نيسان: أنا ربيعك يا عمان

                                                     أ. رجاء العزام

                          منظومة الفقيه القائد/ التيَّار السُّني في العراق

 

إنه عصر يوم تلا يوماً مزدحماً بالمشاكل… ليس غير القهوة بعد خمسة وعشرين دقيقة أغفيت فيها.

تقتحم روائح الربيع نافذة البيت، إنَّه نيسان.

ناديت من إعماق لا أجد لها قراراً: نيسانُ… يا نيسانُ…

تتبَّعت ما جرى فيك فكان أجلَّ شيءٍ أنَّك – في يوم ما – جمعت ربيعين: ربيعًا أنت هو تتكرر فيه وهو ذاتك وشخصيتك الجميلة البهيجة الجامعة بين ما وخضرة ووجه حسن، وربيعًا آخر هو ربيع الكون الذي جمعته مع ربيعك بمولد خير مولود من عدنان.

فما الذي جرى فيك ولك؟!!

أما إنك كنت تأتينا بزهور البابونج تهديه للأرض لتتزيَّن به ببياض وصفرة تسر الناظرين، وبياسمين وفُلٍّ يبعث شذاه ليدخل ضيفًا خفيفاً مريحاً يملأ القلوب بشاشة فتتفاءل.

وأنت الذي تصبغ الأرض خضرة تبعث فيها السَّلام؟

ما الذ جرى فيك ولك؟!

لم ينسك الأدباء يا دير العاشقين.

لا ولا الشعراء بقولهم:

جــاء الـربيع وحـرّك الـغْصْنا
أيــن الـربـيع وأيــن مــا كُـنّا
عُودي، فقد عاد الربيع، وقد
عــاد الـحـمامُ وقــد تـعاتبْنا!
عـودي فـقد عـاد الـربيعُ لنا
هـمـسُ الـربيع وغـمّزهُ عـنّا
أنــفــاسُـه مـــنــا ورقّــتــهُ
مــنــا وجَــــرّ ذُيــولـه مــنّـا

* * *

تـدعوكِ خـلف الـسهل رابيةٌ
كــانـت لـنـا ولـحـبّنا مـغـنى
ذكـرتْ شـبابيْنا فـما نـسيتْ
قــدمـاً ولا صــوتـاً بــهـا رنّـــا
خضراء، من لين الربيع، ومن
مـرح الـنسيم حَـوَتْ أباً وابنا
أشــجـارُهـا غُـــرفٌ مـهـيـأةٌ
بـالشمسِ أو بـغمامةٍ تُـبْنى
جـعلتْ لـنا فـي كلِّ منعطفٍ
حـضْـناً وكــلِّ مُـظلّلٍ حـضْنا

* * *

يـا درْبَ نـفْح الـطيب: وجهتُنا
أرضُ الـكـناريّ الــذي غـنّـى
يا غصْن يا مُضْنى بلا سبب:
ملْ حوْلَنا يا غصْنُ يا مُضْنى!
يـا نـرجِساً نـعْسانَ مـن ولهٍ:
قـمْ مـن فـراش الـغُنْجِ غازلْنا
يـا عـشبُ يا نقْشَ الوهادِ ويا
لُـج الـمروج وبـحْرَها الأدنـى:
جـئْـنا بـركْـبِ الـحـبِّ هـرولـةً
 فــي دارك الـخـضراءِ أَنـزلْنا!

نيسان ينهض.. يرفع قبَّعته من بين أحراش ربيعه: يا أيُّها المكلوم، تذكِّرني بإيام تولَّت، وعليها دارت الأيام.

هل بقي غير أنْ ترى أشباحًا بلا أرواح، وحسناوات غير ملاح؟!

يا أيُّها هذا الشاكي: أتعذلني، وأنا الذي رأى الحمام صبابتي فبكاني.

أتظنني غير فطنٍ ولا أعلم أين تريد أن تصل!

ما كنت لأرضى أن تُستباح بغداد ولا تنزل دمعتها ولا أن تبكي كما بكيت من قبل..

لكنَّها الهَبوب الشَّرقية التي أبت إلا أن تُغبِّر نيساني.

أنا الذي كانت وجنتي تحمرُّ مع كل وردة تتفتَّح في أم الربيعين، أنا الذي كانت عطور قداحي تنبعثُ من أرض البرتقال…

أنا الذي كنت أتراقص مع الحملان المتراقصة تحت أُمهاتها وقد خرجت للتو من بطونها.

أتعذلني وأنا الذي أبحث عن نفسي فلا أجدها!

…..

سألته: سكتَّ!!

أجاب: هبني لحظة.. أها تذكَّرت، أما قرأت بيت أبي الطيب:

لا تـعذل الـمشتاق في أشواقه
حتى يكون حشاك في أحشائه

يختم فيذهلني: هل تعلم؟

لقد دفع الله عني مظلمة أخرى يوم دفع فتنة عن الأردن ما لو حدثت لابيضَّت عيناي من الحزن على عمَّان.

لكنني أبشرك بالذي هو كلَّ يوم في شأن، لن أقف، ستتداول الأيام وسأعود وأعاود كل سنة، ولعل الله يستعملني فأكون لك مضيفاً في طهران وأحمل معكم القضية ونجهر بالهوية سوياً.

ومـن صـحب الـدنيا طـويلا تقلَّبت … على عينه حتى يرى صدقها كذباً

2021/4/6

 

التخطي إلى شريط الأدوات