ؟
ما هذا البكاءُ .. وهذه الأوهامُ والسَّفَهُ البَواحْ ؟!

يا ليتَ أستارَ الغيوبِ تشققتْ
وأطلَّ منكم واحدٌ
ورأى جنانَ الخلدِ
كيف تفجرتْ .. وتحدرتْ أنهارُها !
وتفتقت أنوارُها

ورأى الغصونَ
وقد دنت أثمارُها

وتماوجت ألوانُها
والعطرُ فاحَ .. زهتْ بهِ أزهارُها
وتفتحت أكمامُها
والطائرُ الصدَّاحُ ينثُرُ لَحنَهُ
ويُوقِّعُ النغَماتِ ما بين الأقاحْ(٣)

والحورُ ..
تمرحُ في الرياضِ طليقةً
تَسبي عقولَ الناظرينَ
وما اشتهيتَ ..
فكلُّ ما يَخفى .. وما يبدو مُباحْ

تبّاً لدنياكمْ .. تموجُ مرارةً
والهمُّ فيها لا يطاقُ
وليس فيها مُستراحْ

اللهُ في عونِ المقيمِ بأرضِكم
كمْ ذا يُكابدُ ؟!
كم يُطيقُ من الهمومِ ؟!
وليس من أملٍ ،، وإن طال الزمانُ ،، بأن تُزاحْ

يا ليتَكم
( يا ليتَ قوميْ يعلمونَ )
بأننا في عالمٍ
كلُّ المرادِ به مُتاحْ !

فارجِعْ وخبِّرْ أهلَنا
أن الحياةَ حياةُ مَن لَبِسَ السلاحْ

وصاحَ : حيَّ على الجهادِ
حياةُ مَن لبََّى النداءَ يقولُ : حيَّ على الفلاحْ

حياةُ مَن زَكّى الحياةَ
حياةُ مَن صلّى وساحْ
ودَعِ الشواطئَ .. ليس فيها من فلاحْ
وإلى لقاءٍ في نعيمٍ دائمٍ
تحتَ الظلالِ ..
على الضفافِ الخضرِ عندَ (المنتهى)
وتحيةً منا إلى جمعِ الأحبةِ كلِّهمْ
والأهلِ حين تهللتْ قَسَماتُهمْ
والأمِّ لما هَلهَلتْ بدَلَ الصِّياحْ

ولْيَفرحوا
فالليلُ آذن بالصباحْ »

وصحوتُ ..
فارتفعوا يَغُذُّون الْسُرى
يتضاحكونْ

وبنشوةٍ قدسيةٍ .. وحرارةٍ ..
رفعوا الأكُفَّ .. يُلوِّحُونْ

والنورُ قد ملأَ السماءَ
وفيهِ صاروا يختفونْ

ورجعتُ من تلك الشواطئِ والهواجسِ والظنونْ
فرحانَ أستَبِقُ الخُطى
مُترنماً
أروي لأحبابي الحكايةَ
في سرورٍ
وانشراحْ

الأربعاء

2003/12/31

      حي الضباط / الرمادي

___________________________

[1]- المِدى والمُدى: جمع مُدْيةُ ومِدْية: وهي الشَّفْرة. [2]- الندى: الكرم. [3]- أقاح بفتح الهمزة، وأُقحُوان بضمها، واحدته أُقحوانة: نبت طيب الريح مُفَرَّضُ الورق دقيق العِيدان له نَور أَبيض كأَنه ثغر جارية حدَثةِ السن. ويسمى الأُقحُوانُ عند العرب بالقُرَّاصُ، وهو البابُونج والبابونك عند الفرس.
التخطي إلى شريط الأدوات