حضر الكشواني .. وغاب الملاح

د. طه حامد الدليمي

للأسف أقول: إن العالم، بمن فيهم العرب، متخلفون عن إدراك المكر الفارسي خمسين سنة إلى الوراء!

وذلك لأنهم يجهلون التكوينة العقلية والتركيبة النفسية للفارسي. وحين تجهل المنطلقات الفكرية لخصمك ودوافعه النفسية الخفية، فلا تعجب إن تخلفت عنه بسنة ضوئية بحساب الكارثة التي حاقت – وما تزال تحيق – بالعرب منذ زوال الدولة الأموية. ولا تزعل ولا تغضب في وجه من ينبهك إلى تخلفك. بل يجب عليك أن تشكره، ولو مد يده بالسوط على ظهرك ليقيم عليك حد التخلف! ألم يقل عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (رحم الله امرءاً أهدى إلي عيوبي)؟

يقول الخبير الأستاذ محمود بن عبد الله الملاح: الشيعة في العقلية سواء، لا فرق بين الكشواني والكاشاني!

والملاح لغوي وأديب وشاعر وإعلامي وعالم دين نال الإجازة العلمية في الشريعة من الشيخ عبد الله النعمة. ولد في الموصل سنة 1891 وتوفي ببغداد في 1969. بعد أن عاش حياة حافلة بالنضال منافحاً عن السنة وكاشفاً ألاعيب الشيعة في محاولاتهم الحثيثة لاختراق الجمهور السني تحت ستار (التقريب بين المذاهب). ورابط ببغداد ينصر السنة وأهلها بفكر جديد وأسلوب لا نعرفه بين كل العلماء والدعاة في ذلك الزمان، ولا أبالغ إن قلت: وهذا الزمان. الغريب أن الرجل رغم علمه ونشاطه وحضوره المستمر في بعض الصحف آنذاك مثل صحيفة (السجل) وصحيفة (الفتح)، وكثرة مؤلفاته لا يكاد يذكره أحد! وأرى أن نفرة هؤلاء المتخلفين منه وتنفيرهم الناس عنه هو السر وراء غمطه حقه وتغييب اسمه عن الذاكرة الجمعية لجمهور السنة.

لنأت إلى تفكيك عبارة الأستاذ الملاح رحمه الله: (الشيعة في العقلية سواء، لا فرق بين الكشواني والكاشاني!

الكشواني لقب يطلق على حارس الأحذية والمداسات عند أبواب المزارات.

أما الكاشاني السيد فهو أبو القاسم الكاشاني (ت:1962)، مرجع شيعي، ولد بمدينة الري جنوبي طهران. وقصد النجف للدراسة ثم استقر فيها. وقد حصل علی درجة الاجتهاد من السيد أبو الحسن الموسوي الأصفهاني. ثم غادر إلى إيران بعد فشل ثورة العشرين التي كان المراجع يحرضون القبائل العربية بشتى الوسائل ليقاتلوا فيها نيابة عن إيران ضد الإنكليز، كما هو حالهم اليوم ضد الأمريكان. ثم بعد مدة يظهرون على المسرح قادةً للمقاومة وأبطالاً لها بلا منازع.

انظر كيف كان هذا الثعلب الإيراني يطوف على شيوخ القبائل في العراق يثير حميتهم ويدفعهم إلى الاشتراك في الثورة ولو باستعمال الألفاظ المكشوفة وتعييرهم بعدم الغيرة على نسائهم! يقول د. علي الوردي: حدثني السيد أبو القاسم الكاشاني – أثناء زيارتي له في طهران صيف 1957 – أنه كان يدخل على الشيخ في مضيفه فيثير نخوته على الطريقة البدوية، فيقول له: “أليس من العار عليكم أن أدافع عن بلادكم وأنا من تبعة إيران، بينما أنتم من أبناء البلاد لا تدافعون عنها؟”. وكان كثيراً ما يستعمل في كلامه مع الشيوخ ألفاظاً بذيئة وشتائم عامية كأن يقول لهم مثلاً: “إن الإنكليز سيفعلون بنسائكم كذا، وإن الرجل منكم ديوث لا غيرة له إن لم ينهض لمقاتلة الإنكليز دفاعاً عن عرضه”. ويقول الكاشاني: إن شتائمه كثيراً ما كانت تثير النخوة فيهم وتحرك همتهم؛ فيضطرون إلى رفع راية القتال، وتنطلق الهوسات عندئذٍ، وبذلك يصعب عليهم التراجع لو أرادوا([1]).

الحج في عقلية الكاشاني والكشواني .. مثالاً

يروي الكليني في الحج عن بشير الدهان قال: قلت لأبي عبد الله (ع) (4/580): ربما فاتني الحج فأعرِّف (أي أقف في يوم عرفة) عند قبر الحسين (ع) فقال: أحسنت يا بشير، أيما مؤمن أتى قبر الحسين (ع) عارفاً بحقه في غير يوم عيد كتب الله له عشرين حجة وعشرين عمرة مبرورات مقبولات، وعشرين حجة وعمرة مع نبي مرسل أو إمام عدل. ومن أتاه في يوم عيد كتب الله له مئة حجة ومئة غزوة مع نبي مرسل أو إمام عدل. قال: قلت له: كيف لي بمثل الموقف (أي عرفة)؟ قال: فنظر إلي شبه المغضب ثم قال لي: يا بشير إن المؤمن إذا أتى قبر الحسين (ع) يوم عرفة واغتسل من الفرات ثم توجه إليه كتب الله له بكل خطوة حجة بمناسكها. ولا أعلمه إلا قال: وغزوة.

والروايات بهذا المعنى كثيرة لدى الشيعة. وبطبيعة الحال فإن الكاشاني يؤمن بما يرويه الكليني عن الحج. فهو والكشواني سواء

وهنا ينبغي أن أنبه على أن التهوين من الحج وتعظيم زيارة القبور، أمر قديم جديد لدى الشيعة، قام عليه دينهم المعتمد على قاعدة أو آلية (الإحلال والإبدال). إحلال مفاهيم مكان مفاهيم تغييراً لدين وإقامةً لدين بديل عوضاً عن الدين الأصيل. وهذا يتساوى فيه الديني والعلماني، والمتعلم والأمي، والمثقف والخرف. وأضرب لكم مثالاً قد لا يخطر على البال أن يكون مثالاً على ذلك. فما بالك إن قلت لك إنه منغمس فيه إلى ذقنه.. الدكتور علي محمد شريعتي!

والدكتور علي محمد شريعتي (1933 – 1977) عالم متخصص في أكثر من علم، فهو حائز على شهادتي دكتوراه من فرنسا: إحداهما في تاريخ الإسلام والثانية في علم الاجتماع. ويعتبر – بلا منازع – ملهم الثورة الخمينية. ومحاضراته التي كان يلقيها من منبر حسينية (الإرشاد) في طهران، وتسجل في أشرطة وتوزع في أنحاء إيران، وتُفرّغ لتَصدُر في كتب.. تعتبر الممهد الفكري والثقافي لثورة الخميني. ويعده كثير من دعاة ومثقفي السنة أحد دعاة التقريب الموثوقين بين الشيعة والسنة!

دعا علي شريعتي – صاحب شهادتي الدكتوراه – بقوة وحماس إلى مقاطعة الحج وتحويله إلى المزارات الشيعية، متحججاً بكلام سخيف مناقض للدين والعقل والعلم والثقافة، متوافق مع الخبَل والجهل والأمية والكفر! وذلك في الجزء الأخير من كتابه (التشيع مسؤولية). معتمداً على تأويلات وتفسيرات يربطها بالصراع التاريخي والتحدي الاجتماعي والعامل الاقتصادي والموقف السياسي والجمود الديني والشحن النفسي الثوري، من مثل أن الموارد المالية إنما يجنيها الطغاة الذين يحكمون السعودية والذين هم نسخة عن الخلفاء الظالمين العباسيين والأمويين وغيرهم. والحج إلى مكة يزيد من منزلتهم بين الشعوب، فيزيد ذلك حكمهم رسوخاً ويطيل من مدته . ليخرج من كل ذلك بحصيلة خلاصتها أن على الشيعة اليوم أن يقاطعوا الحج إلى مكة ويلازموا زيارة المراقد الشيعية! وكأن الدين عند هذا الدكتور (المتنور) منتوج بشري!

ما الفرق إذن بين عقلية شريعتي والكشواني والكاشاني؟!

يؤسفني أن رابطة العالم الإسلامي عقدت اليوم مؤتمراً (للمرجعيات العراقية) جمعوا فيه بين الكاشاني والكشواني، وغاب عنه محمود.. محمود الملاح.

وهذا من حسن حظه!

2021/8/4

…………………………………………………………………………………………………….

  1. – لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، ص304 – 305، د. علي الوردي.

 

التخطي إلى شريط الأدوات