اضطهاد الأئمة بين الشيعة وأهل السنة

د. طه حامد الدليمي

كان أحد الشيعة يتحدث في مجلس عن كرامات لجذع نخلة في الحلة، وكيف أن الشفلات وآلات القطع والقلع عجزت عن اجتثاثه أو قطعه لإزاحته عن طريق الناس؛ فاضطروا إلى تركه على حاله وأزاحوا الطريق بدلاً عنه! فقال له صديق لي: هل لك أن تدلني على ذلك الجذع لأستأجر شَفَلاً (آلة قلع) ولورياً (سيارة حمل) وأنا أتعهد لك بقلعه من جذوره. هيا توكل على الله ولننطلق من هذه اللحظة! يقول صديقي: فالتفت إلي صاحب الكرامات مبهوتاً. ثم دقق النظر في وجهي ليقول بعد قليل وهو يمد بوزه إليّ باشمئزاز: ألا تخبروني ما هو سر عداوتكم لأهل البيت؟!

ويضحك صديقي قائلاً: لا أدري ما العلاقة بين جذع نخلة وبين (أهل البيت)!

تعاني الشخصية الشيعية على الدوام من شعور عميق بأنه مضطهد من قبل مجتمعه وحكومته. ويتميز هذا الشعور بما يلي:

1. لا علاقة له بالوضع السياسي والاجتماعي؛ فالشيعي لا يرى نفسه إلا مضطهداً مهما كان في واقعه الشخصي والجمعي حراً مرفهاً. بل لا تزيده الحرية والعدالة السياسية والرفاهية المادية إلا نقمة وسعياً للخلاص من وضعه (البائس) في نظره!

2. أن هذا الشعور عبارة عن عقدة جمعية، لا يمكن علاجها بالطرق التقليدية.

3. أن هذه العقدة ناتجة عن العقدة التي هي أساس جميع العقد التي تجتاح الشخصية الشيعية وهي عقدة (الشعور بالنقص)؛ التي تعمل ذاتياً، كما تعمل (الداينمو أو الشاحن الذاتي للمركبة)، في تغذية هذه العقدة وبقية المنظومة العقدوية دونما حاجة إلى تغذية خارجية. ولهذا تجد الشيعي كائناً منفصلاً عن واقعه. انظر – مثلاً – إلى لاجئي مخيم (رفحا) من شيعة العراق بعد انتفاضتهم الخائبة سنة 1991/1412.. كيف عاملتهم المملكة العربية السعودية معاملة تفوق التصور في العدل والرحمة، وصلت حد الدلال. ثم تجد معظمهم وقد غادروا المخيم إلى أوربا وغيرها يولولون زاعمين أن المملكة كانت تضطهدهم وتظلمهم!

إن هذا يفسر غرام الشيعي بمجالس النياحة وحلقات اللطم والبكاء تحت ذريعة مظلمة (أهل البيت) دون كلل ولا ملل مهما تكرر الحديث أو كان أسطوريا أو خارجا عن الذوق والمنطق! بل يتفاعل معه فيبكي ويُعول ويلطم خده ويخمش صدره ويشدخ (يطبر) رأسه ويجلد ظهره، ويؤذى جسده بأنواع الأذى!

هكذا يصبح الحديث عن الحسين و(مقتله)، و(مصيبة أهل البيت) بسبب هذه العقدة كأنه حديث عن النفس ومصائبها. إنه (مظلوم) كما (ظلم الحسين)، و(مضطهد) كما (اضطهد). ويتحول الحسين إلى رمز لـ(المظلومين) و(المضطهدين) و(الرفحاويين).

اضطهـاد ( الأئمة )

هكذا لا بد أن يكون (الأئمة) كلهم مضطهدين، وإلا فقد الشيعي رمزه الذي يغذي حاجته العقدوية إلى النياحة بكل طقوسها. فالشيعي مصاب بعقيدة راسخة أن (أئمته) عاشوا مضطهدين، وماتوا جميعا ميتة ليست طبيعية ما بين مسموم ومقتول ومخنوق وهارب من وجه العدالة مختف في الكهوف والسراديب! مع أن الحقيقة الواقعة والسيرة الذاتية على العكس من ذلك ذلك!

عاش علي حياته وزيراً ومات خليفة وأميراً. وكذلك الحسن . ولطالما ذهب هو والحسين إلى دمشق معززين مكرمين ورجعا إلى المدينة بالهدايا والهبات. أما ان الحسين قتل فقد قتل بسبب خروجه على خليفة المسلمين في معركة سعى إليها بنفسه. وتلك نهاية طبيعية لكل خارج لم يُعِدَّ للأمر عدته، مهما علت منزلته. وليس هو بأفضل من طلحة والزبير. خارج نطاق الاضطهاد. وأما السبي فأسطورة مختلقة. وليس بين المسلمين سبي إنما ذلك للكافرين.

وعاش علي بن الحسين في المدينة بحرية تامة وكان أحد فقهائها الذين يتحلق حولهم طلبة العلم دون تضييق. وكذلك كان ابنه محمد وحفيده جعفر الذي لقبه الخليفة أبو جعفر المنصور بـ(الصادق) – كما يزعمون في الأخبار – حين وشي به إليه فاستقدمه فأنكر فقال له: أنت (الصادق) وهم الكاذبون. ثم أكرمه وردّه معززاً مكرماً.

قد يحدث أحيانا أن يرسل الخليفة رجل أمن يتابع من تحوم حوله شبهة ما، وتكتب عنه التقارير ليحقق معه ثم يفرج عنه بعد أن تثبت براءته، أو يأخذ العهد عليه بعدم الخروج وإثارة الفتنة. وقد تكون التقارير مزورة أو مضخمة أو صحيحة. كما حصل لموسى بن جعفر وقد كاد له البرامكة منذ زمن المهدي والد الرشيد فلم يفلحوا، وأكثروا من الوشاية به حتى إنهم استطاعوا أن يستعملوا ابن أخيه محمد بن إسماعيل – حسب رواية الأصفهاني – في التجسس عليه فكتب عنه تقريراً مفصلاً مُفاده أن لموسى أتباعاً يكاتبهم ويكاتبونه ويجبون إليه الأموال من الآفاق فاعتقله الرشيد تحوطاً، وأوصى به إلى الفضل بن يحيى البرمكي وأوصاه بالإحسان إليه لكنه استغل غياب الرشيد وسفره إلى الشام فدس إليه الفارسي السندي بن شاهك فاغتاله([1]). وليس في الأمر اضطهاد مقصود. وما حدث لموسى يحدث لغيره كثيراً.

هذا هو الاستثناء الوحيد وهذه ملابساته!

وأما البقية فلم يحدث لهم ما يسوءُهم أو ينغص عليهم رغد عيشهم. لقد كان علي بن موسى وأحفاده من بعده على وفاق تام مع البيت العباسي الحاكم. أسند إليه المأمون ولاية العهد، وزوجه ابنته، وعاش معه عيشه الوزراء حتى مات بقدر الله على فراشه. ومع ذلك قال المعقدون: لقد مات مسموماً بعنقود عنب قدمه إليه المأمون! وتزوج ابنه محمد ابنة المأمون الأخرى فهو صهر الخليفة! هل هناك أنعم وأهدأ بالاً من صهر الخليفة؟! فأين هو الاضطهاد ! قوم يعيشون في قصور الخلفاء وينكحون بناتهم ويتقلبون في نعمتهم ظهرا لبطن، وبطنا لظهر قياما وقعودا وعلى جنوبهم!

اللهم (اضطهاداً) كهذا (الاضطهاد)!

واستمرت العلاقة حسنة بين البيتين حتى مات الحسن العسكري الذي عاش في سامراء مترفا تحوطه الجواري، وتطوف عليه السراري وتجبى إليه الأموال في احسن حال وأنعم بال وأوفر نوال. ولما كان الحسن عقيما فلم يخلف عقبا وورثه أمه وأخوه اخترع له المعقدون ولداً وللولد اسماً وقصة! تقول العصفورة: إن (محمد) بن الحسن الطفل الصغير اختفى في سرداب في سامراء خوفا على نفسه من الخليفة!

ولا بد لك من أن تصدق أن الخليفة قد خاف طفلا فهو يسعى في طلبه وقتله. بينما هو يترك أباه الرجل القوي الغني الرمز يسرح ويمرح لم يتعرض له بسوء قط! وإلا فإنك من (أعداء أهل البيت وظالميهم).

مقارنة مع الأئمة الأربعة

لو أجرينا مقارنة سريعة بين (الأئمة الأحد عشر) والأئمة الأربعة لوجدنا الفارق بينهما كبيرا من حيث التعرض للأذى والمضايقات، أو ما يمكن ان نطلق عليه اسم (الاضطهاد).

لقد تعرض الأئمة الأربعة لمضايقات ومتابعات وحبس بعضهم وضرب واختفى وضربت عليه الإقامة الجبرية. كل ذلك لأسباب موضوعية لا علاقة لها بالاضطهاد.

فالإمام أبو حنيفة قيل – وكل ما يُذكره عنه وعن غيره أقوال – حبس مرات. والإمام مالك ضرب حتى قيل: سقطت أو خلعت يداه! والإمام الشافعي جيء به مكبلاً من اليمن إلى بغداد. وأما الإمام ابن حنبل فمحنته أشهر من أن تذكر! وكذلك شيخ الإسلام ابن تيمية طورد وشرد ونفي وأوذي وسجن مرات حتى مات أخيراً في السجن!

فإذا كان الشيعة و(أئمتهم) مضطهدين، فماذا نقول نحن؟!

20 شباط (2) 2021

…………………………………………………………………………….

  1. () مقاتل الطالبين ، ص232-ص236 ، أبو فرج الأصفهاني.

 

التخطي إلى شريط الأدوات