قصة الأفستا .. القرآن المزعوم للمجوسية

د.طه حامد الدليمي

كل شيء لدى الفرس يحمل بصمة شخصية  معبأة بالشك، مطبوعة على الكذب، مجبولة على الانتحال والتحوير والتزوير.

كل شيء لديهم مزعوم ليس لديهم عليه من أثر موثق ولا دليل محقَّق. حتى دينهم! وأوله الكتاب الذي تقوم عليه مجوسيتهم.. أعني (الأفستا).

ينسب الفرس كتاب الأفستا (الأوستا، الأبستا، أو الأبستاق) إلى نبيهم زرادشت. فدعوني قبل الحديث عن الكتاب أقدم بضعة سطور عن صاحب الكتاب.

لقد اختلف المؤرخون كثيراً في زرادشت: هل ولد مثل هذا فعلاً؟ أم هو شخصية أسطورية؟ ما تاريخ مولده؟ في أي الأصقاع ولد أو عاش؟ ويرجع الطبري وابن الأثير ولادته إلى فلسطين، ومنها هاجر إلى أذربيجان. ومع هذا وهذا لا تجد أثراً مادياً يثبت وجود زرادشت سوى الدعوى.

 

الأفستا بين الأسطورة والحقيقة

يتجه بعض الباحثين – كما يقول د. أحمد أمين سليم – إلى الاعتقاد بأن الموجود بين أيدينا من الأوستا القديمة هو ما يعادل ربعها فقط، والباقي مفقود([1]).

لكن المؤرخ الإيراني ناصر بوربيرار ينفي وجود أي أثر مادي أو دليل يثبت وجود زرادشت أو كتاب (الأفستا) المنسوب إليه، فيقول: (لا يوجد في هذه النقوش ذكر لـ(زرادشت) وكتابه (الأفيستا)… إن هؤلاء الذين يدعون وجود أديان أو حكمة في إيران القديمة أو أي شيء ثقافي أو حضاري قبل نشوء الإسلام لم يقدموا أية وثيقة ولا أية نقوش صخرية ولا حتى سكة نقدية. ومن دون هذه الوثائق يتحول الكلام في هذا المجال إلى أساطير نتقبلها كأساطير لا أكثر([2]).

 

الأفستا .. الشكل والمضمون

بيدَ أن المهم في الأمر ليس مجرد وجود الكتاب، ومدى ثبوت صحة نسبته إلى كاتبه، وإنما لا بد من النظر إلى قيمته من حيث الشكل والمضمون.

الفرس نتيجة فقرهم وشعورهم بالنقص الحضاري يضخمون ما عندهم ويصغرون ما عند غيرهم، هذا إن لم يسرقوه أو يخربوه إن عجزوا عن الاستيلاء عليه. ومن شواهد ما أقول كتاب (الأفستا) المنسوب إلى زرادشت.

إليكم قصة كتاب الأفستا وكيف تعرف عليه الغرب بادئ الأمر، منقولة من كتاب (الأدب الفارسي القديم) للألماني ﭘـاول هورن، وفيها نتعرف قيمة هذا الكتاب من الناحية الأدبية: فكرة وأسلوباً:

ارتحل أحد العلماء الفرنسيين واسمه (دو بيرون          Du perron) إلى مدينة سرات في الهند، وهي المركز الأهم للبارسيين المعروفين بعبدة النار، وعاد من هناك سنة 1760 بكتاب الأفستا. في سنة 1771 أخرج ترجمة للكتاب بلغته الفرنسية في ثلاثة مجلدات. وفي ألمانيا ترجم الكتاب إلى اللغة الألمانية بعد صدوره بوقت يسير وعكف على دراسته علماء اللاهوت.

لكن الأمر في إنجلترا كان مختلفاً جداً؛ إذ قابل علماء إنجلترا الكتاب بالسخرية والتهكم الشديد!

كان أشدهم في ذلك المستشرق الإنجليزي السير وليام جونس، حتى إنه بعث إلى مترجمه برسالة يقول فيها: “إن زرادشت لم يكن يكتب مثل هذا الهراء، وإن ما جئت به هو من تدليس بارسي زرادشتي معاصر. وإلا فنحن أمام احتمالين: إما أن يكون زرادشت تجرد من الحكمة والصواب، أو أنه لم يكتب قط ذلك الكتاب الذي نسبته إليه. وأنهى رسالته بأن قال: لقد أهنت ذوق القارئ، أو إنك خدعته بتقديم كتاب مزيف. وأياً ما كان فأنت جدير بالتحقير”.

فالسير وليام جونس يصف ما في الكتاب، الذي جاء به الفرنسي دو بيرون، بالهراء! ومؤلفه بأنه مجرد من الحكمة ومن الصواب. وبأن أسلوبه يهبط بذوق القارئ ويهينه؛ ولذا فإن ما يجده أمامه لا يعدو أحد أمرين: إما أن يكون زرادشت لا يستحق الاحترام، أو أن الكتاب مزيف عليه.

واحتدم الجدل حول الكتاب في حياة دو بيرون، واستمر ستين سنة بعد موته. حتى ذهب أحد المستشرقين الدانمركيين إلى الهند وجمع مخطوطات الكتاب الأصلية من هناك. وتبين بالدليل القاطع أن الكتاب الذي جلبه دو بيرون من الهند، هو نفسه الموجود في تلك المخطوطات، وأن دوبيرون كان أميناً في نقله([3]).

هذا هو كتاب الأفستا المنسوب إلى زرادشت!

وهذه هي قيمته من الناحيتين: التاريخية والأدبية!

باختصار.. كتاب لا يُعرف من كتبه على وجه التحديد. ولا يرقى إلى مستوى الفن والأدب الرفيع.

27 كانون الثاني (1) 2021

_____________________

[1]-  إيران منذ أقدم العصور حتى أواسط الألف الثالث قبل الميلاد، ص67، د. أحمد أمين سليم، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1408هـ – 1988م.

[2]- في لقاء مرئي على الرابط: https://www.youtube.com/watch?v=_CrACAIJRG0

[3]- الأدب الفارسي القديم، الهامش ص96-97، الألماني باول هورن، ترجمة وتقديم وتعليق د. حسين مجيب المصري، الطبعة الأولى 2005. وفي الهامش نفسه أحال المعلق ما كتبه إلى المصدر التالي:

Field : Persian Literature. pp. 1-4 (London)

التخطي إلى شريط الأدوات