العقل التاريخي المتأزِّم

الشيخ:عبد الغني شيت الموصلي

منظومة الفقيه القائد/ مشروع التَّيَّار السُّني


يأتي هذا المقال بعد محاورة مع شخص يحمل التاريخ والأطلال المتأزِّمين، وهما نقطة شروعه لفهم الحياة وتسيير الواقع باغتصاب فكري قمعي.

أتذكَّر قصة حدثت عندما تولى الحجاج ابن يوسف الثقفي -رحمه الله- شؤون العراق، فأمر مرؤوسه أن يطوف بالليل، فمن وجده بعد العشاء ضرب عاقبه، فطاف ليلة فوجد ثلاثة صبيان، أحاط بهم وسألهم: من أنتم، حتى خالفتم أوامر الحجاج؟

فقال الأول:

أنا ابن الذي دانت الرقاب له

ما بين مخزومها وهاشمها

تأتي إليه الرقاب صاغرة

يأخذ من مالها ومن دمها

فأمسك عن عقوبته، وقال: لعله من أقارب الأمير.

وقال الثاني:

أنا ابن الذي لا ينزل الدهر قدره

وإن نزلت يوماً فسوف تعود

ترى الناس أفواجاً إلى ضوء ناره

فمنهم قيام حولها وقعود

فتأخر عن عقوبته وقال: لعله من أشراف العرب.

وقال الثالث:

أنا ابن الذي خاض الصفوف بعزمه

وقوّمها بالسيف حتى استقامت

ركاباه لا تنفك رجلاه عنهما

إذا الخيل في يوم الكريهة ولّت

فترك عقوبته وقال: لعله من شجعان العرب.

فلما أصبح رفع أمرهم إلى الحجاج، فأحضرهم وكشف عن حالهم، فإذا الأول ابن حجام، والثاني ابن الخباز، والثالث ابن حائك!

فتعجب الحجاج من فصاحتهم، وقال لجلسائه:

علّموا أولادكم الأدب، فلولا فصاحتهم لعاقبتهم،

ثم أطلقهم وأنشد:

كن ابن من شئت واكتسب أدباً

يغنيك محموده عن النسب

إن الفتى من يقول هأنذا

ليس الفتى من يقول كان أبي

هذه حادثة توجِّه القاري الكريم إلى أبيات الحجاج التي يعالج فيها العقل التاريخي المتأزم لينقله إلى إثبات جغرافية وجود الشخصية وإثبات نفسها في المجتمع.

إن الفتى من يقول هأنذا     ليس الفتى من يقول كان أبي

لقد كنتُ قبل يومين أحادث شخصًا حسبته يستحق تبادل الأفكار، حتى إذا تكشَّفت السرائر وبانت السماء وانجلت الغيوم تأسَّفت على وقتي المُهدر معه، ولست باخعاً نفسي عليه.

فحوى النقاش أنني أريد إيجاده وبذر الفكرة التي تنتشل كلَّ سُني من وديان موحلة باللوثات، منبِّهًا أنني كنت أُلاطفه وهو يتعالى بالكلام أنْ كان بعنوان علمي: شيخ.

تحمَّلته في كثير من الأفكار وكنت لا أردُّه وقت قولها بل أُؤجِّل تصحيح الفكرة امتصاصًا لتشنُجه المفتعل منه.

جرَّنا الحديث عن الانتخابات، تحرَّق قلبه ولسانه لأنَّ واحدًا من المحسوبين على الحزب الإسلامي والذين شظَّاهم الحزب في القوائم لم يفز بالانتخابات!

وقعتُ على الحقيقة!

إذًا أنتَ حزب إسلامي!

ترنَّح أمام هذي المصارحة لكأنَّها لكمة قاضية في حلبة المناقشة.

قال: لا لا ءءءء،

قلت له: ولماذا تخجل منها إن كان حزبكم لا يُخجل منه!

قال: ألا تذكر كيف اكتسحنا الانتخابات عام 2006 بقائمة التوافق؟

التاريخ يشهد لنا.

قلت: ألا تذكر كيف كسحكم جمهوركم قبل غيره بعد فشلكم، وكيف وضعتم رؤوسكم في الطين كالنعامة.

وبعدها بدأت الانسحابات من شخوص فيكم غير بسيطين عندكم، وأحدهم قال: اليوم الذي خرجت منهم دخلت الإسلام.

قال لي: هذا الشخص أصلًا تاريخه مرهِق لنا!

ضحكتُ… فقلت له: كما قال أنصافكم عن ثروت الخرباوي في مصر.

واستمر النقاش لساعات حتى أتينا على (حماق) وفلسطين ولم أسمع منه غير: كنَّا.. كانوا.. كان فلان..!

شخَّت الحالة المرضية: عقل تاريخي متأزم بالوراثة.

قطعتُ عليه الطريق: من أنتم اليوم وما جغرافيتكم؟

أُسقط في يده وكانت لكمة ثانية. وسألته: هل ستحرر حماس فلسطين من الصهاينة وتأتي بالولي السفيه إلى فلسطين؟

ما دمت بعقلية تاريخية متأزمة فإني أذكِّرك بسيف بن ذي يزن (الحمقاوي).

ما عنده غير: لا لا.

أما أنا فقلت له: الفرس قبل القدس، هذا في فكرنا فلا تنتهي أزمة القدس حتى ننتهي من الفرس تسلطًا وشخوصًا ذيولًا.

أما أنتم فعندكم: الفرس قبل القدس، ولاءً لهم.

وشتَّان لا سيَّان.

فماذا كان من العقل التاريخي المتأزِّم؟!

أعطاني حظرًا… وذهب بمتلازمته وأطلاله المتباكية يجرُ أزمة أثقلته، وأنَّى له الذكرى؟

التخطي إلى شريط الأدوات