مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

الفرس .. فقر مدقع في فنون الأدب ؛؛ تُرى .. ما السبب ؟

د.طه حامد الدليمي 

في المقال السابق كان الحديث قد أخذ هذا العنوان (الفرس .. أمة بلا أدب). من الطبيعي إذن أن يكون الحديث اللاحق عن أسباب هذا الفقر.. الفأر في لغة بعض العرب!

من أهم الأسباب التي أدت إلى هذا الفقر المدقع في الأدب عامة والشعر خاصة:

  1. الفقر الذاتي الذي يعاني منه لسان الفرس من الأصل.
  2. الفرس أمة حرب وتخريب لا أمة استقرار وذوق وجمال.
  3. الأمية السائدة بحكم القانون الرسمي.
  4. تحريم الشعر في الديانة الزرادشتية. إذ كانت تعاليم ﺯﺭﺍﺩﺸﺕ تحرم الشعر وتعاقب على فعله؛ ﻷنها اعتبرت ﺍﻟﺸﻌﺭ ﻤﻥ ﺴﻔﺎﺴﻑ ﺍﻷﻤﻭﺭ.

ويعزو الأستاذ عبد الله الضحيك وغيره انعدام المؤلفات عند الفرس إلى ضعف اللغة الفهلوية بحيث تقف في موضع العاجز عن استيعاب العلوم بكافة أشكالها، وقال: وهذا ما يفسر انعدام المؤلفات، فضلاً عن أن تعلم الكتابة والقراءة كانت خاصة بأبناء طبقة العظماء.

وهذا (ضعف اللغة) ينسحب – بطبيعة الحال – على الشعر من باب أولى.

الملك الساساني بهرام جور

لعل الكثيرين لا يعلمون أن ﺒﻬﺭﺍﻡ جوﺭ بن الملك ﺍﻟﺴﺎﺴﺎﻨﻲ يزدجرد (437 ب.م) تربى في بلاط النعمان ملك الحيرة. وتأثراً بالأجواء العربية المحيطة به أخذ يقرض الشعر باللغة العربية، وقال بيتاً أو بيتين من الشعر باللغة الفارسية؛ فعاقبه رجال الدين المجوسي بأن حرموه الملك بعد هلاك أبيه، ولم يستعده إلا بالقوة مستعيناً بملك الحيرة العربي.

يعتبر مؤرخو الأدب الفارسي أن بهرام جور أول فارسي قال الشعر باللغة الفارسية. وقد قال بيتين فقط هما (اعتبرهما بعض المحققين بيتاً واحداً):

منم آن شير دمان     منم آن بيل يله

نام من بـهرام جــور     كـنيتــم بــو جــبله

ومعناهما: أنا ذلك الأسد الهادر، أنا ذلك الفيل الحر الطليق. اسمي بهرام جور، وكنيتي أبو جبلة.

يقول الدكتور عبد الوهاب عزام: إنا لا نعرف شيئاً عن الشعر الفارسي قبل الإسلام حتى ليظن أن الفرس لم يكن لهم منه حظ كبير، ولأمر ما نسب بعض كتاب الفرس أول شعر فارسي إلى بهرام جور، وقالوا: إنه أخذ الشعر من العرب إذ تربى في الحيرة. يذكر هذا محمد عوفي في لباب الألباب، وشمس قيس في كتاب المعجم. ويزيد الأخير أنه قرأ في بعض الكتب الفارسية أن علماء عصر بهرام لم يستهجنوا منه الا قول الشعر، وأن آذرباد بن زرادستان الحكيم بالغ في نصحه ليترك الشعر تنزها عن معايبه؛ ثم يقول أن بهرام انتصح ومنع أولاده وذوي قرباه أن يقرضوا الشعر. ثم يقول: من أجل هذا كانت مدائح باربد وأغانيه عند كسرى برويز كلها منثورة لا نظم فيها.

الطريف أن اسم (بهرام) عربي سرياني معناه النور([1]).

تفرد العرب على الأمم بالفن الحقيقي للشعر

ويستمر د. عزام قائلاً: ويقول ابن قتيبة: (وللعرب شعر لا يشركها أحد من الأمم الأعاجم فيه على الأوزان والأعاريض والقوافي والتشبيه ووصف الديار والآثار، والجبال والرمال والفلوات وسُرى الليل، والنجوم. وإنما كانت أشعار العجم وأغانيهم في مطلق من الكلام (منثور) ثم سمع بعد قوم منهم أشعار العرب وفهموا الوزن والعروض فتكلفوا مثل ذلك في الفارسية وشبهوه بالعربية). وأما في العصر الإسلامي فلا ريب أن الشعراء الذين يعرفهم تاريخ الأدب لا يتقدمون العصر الساماني (261-389). ولكن في كتب الأدب الفارسي روايات عن شعر قيل قبل هذا العهد، وهي على علاتها لا تخلو من دلالة على أدب فارسي أقدم مما نعرف عسى أن يبينه التاريخ يوماً.

ولمحمد عوفي في تعليل ظهور الشعر الفارسي الحديث كلمة هذه خلاصتها: (حتى إذا سطعت شمس الملة الحنيفية على بلاد العجم جاور ذوو الطباع اللطيفة من الفرس فضلاء العرب واقتبسوا من أنوارهم ووقفوا على أساليبهم واطلعوا على دقائق البحور والدوائر وتعلموا الوزن والقافية والردف والروي والإيطاء والإسناد والأركان والفواصل. ثم نسجوا على هذا المنوال).

ثم يروي أبياتاً أربعة لشاعر اسمه عباس مدح بها المأمون في مرو سنة 193هـ، وترجمتها: ما قال أحد قبلي شعراً كهذا وما كان للسان الفارسي عهد به، وإنما نظمت لك هذا المديح لتزدان هذه اللغة بمدحك والثناء عليك. فأعطاه المأمون ألف دينار عيناً، وبالغ في إكرامه. يستمر عوفي فيقول: (ولم ينظم الشعر الفارسي أحد بعده حتى كانت نوبة آل طاهر وآل الليث فظهر شعراء قليلون، فلما كانت دولة السامانيين ارتفع علم البلاغة، وظهر كبار الشعراء). ويروي شمس قيس: أن أول من قال الشعر الفارسي أبو حفص السغدي من سغد سمرقند وكان حاذقاً في الموسيقى، وقد ذكره أبو نصر الفارابي وصور آلاته الموسيقية وقد عاش حتى سنة 300هــ([2]).

هذه هي الحقيقة.

لكن الفرس – جرياً على عادتهم في تضخيم تركتهم وتراثهم وكل شيء لديهم، مع التصغير من شأن ما لدى غيرهم – يفتخرون بأن لهم من مآثر الأدب كتباً أهمها (الأفستا والشاهنامة وكليلة ودمنة). وهذا يحوجنا إلى أن نقف قليلاً أو كثيراً لنرى حقيقة هذه (المآثر).

أعدكم بإذن الله.

6 كانون الأول (12) 2020

_________________________

[1]- تاريخ سوريا الحضاري القديم (1- المركز)، ص670. مصدر سابق.

[2]- الصلات بين العرب والفرس وآدابهما في الجاهلية والإسلام، ص53-54، د. عبد الوهاب عزام، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2013. ومحمد عوفي فارسي من أقدم مؤرخي الشعر الفارسي (ت 639هـ/1242م). وشمس قيس هو شمس الدين محمد بن قيس الرازي (ت بعد 628هـ/1231م)، وكتابه هو (المعجم في معايير أشعار العجم). وكلام د. عزام قديم وجدته على شبكة المعلومات منشوراً في مجلة الرسالة/ العدد 5/ في الأدب الشرقي بتاريخ: 15/3/1933.

اظهر المزيد

‫6 تعليقات

  1. الطرق على رؤوس الفرس في كل زوايا الحقد والغش والخديعة والفقر الذي جناه على الناس بمعول الفكر الناجح، سيهدم صروحهم الخبيثة

  2. لله در الجاحظ حين كان يرد ويعترض على احاديث الفرس التي يمجدون بها تراثهم البائد فقال عنهم (انهم اصحاب نفج وتزيد ولا سيما في كل شيء مما يدخل في باب العصبية ويزيد أقدار الاكاسرة )

  3. سبب العقد التي يحملوها
    أصبحوا فقراءعلم وأدب وحضارة
    جزاك الله خيراً شيخنا الفاضل
    لما تقوم به من بحوث في تعريت
    الفرس وحضارتهم المزعومة بين
    الأمم.

  4. فعلاً.. الصدمة ان الفرس ليس لديهم نصيب من القلم والقرطاس والعلم الا ما اقتبسوه او سرقوه من العرب.

  5. جزاك الله خيرا//د.طه حامد الدليمي
    الفرس يجتثون كل شيء في الحياة يبني الانسان من علم واخلاق وحضارة وفن وأدب وشعر وقلم وأمن وأمان ما نراه اليوم من الحكم الشيعي في العراق من دمار شامل نفس الاسلوب والسكة التي سار عليها المجوس برداء واحد ونفسية معقدة واحدة وعقيدة واحدة هولاء الأحفاد على اولائك الأجداد لافرق بينهما .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: