مقالاتمقالات الدكتور طه الدليمي

حكاية عضروط يزعم أن علماء الأمصار في القرن الأول جلهم عجم

د. طه حامد الدليمي

C:\Users\DR\Desktop\عض.jpg غفر الله للأخ الأستاذ يوسف العلاونة؛ فقد أتعبني إذ أورد في محاضرته الأخيرة خبر أزعومة منتشرة في أوساطنا عن لقاء بين محمد بن شهاب الزهري والخليفة عبد الملك بن مروان، وهو يسأله عن علماء الأمصار وأصولهم فإذا الكل أعاجم سوى واحد، ويختم الأزعومة بقول الزهري رداً على استغراب الخليفة مما يسمع: “يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، من حفظه، ساد، ومن ضيعه سقط”!

أما أنا فمثل هذه الحكايات الصبيانية لا شك لدي في وضعها من قبل الشعوبيين.. متنها يدل على كذبها؛ فلا يعنيني سندها. لكن حتى يقتنع قومنا بما نقول ولا يظنوا فينا أننا نفعل ذلك دون مستند علمي، لا بد من تكملة المشوار أو  البحث لاستخلاص الحقيقة من بين أنياب أولئك الكلاب. وهذا يحتاج إلى تقلب بين الرواة في كتب الرجال أو الجرح والتعديل. وهو أمر معنت؛ فغفر الله للأخ العلاونة ما تسبب لي فيه من تعب ونصب. كما أدعو له بالأجر؛ فقد دفعني للبحث لآتيكم بهذه الخلاصة النافعة([1]).

الخبر

روى الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث) قال: أخبرنا أبو علي الحافظ قال: أخبرنا أبو عبد الرحمن محمد بن عبد الله البيروتي قال: ثنا محمد بن أحمد بن مطر بن العلاء قال: حدثني محمد بن يوسف بن بشير القرشي قال: حدثني الوليد بن محمد الموقري قال: سمعت محمد بن مسلم بن شهاب الزهري يقول: قدمت على عبد الملك بن مروان، فقال لي: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة، قال: فمن خلفت يسود أهلها؟ قال: قلت: عطاء بن أبي رباح، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم، قال: قلت: بالديانة والرواية. قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا.

فمن يسود أهل اليمن؟ قال: قلت: طاوس بن كيسان، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي، قال: وبم سادهم، قال: قلت: بما سادهم به عطاء، قال: إنه لينبغي.

فمن يسود أهل مصر؟ قال: قلت: يزيد بن أبي حبيب، قال: فمن العرب أم من الموالي، قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل الشام؟ قال: قلت: مكحول، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي عبد نوبي أعتقته امرأة من هذيل. قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قال: قلت: ميمون بن مهران، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قال: قلت: الضحاك بن مزاحم، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي.

قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من الموالي. قال: ويلك، فمن يسود أهل الكوفة؟ قال: قلت: إبراهيم النخعي، قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قال: قلت: من العرب. قال: ويلك يا زهري، فرجت عني، والله ليسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر، والعرب تحتها. قال: قلت: يا أمير المؤمنين، إنما هو أمر الله ودينه، من حفظه، ساد، ومن ضيعه سقط([2]).

سقوط الخبر وصاحبه

هذا الخبر الشعوبي ساقط من عدة وجوه، منها: صياغته التي يظهر لكل متأمل أثر الصناعة فيها، فهي من وضع من أراد أن يوحي للقارئ سبق الموالي وتخلف العرب في العلم والدين. وذلك مخالف للواقع التاريخي، وما عليك من المزاعم التي صنعها الموالي ودسوها في الكتب، وتبعهم عليها ذيول منا يهرفون بما لا يعرفون. والخبر فيه ما يلزم منه أن العرب ضيعوا أمر الله ودينه فسقطوا، وحفظه الموالي فسادوا. فمتى كان هذا؟! لاسيما في ذلك الوقت المبكر والعرب مازالوا في قرنهم الأول!

والخبر من وضع من لا يعرف تاريخ الرجال وفي أي عهد عاشوا؟ ومن أدركوا وعاصروا من العلماء. قال الذهبي (سير أعلام النبلاء:5/86): والحكاية منكرة، والوليد بن محمد واهٍ… وأيضاً ففيها: من يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب، وهو من الموالي. فيزيد: كان ذاك الوقت شاباً لا يعرف بعد. والضحاك فلا يدري الزهري من هو في العالم، وكذا مكحول يصغر عن ذاك.

ويبدو أن الرجل استغرقه ذكر الأمصار مصراً بعد مصر حتى إذا وصل الشام لم ينتبه أن أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان من أهل الشام، فكيف يجهل من يسودها حتى يسأل عنه؟!

وقال محقق (تهذيب الكمال) د. بشار معروف في حاشية (تهذيب الكمال:20/81-82): جاء في حواشي النسخ تعقيب للمصنف (أي المزي) على صاحب الكمال (أي الحافظ عبد الغني المقدسي) نصه: “في ذكر يزيد بن بي حبيب هنا نظر، فإنه لم يكن له ذكر في هذا التاريخ مع إبراهيم النخعي وغيره”. قال بشار: وهذا يدل على أن هذه الحكاية ملفقة. وأضاف: هذه الحكايات من وضع الشعوبية أعداء الاسلام يدسون السم بالدسم، وراويها الوليد بن محمد الموقري مولى لبني أمية متروك، كذبه يحيى بن معين وغيره وضاع، وأمره بيِّن في الضعفاء.

والخبر ساقط (تهذيب التهذيب لابن حجر:11/149-150): في سندده الوليد بن محمد الموقري: وهو من الموالي. أجمع العلماء على ضعفه، وصرح كثير منهم بأنه كذاب متروك. فإليه تتوجه التهمة بوضع الخبر. مولى عنصري حاقد ينصر قومه.

والخبر لم أجده رواه أحد قبل الحاكم، وعنه أخذه من جاء بعده.

والحاكم: مولى فارسي شيعي شعوبي يقول بوصية النبي بالإمامة لعلي ، يطعن في بعض الصحابة صراحة، وبعضهم طعناً مبطناً، وكتابه (المستدرك) شاهد على ذلك، كما أنه يشهد على تشيعه، وقد ملأه بأحاديث شيعية غالية يزعم أنها على شرط الشيخين. وقد كسر السنة الكرامية منبره بسبب ذلك، وحصروه في بيته ومنعوه من الخروج([3]).

أملي في القارئ أن يتخذ من هذا الخبر مقياساً لإسقاط كل الأخبار المشابهة بمجرد النظر في المتن، ولا يتعب نفسه – كما أتعبتها – بالبحث عن الأسانيد؛ فكلها ساقطة، والاستقراء الذي جرى على يدي منذ قربة عشرين عاماً يثبت ذلك. وشكراً جزيلاً للأستاذ العلاونة.

20 كانون الأول (12) 2020

…………………………………………………………………………………………………………

  1. – وجدت على شبكة المعلومات بحثاً مُوقَّعاً باسم عبد الله زقيل بعنوان: هل تصح قصة الحوار بين عبد الملك والزهري؟ اختصر عليّ كثيراً من الجهد؛ جزاه الله خيراً.
  2. – معرفة علوم الحديث، ص198-199، أبو عبد الله الحاكم، تحقيق السيد معظم حسين، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الثانية، 1397هـ/1977م.
  3. – يقول الذهبي (ميزان الاعتدال:3/608): إمام صدوق، لكنه يصحح في مستدركه أحاديث ساقطة، ويكثر من ذلك، فما أدري هل خفيت عليه؛ فما هو ممن يجهل ذلك. وإن علم فهذه خيانة عظيمة، ثم هو شيعي مشهور بذلك من غير تعرض للشيخين. وقد قال ابن طاهر: سألت أبا إسماعيل عبد الله الأنصاري عن الحاكم أبي عبد الله، فقال: إمام في الحديث رافضي خبيث. قلت: الله يحب الإنصاف، ما الرجل برافضي، بل شيعي فقط. ومن شقاشقه قوله: إن علياً وصي. فأما صدقه في نفسه ومعرفته بهذا الشأن فأمر مجمع عليه.

 

اظهر المزيد

‫9 تعليقات

  1. جزاك الله عنا خير الجزاء
    على هذه الأمور التي دست في كتبنا ومناهجنا من قبل حمراء الكوفة !!
    بحيث أصبحت ثقافتنا نحن سنة العراق ثقافة شعوبية من حيث لا ندري
    ربي يفتح علينا وعليكم ويسدد خطاكم
    تحياتنا لكم دكتور

  2. حين نتأمل مثل هذه الحكايات المنثورة في تراثنا يتبادر إلى العقل سؤال .. لمَ كل هذا التسقيط للعرب في هذه الحكايات!
    هل يعقل أن السلف كانوا يقللون من شأن انفسهم .. اذن كيف سادت الحضارة العربية قرون عدة !!!
    وهذا يدل على أنها ليست إلا تخاريف موضوعة متهالكة لا تصمد أمام وعي القارئ!

  3. بارك الله سعيكم وجعلها في ميزان حسناتكم.
    إستطاع الفرس واشياعهم إختراق الأمن الفكري والتراث العلمي للعرب من خلال ثقوب العقليات المتخلفة وعيا وجمودا…
    ماشجعهم لاكثار القصص والحكايات المغلفة بعنوان المواعظ والروايات لتعطى قدسية التلقي وسلامة التوثيق وقبول الحكاية..
    وبمرور الزمن مررت تلك الاقاصيص وصارت للأمة تراثا ونسخت الكتب بأقلام الموالي الفرس ومسخت الهوية العربية وصار المعترض عليها خارج على الأمة الإسلامية.
    ولم لا وحراس الأمة تركوا الضباع وجرذان الضياع وغربان الخراب يسرقون تراث الأمة ويعبثون ويزيفون كيفما يحلوا لهم..

  4. جهد مبارك دكتور، صحيح اننا لسنا ضليعين بالحديث وعلومه؛ الّا اننا اصبحنا بفضل الله تعالى، وما تكتب من مقالات ناقدة لعلوم الحديث، نتحسس الحديث فضلاً عن الخبر التاريخي، ونميزه من خلال نفسه وشكله ولونه.

  5. الف تحية وشكر لك يا دكتور طه الدليمي على هذا الجهد المبارك في هدم التماثيل الصنمية التي صنعها الفرس في عقلية المجتمع السني لا سيما العلماء منهم. على شكل روايات او قصص…. الخ.
    ..
    حقيقة التجديد في بناء الجدار السني، والبناء المناعي للعقلية السنية تحتاج الى تخصصات متنوعة على كل الاصعدة .
    التجديد الفكري، والتجديد التاريخي، والتجديد التشخيصي، والتجديد الوصفي للحالات والاسماء والمسميات… وتجديد الأدب…. الخ
    انت حفظك الله قد اجتمعت فيك كل هذه التخصصات وجمعت بينها حيث شخصت هذه القصة وتناولتها من جميع الابواب حتى وصفك في العنوان ( حكاية عضروط) اضحكتني هذه التسمية الوصفية الدقيقة…
    قد صدع خطباء المنابر رؤوسنا بهذا العضروط وأمثاله .

  6. جزاك الله خير الجزاء فعلا الشعوبية تعمل ليل نهار لتشويه حضارتنا وتراثنا منذ القدم حتى صارت اكاذيبهم حقيقةنتداولها بيننا بينما نحن في غيبوبة

  7. لا يعقل أن هذه الثقافة الاعجمية تمد الى أصل العرب في زمن الصحابة وتاريخهم المشرف وهم خيرُ أمةٍ اخرجت للناس ، كيف يتقدم عليهم الأعجمي الفارسي بالحكم العادل وقيادة الدولة بين الرعية وهم أعداء الإسلام ، مع الأسف أن هذه الروايات مرت على علماء الحديث عن طريق موالي الفرس وتداولها بينهم حتى وصلت إلينا فغيرة ثقافتنا العربية فحولتها إلى ثقافة أعجمية،
    والحمد الله أن هذه المقالات هي توعية للفكر السني على أساس صحيح متماسك نحو الهدف الصائب يميز حقيقة الشعوبية ومدى تأثيرها علينا نحن أهل السنة في داخل مجتمعنا وجزاكم الله خيرا شيخنا الفاضل

  8. جزا ك الله خيراً وبارك فيك على هذا الجهد المتواصل
    في كشف دسائس الموالى وتحريفهم الدقيق!!
    باحاديث ورايات مزوره طاعنة بالعرب ورموز الإسلام
    وكل هذا سببه التقديس الاعمى دون علم او دراية بمن يروي ويكتب.

  9. جزا الله خيراً الأستاذ يوسف العلاونة
    في قوله الحق ونصرة القضية السنية
    والدين..في زمن المتخاذلين اعداء العرب
    والإسلام والمسلمين.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: