المرأة .. بعيون السماء

د.طه حامد الدليمي 

الواقعية تعني الشمولية.

وحين يخرج المرء من محيط الواقع لن يحلق في السماء. كلا! من قال لك ذلك؟ بل سينعزل داخل جمجمته فتكون المحدودية بدل الشمولية. دع الواقع يسأل ويتحدى أولاً لتجيب وتستجيب بعد ذلك. هذا هو التسلسل الطبيعي للتعامل مع الحياة فكراً وتطبيقاً. وهكذا نزلت كلمات السماء لتسدد كلماتنا وخطواتنا على الأرض.

كان القرآن العظيم واقعياً؛ فكان شمولياً في نظرته إلى المرأة.

وأول شموليته أنه ذكر المرأة في الحالتين: حالة الإيجاب وحالة السلب. ومن السلب ما بدر من الصالحات مما لا ينبغي أن يكون. وهذا مبدأ تربوي عظيم غفلت عنه منابر الوعظ، ومنصات التعليم جميعاً حتى لتكاد تقتصر على جانب الإيجاب فقط. وهو خروج عن الخط المستقيم للمنهج الرباني العظيم في التربية. خذ مثلاً قوله تعالى: (وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ…) (التحريم:الآيات:3-5).

ومن ذلك أنه يذكر الحالة السلبية الجزئية للمرأة الصالحة ثم يتبعها بذكر نوعين من المثال: السلبي محذراً من الاقتداء بأهله، والإيجابي مرغباً بالاقتداء عكس الأول. فكان المثل الأول في سورة (التحريم:10): امرأة نوح وامرأة لوط. وأما المثل الثاني (التحريم:12،11): فكان امرأة فرعون ومريم ابنة عمران.

وحين يكون المثل المضروب للاقتداء امرأة رجل كافر موغل في الكفر حد ادعاء الألوهية، ومع ذلك فقد أعطت امرأته أروع الأمثلة في الثبات على الحق وهي تقاوم طغيانه وتخالفه – مع أنها في بيته وفي سطوة ملكه وقبضة حكمه – في اتباع نبي لا هو زوج لها، ولا صاحبها موافق له، بل هو أعدى أعدائه!! ثم أرأيت كيف التجأت إلى الله، وماذا قالت وهي تناجيه بهذه الكلمات التي تتأجج من أعماق قلب قرر الثبات على الحق أمام طوفان الطغيان حتى النهاية: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (التحريم:11)! فكيف إذن ينبغي أن يكون عليه ثبات والتزام امرأة في متابعة نبي هو زوجها، وهي في بيته!

أرأيت كيف يكون المثل والمثل المضاد! وهذا مثال واضح على أن القرآن العظيم هو كتاب هدى، لا كتاب علم فقط. فلم يطرح الفكرة كمعلومة مجردة دون أن يحوطها بكل المؤثرات، ويحيطها بكل المحفزات الدافعة للعمل.

ومن شمولية القرآن القائمة على الواقعية أنه تتبع المرأة والمرأة المسلمة في أحوالها جميعاً: في البيت وخارجه، ظالمةً ومظلومة، سائلة ومجادلة، ناقمة وصابرة، ضعيفة وقوية، وصاحبة حق: مادياً كان أم معنوياً يجب أن يؤدى، كما أن عليها أن تؤدي الحق الذي عليها… وهكذا مما لا يمكن الوقوف عنده أكثر مما فعلت. ومن طلب المزيد – أو طلبت – فالقرآن ليس منه ببعيد.

ومن شمولية القرآن وواقعيته أنه قام بتغطية الأدوار التي يمكن للمرأة أن تؤديها في المجتمع، وعرض المرأة في صورها المتعددة التي هي عليها في الواقع؛ فلم يقتصر على  دور واحد أو أدوار مجتزأة ليُغفل بقية الأدوار.

ستجد المرأة في موضع ملكة لكن بدرجة قائد، تسوس شؤون المملكة بحنكة وبصيرة وتؤدة. وتجدها ثانية عابدة متبتلة. وثالثةً في صورة عاملة تخرج من بيتها لتُسند الرجل في طلب الرزق حين يعجز عن أداء المهمة. ورابعة وقد اتُّهِمتْ في أعز ما تملكه المرأة فيأبى الله جلاله إلا أن ينزل في حقها آيات تبرئها؛ تجليةً لمنزلتها وإعلاء لشأنها وجبراً لخاطرها، وتنبيهاً على وجوب إنزال الناس منازلهم. وإكراماً للنساء في شخصها، وأن المرأة تستحق هذا الإكرام الجليل من ذلك الرب الجليل… وهكذا.

وخذ هذين المثالين ختاماً لكلمتي، والأمثلة كثيرة:

حُسن الأداء في تنفيذ المَهمة

تعلمنا آيات القرآن وآيات الأكوان أن الله تعالى يهيئ الأجواء المناسبة لتنفيذ العمل مثل الشتاء لزراعة القمح والصيف لنضوج التمر. ثم ينظر إلى عبده كيف يعمل؟ في هذه المرحلة يكون البدء من العبد. فإذا بادر أدركته إعانة الرب، مسلماً كان أم كافراً، لكن إعانة المسلم فيها بركة وعناية تفتقر إليها إعانة غيره. وإذا تأخر تركه وشأنه. أما أن الله يتولى عن العبد فيقوم له بعمله فهذا ليس من شأن السيد؛ فكيف بالسيد الأعلى جل جلاله!

في هذا الإطار الحكيم نفهم – مثلاً – قوله تعالى: (وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7). ولك أن تتابع بقية الآيات هناك لترى كيف تجلت السياسة الحكيمة في امرأة من خلال تنفيذ ذلك الإلهام الرباني وتجسيده على أرض الواقع، وتنفيذ الدور المنوط بها واستثمار الفرص التي يهيئها القدر لها أتم استثمار: (وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) (القصص:11)… إلى آخر ما جاء مختصراً من بيانات الحدث في هذا الموضع، ليترك للقارئ تصور ما يلزمها من تفاصيل.

على عين ماء في ( مدين )

على عين ماء في (مدين)، وقد هرب موسى عليه السلام من قبضة فرعون، وجد امرأتين تذودان أغنامهما في ناحية عن الرعاة. استشف بحسه وأدرك بذكائه أن هذا الصنيع يعني أنهما من عائلة تشبهه، وأن وراءهما قصة؛ فاندفع إليهما يستطلع جَلِية الأمر (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ * فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ) (القصص:23-25). إن تاج الحياء على رأس المرأة لا يمنعها من العمل بشرف عند الحاجة: (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ). وإن العمل وحسن الأداء فيه لا ينبغي أن يكون على حساب قيمة الحياء.. ذلك هو الجمال يطل من هالة الهيبة وسلطان الجلال.

وتأمل كيف تلطفت (إحداهما) فاقتنصت فرصتها بالاقتران بالرجل الذي أعجبها فقالت: (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) (القصص:26). فجمعت بين الحياء وبين عرض الرغبة، فلم يمنعها حياؤها من بيان ما أرادت، ولم تخرجها رغبتها إلى التخلي عن حيائها. ولا يستبعد في المقابل أن يكون هذا هو ما عناه سيدنا موسى عليه السلام بقوله حين (سَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) فكانت الاستجابة مباشرة: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي)! هي جاءته ولم يذهب هو إليها.

وهنا يأتي دور ذكاء الأب في التقاط الإشارة ليعين ابنته على الاحتفاظ بذلك التوازن الجميل بين الحياء ومكنونات نفسها المشروعة، وتشجيعها على البوح بما في ذات نفسها من ذلك، كما فعل العبد الصالح إذ أدرك بذكائه اللماح ما رمت إليه ابنته فعرض الأمر على ضيفه قائلاً: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (القصص:27). وربما لهذا السبب جاء اللفظ الذي استعمله القرآن في عرض الزواج من قبل الأب (تأجرني)، مشابها للفظ الذي استعملته ابنته في اقتراحها العمل (استأجره).

وتجلى في امرأة موسى عليه السلام دور السند المتمم لدور الرجل؛ فالحياة لا تقوم على القائد المتفرد فحسب. وهذا الدور أساسي لا ثانوي في كل عمل. ومعظم الرجال العظماء المؤثرين في المجتمع لم يكونوا  قادة متفردين بل كانوا أعواناً ساندين. ومن هنا يبدأ سلّم القيادة. فإن لم تكن قائداً فكن سنداً للقائد. وإن لم تكن مبدعاً فكن ناقلاً للإبداع.

هكذا وزع الله تعالى الطاقات والقابليات على عباده: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ) (الزخرف:32).

على أن امرأة موسى كانت من طراز المبادر. والمبادرة سمة قيادية، تمنح صاحبها الفرصة للبناء عليها من أجل تطوير الذات وتنمية الصفات وتهيئة الأدوات.

 

2021/6/18

التخطي إلى شريط الأدوات