من لطائف القدر .. كلمات في ذكرى الميلاد

د.طه حامد الدليمي

 

ولدت يوم الجمعة 27 شوال 1379هـ. الموافق لمثل هذا اليوم أي 22 نيسان من عام 1960م. رأيت أن أجعل من هذه المناسبة حديثاً عن والدي، مركزاً على إحدى لطائف القدر بيني وبينه رحمه الله.

كان والدي رجلاً كغيره من الناس، نال من الدنيا ونالت منه. نموذج للعراقي الريفي الذي سكن المدينة وبقي دم البداوة يسري في شرايينه. لديه قيمة واحدة تختصر كل القيم الأُخرى في حياته هي الشجاعة. سأكتفي بهذا وأدخل في الموضوع دون مزيد مقدمات.

من لطائف القدر

صدق من قال: (ولله في خلقه شؤون)!

ودعته عند اضطراري للهجرة من بلدي منتصف 2005 إلى الشام. التقيته خفياً من عيون القوى الأمنية عند أقارب لنا في مدينة (الدورة) ببغداد. وجرى بيننا ما جرى مما أرجو ذخره عند الله تعالى. ومرت شهور وأنا في غمرة الأحداث والتنقل والاضطراب، لم يتهيأ لي الاتصال به. كان ذلك صعباً آنذاك؛ الهواتف الجوالة لم تكن مألوفة عند الكثيرين؛ إذ لم يعرفها العراقيون إلا بعد الاحتلال. وتغطية البث محدودة خصوصاً في الريف حيث سكن والدي فراراً من غدر الشيعة لعلاقته بي. لقد قتلوا أخي حيدر لكونه أخي. كان هذا هو ذنبه الوحيد! ومع اشتداد عمليات المقاومة كان الأمريكان كثيراً ما يقطعون الشبكة لدواع عسكرية.

وفجأة..!

تطرق هاتفي رسالة. هزتني من الأعماق!.. إنا لله وإنا إليه راجعون؛ أحد أصدقائي يعزيني بوفاة والدي!

صدمت؛ لم أكن أتوقع موته بهذه السرعة!

وجلست ألوم نفسي.. كيف مات وأنا على هذه الحال لم أقض لبانتي من بره كما ينبغي! كيف تماهلت فلم أبذل جهدي لأهاتفه خلال بضعة الشهور التي فاتت؟ مؤكد لو حاولت لتمكنت من الاتصال به ولو مرة واحدة.

النتيجة.. هذا ما حدث فما الذي بقي في يدي لأفعله؟ لا شيء! لا شيء؟ لا حول ولا قوة إلا بالله.

للحزن في الغربة طعم لا يعرف مذاقه سوى الغرباء

وتملكني شعور بالحزن لا أعلم كيف أصفه!

المشاعر في الغربة – إذ يعيش المرء وحيداً – لها طعم آخر لا يعرف مذاقه سوى الغرباء. باهت.. ثقيل.. سمج. لا، ليس في قاموسي كلمة أو عبارة أستطيع بها وصف مذاقه بدقة، بل ولا من بعيد. تخيل نفسك تضحك، أو تبكي، وحدك! تأكل وحدك، تتنزه وحدك. لكل ذلك طعم أو مذاق آخر، غير الطعم الذي تجده حين يكون معك من يشاركك الشعور نفسه: حزناً كان أم فرحاً. هل

وصلت الفكرة؟

طيب دعني أريك شيئاً كتبته يوماً عن هذه الحالة التي صارت في ديار الغربة رفيقاً لا يبارحني في حل ولا ترحال: (ثقيل على النفس أن لا يجد المرء من يشاركه مشاعر فرحه. وأثقل منه حين يجد نفسه وحيداً يجتر آلام الحزن بلا شريك؛ الحزن وحيداً مصيبة مضاعفة). وقلت يوماً لاثنين من أقاربي قدما إلي زائرين من العراق: أريد أن أراكم ولكن في وطني. وصغتها شعراً يوم أن قضت أختي (أم أحمد) نحبها رحمها الله بانفجار بعد ذلك بخمس سنوات فقلت:

الحزنُ في الأوطانِ

حزنٌ واحدٌ

والحزنُ في المدنِ البعيدةْ

متعدِّدٌ ..

متفرِّدٌ ..

كالسمِّ .. كالطاعونِ

كالمذبوحِ يستجدي وريدَهْ

وحديثُهُ ..

صعبٌ على النفسِ الغريبةِ

دونَ صحبٍ أن تُعيدَهْ

وطنٌ بلا صحبٍ

كصحبٍ دونَما وطنٍ

ولا ذكرى سعيدةْ

وأنا ..

بلا صحْبٍ .. ولا وطنٍ

سوى ذكرى

بها عبثاً أُحاولُ أن أُعيدَهْ

لم أخبر الأهل. طعم الحزن وقف حائلاً بيني وبين ذلك. لكن لا بد من عمل شيء!

قمت فتوضأت وصليت ركعات أهديتها له. لم يشف ذلك ما أجد، بل ولا عشر معشاره؛ الأمر أعظم! لقد ماتت والدتي رحمها الله تعالى راضية عني. كانت آخر كلمة دعت بها لي وسمعتها منها وهي مغمضة العينين تصارع غيبوبة المرض الذي أودى بحياتها بعد يومين من ذلك: “الله يساعدك وْلَيدي”. فهل مات أبي راضياً عني؟

بعد ساعة زارني صديق. رحبت به وأديت واجب الضيافة دون أن أخبره؛ إنه الطعم الباهت الممض الثقيل يجعل الخبر لا معنى له!

وطرقت الباب رسالة ثانية ..!

حتى إذا سقطت الشمس نحو المغيب طرقت الباب رسالة أُخرى.

ما هذا؟ أحق ما أرى!

اعتذار من صاحب الرسالة الأُولى أن رسالته وصلتني خطأً؛ لم أكن أنا المقصود بالتعزية، إنما ذلك صديق آخر توفي والده!

وكان فرح لا يوصف! فرحت رغم الغربة وطعومها الغريبة.. نعم فرحت!

قلت لنفسي: “ها أنت في الأمنية فافعل”.

وفعلت لله الحمد. وكانت علاقة تجدد فيها كل شيء بيني وبين أبي. وزارني عدة مرات، كان آخرها في صيف 2007 قبيل مقتله بثلاثة أشهر. فانظروا إلى تدابير القدر الرحيم! كان الله يعلم أنه لن يعيش طويلاً، فأراد أن تكون الخاتمة أجمل ما تكون؛ فكان ذلك الجرس بتلك الصلصلة القدرية الحبيبة، التي اعادت إلى قلبي  طمأنينة لا تشترى بمال الدنيا! وانظروا كيف ختم الله تعالى له حياته بعد قرابة سنتين بأن قتل مظلوماً. ومن قتل مظلوماً فقد باء قاتله بإثمه وإثمه.

لا، لم يقتل على يد الشيعة؛ الشيعة أخذوا مني أخوين وأحد أعمامي. ماذا يطلبون مني أكثر! وكان أبي يتحوط منهم.. يلبس – إذا خرج من بيته – عدة محابس في أصابعه، ويشد خرقة خضراء على رسغه.. ويحمل هوية (نقابة الأشراف)؛ فالحلابسة حسب التحقيقات التي جرت على عهد الرئيس صدام رحمه الله، ينتمون إلى الحسين بن علي رضي الله عنهما. فذهب هو وأخي إلى النقابة واستخرجا لكل واحد منهما هوية كانا يزهوان بها! أما أنا فرفضت؛ عندي من الزهو ما يكفي القبيلة كلها!

لقد قتل أبي على يد القاعدة! قتلته الهوية.. هوية (الأشراف) التي كان يتدرع بها من الموت فكانت أحد أسبابه!

22 نيسان 2021

 

 

 

 

 

 

 

التخطي إلى شريط الأدوات