الأَقفاص/ الفصل الثامن عشر من رواية (هكذا تكلم جنوبشت)/ ج2

بمناسبة يوم الشهيد العراقي في 1982/12/1

د. طه حامد الدليمي

مهداة إلى روح عمي الأسير عبد الرحمن مزعل .. وإلى كل الأسرى خصوصاً أولئك القابعين في زنازين القهر في إيران منذ سنة 1980م/1400هـ، والعراق والدول الأُخرى التابعة لها منذ 2003م/1424هـ .

( 5 )

كانت (مشهد) في أقصى شمال شرقي إيران وِجهتي الأولى ضارباً شيطانين بحجر: أتعرّف هذه المدينة الدينية الشهيرة، وأزور معتقل (بست سنگ) للأسرى العراقيين فيها. لكن من أي نقطة أبدأ؟

حركت الغلالة أمام عينَي من مكان محدد فيها كما علمني (جنوبشت)، فكأن خريطة طبعت في خاطري. قررت البدء بجبل (كوسنگي) المطل على الضريح الذي تشتهر به المدينة. وكوسنگي بالفارسي تعني الجبل الحجري.

وأنا أطل من قمة الجبل بعد غروب الشمس بقليل وقد أخذ الليل يتسلل بهدوء إلى المكان أرى مدينة خضراء تحيط بمعبد أبيض. المعبد الأبيض في الوسط وكل شيء من حوله أخضر، والشلالات تتلبس الجبل من قمته إلى أسفل السفح.. كل ذلك جعلني أقول بعفوية: الله! ما أجمل هذا!

رأيت في قمة الجبل مقبرة لقتلى الحرب، كان الإيقاعَ الوحيدَ الذي بدا نَشازاً في ذلك اللحن. الظاهر أن القبر والعزاء والمظلومية ناشبة بالقوم أينما كانوا! صرفت نظري عن المقبرة وأخذت بالنزول. المياه تتحدر إلى أسفل عبر شلالات متواصلة صنّعت بطريقة تجعل كل شلال مختلفاً عن سابقه ولاحقه! المياه تتدفق بقوة، صوت الخرير كثيراً ما يعزل أذنيك عما حولهما ويَقصر انتباهك على ما أنت فيه. أنت في حاجة إلى حذر شديد كي لا تنزلق، وفي المجرى ألقيَتْ صخور زيادةً في التحوط.

واصلت النزول.. الحدائق ذات الشجر المتنوع في شكله وحجمه تحيط بك من كل جانب، تتخللها بحيرات ونافورة صناعية كبيرة ونافورات صغيرة وأوراد وجِلسات استراحة.

واصلت النزول حتى خرجت من الحديقة وبدأ الطريق يقترب من نهايته. على الرصيف كانت ألعاب يدوية للأطفال. وثمت (كشك) قريب لشرب العصائر، كان أطيبها عصير (آب طالبي) أي عصير البطيخ (أو الشمام). وكنت كلما أردت شيئاً أزحت الغلالة فاندمجت في المحيط.

كان الليل قد ربض بكلكله على المكان حين هبطت المدينة.

أثارني معبدها الشهير بضخامته وزخارفه وتهاويله.

الصور المتنافرة لوجوه الناس تنبئ أنهم من بلاد شتى. النساء يلبسن أشكالاً من الحجاب مختلفةً حد التنافر، من (الچادور) الذي يلف المرأة من أعلاها حتى أسفلها، إلى شيء ليس له من الحجاب سوى الاسم، وهو الغالب. وذوو العمائم والطرابيش لا يختلفون كثيراً عن أمثالهم في أضرحتنا.

الأشياء نفسها في مراقدنا تدور في مراقدهم مع اختلافات بسيطة.

عجبت لنساء يلبسن (الچادور) بالمقلوب، كثيراً ما يقفهن رجال من مختلف الأعمار، يتبادلون كلمات وإشارات وضحكات. ثم بعد وقفة أو بضع وقفات يتم الاتفاق ويخرجون معاً من الصحن. عرفت أن هذا أحد الأساليب التي تعلن بها المرأة عن أنها جاهزة لـ(المتعة) أو (الساغيه) الكلمةِ التي طرقت سمعي كثيراً وأنا أطوف بالمكان.

أشياء وأشياء رأيتها، وأشياء لم أرها.

لبثت هناك حتى الصباح. تذكرت أنني قدمت في مَهمة غير ما أنا فيه؛ قلت: “هذا يكفي”. ومضيت أريد معتقل (بست سنگ).. لكن ليس قبل أن أزور ولو سريعاً بعض المعالم الدينية والسياحية والأسواق. وهكذا تجولت في شارع خسروي ووقفت عند مرقد خواجه ربيع، وأبي السلط الهروي، وقدمگاه (أي موضع قدم الإمام الرضا) وبازار رضا وبازار ترقبة وبازار جنت، وشلالات (أخلمند) ومنتزه (بارك ملت). ولم أغادر المدينة حتى تعنيت مزار الفردوسي الذي وقفت عنده وخاطبته قائلاً: “أنت الذي تقول: تفٌّ تفٌّ لك أيها الفلك الدوار؛ العرب الحفاة العراة آكلو الضباب يدوسون أرض إيران الجميلة! أين مصيرك الآن أيها الحاقد الجهول!”. وتففت عليه مرتين، ومضيت.

( 6 )

كان الوقت ضحىً عندما استوقفني سور عالٍ تطل برؤوسها من ورائه أشجار الحوَر. باب كبير مغلق في أعلاه قطعة تعريفية بالسجن، وبين يديه أفراد من العسكر ينتشرون على غير نظام. تسللت بخفة إلى الداخل. بهو واسع فيه جمع كبير لا تحتاج إلى خبرة لتعرف من زيهم أنهم أسرى. بعضهم شبه عراة! وبعضهم يرتدي ثياباً من (الجنفاص) الذي تصنع منه أكياس المؤن! سحناتهم تنطق بعراقيتهم. أقبل جنود بقزان كبير فيه جتٌّ مطبوخ كأنه أنزل من النار قبل ساعة.

“علف البقر يا مجرمون!”. وكأنهم ينظرون إليّ قائلين: “أنت للآن ما رأيت شيئاً”.

تفرست في الوجوه. واضح أنهم منهكون وجائعون. لفت انتباهي أحدهم له غمازتان أخذتا ترتجفان، وشارب طفق يضطرب. يتحرك إلى الأمام ثم يتراجع. “ما لهذا المسكين!”. ثم لم ينشب حتى ركض بسرعة وهجم على القزان! مد يده ليغرف شيئاً مما فيه فلحقه جنديان رفساه في وقت واحد على مقعدته فحولاه في لحظة إلى سابوح. غط في المرق ثم خرج وقد امتلأت ثيابه وجيوبه بالجت المطبوخ. كرّ راجعاً ليتخلص من سياط الجنود فتلقاه الأسرى يتلقفون ما على ثيابه وجسده من بقايا الجت ويلتهمونها بشغف ثم يلحسون أيديهم وأصابعهم!

كنت في حاجة إلى أن أتلاعب بخط الزمن إلى الوراء تارة وإلى الأمام تارة. لم يعلمني (جنوبشت) سوى الرجوع إلى الوراء.. لقد حرّم عليّ النظر إلى المستقبل.. ماذا أفعل؟ هل أُخرج الخوصة؟ ما الذي سيقوله عني وأنا لما أبدأ رِحلتي بعد؟

عدت إلى ما بعد ظهر أمس لأرى وجبة الغداء.. وانتظرت إلى ما بعد الغروب بساعة لأرى مجموعة من العسكر يحملون قزاناً كبيراً. اقتربت من حافته.. أها، فيه رز. تفرست فيه، وهالني أنه مخلوط بعيدان وقش. قلّبه العسكري بمِغرفة فإذا حصى يظهر ويختفي مع كل تقليبة! قبل أن ينقضي عجبي بدأ المشهد يتنوع أكثر، ويتحدى قابليتي على الصمود ضد الغثيان. “حشرات! نعم حشرات..!”. شعرت كأن القزان يسخر مني ويقول لي بهدوء: “ما الذي يزعجك؟ أليست الحشرات في النهاية بروتينات؟ والبروتينات مادة أساسية للجسم؟”!

ألقى العسكري المِغرفة وتناول قدحاً زجاجياً كان في طرف من القزان، وصار صف من الأسرى يتقدمون وفي يد كل واحد منهم إناء. والعسكري يغرف بالقدح غُرفة واحدة لا تقبل التثنية. وكل شخص ونصيبه: قد يأتيه الكأس ملآنَ، وقد يأتيه منصَّفاً، وبين كل عدة غرفات تحشر كتلة من الرز الملتصق ببعضه في مقدمة الكأس فلا يدخل بعدها شيء.

أحد الأسرى أخذ حصته وانزوى يلوك وهو يبكي!

حركت أحد الزرين اللذين في الرداء فأتاني صوت كأنه خارج من مذياع.. “هذا أسير اسمه حسين عبد. مبتلى بمعدة غير طبيعية. حصلت مشكلة بينه وبين عريف الفصيل أيام كان في العراق، ولم يحُلها سوى آمر (الوحدة) الذي أمر أن تضاعف حصته من الطعام خمس مرات زيادة على حصة بقية الجنود. وهو اليوم على ما تراه”!

ونظرت إلى الماء فإذا هو متغير اللون! لا يخلو من القش والحصى.

يا إلهي! إنني أرى ديدان بيضاء تشبه يرقات الذباب تعلو وتهبط كأنها في احتفال!! كان الأسرى ينفخون في الآنية ثم يشربون ما فيها.

لم يخل المنظر المدهش من شخص يضع يده على بطنه ويتقيأ!

وتحرك زر المذياع: “هل قرأت قائمة الممنوعات؟”. وقبل أن أجيب أخذ يسرد على أذني بعض مكوناتها الغريبة: النوم حتى نهاية الدوام. القلم، الورق، الكتب. المذياع. الخواتم. الصور. الرسائل. الكلام مع الحراس. الاحتفال بالأيام الوطنية والقومية والدينية الخاصة.

قطعت على الصوت سرده المتواصل وسألت:

والاحتفال بعيد الفطر والأضحى؟

هما يومان مهملان في إيران، وقد يؤجلان يوماً أو يومين. ولا تعطل الدوائر سوى ليوم واحد. ونادراً ما يهنىء إيراني إيرانياً فيهما. فإذا ذكّرهم أسير قالوا له: “هذا عيد كسافة عيد عرب”.

أما لهم عيد يحتفلون به؟

بلى.. يوم نوروز 21 آذار. يتلقونه قبل مجيئه باثني عشر يوماً بالنيران على رؤوس الجبال وفي السفوح والطرقات والرقص والموسيقى والملابس الزاهية والزيارات والاختلاط وعقود المتعة وأنواع الشذوذ والليالي الحمراء. وتتحول إيران من أقصاها إلى أقصاها مسرحاً للاحتفال.

وانقطع الصوت..

وسألت: وأين بقية الممنوعات؟ لم يأتني رد! قلت: لا بأس سأراها بنفسي!

أخيراً، وبعد أن يئست من البحث.. قررت الخروج من السجن. ما تركت وجهاً إلا وتفرسته، ولا أذناً إلا وهمست فيها: “رحيم سلمان، رحيم سلمان”. أزيح الغلالة عن وجهي للحظات وأسأل: “هل تعرف أسيراً اسمه رحيم سلمان؟”. بعضهم يجفل، وبعضهم يثبت، ومنهم من يقول مندهشاً: “من أنت؟”. واحد من النزلاء صرخ: “جاسوس! جاسوس!”. أعيد الغلالة إلى موضعها وأختفي في الحال. وتتعدد ردود الأفعال. المهم أن أحرك الوسط بهذا الاسم. وأتأكد تماماً من سلامة البحث.

وأنا أبتعد عن السور الرعيب الذي يندفن خلفه آلاف من الأحياء، استعرضت في خاطري أسماء السجون: برندك، آراك مخصوص، الداودية، كركان، منجيل، الحشمتية، ساري… وكان آخر ما مر في الشريط معتقلَ إيفين بطهران.

قلت: “إليك يا إيفين”.

( 7 )

لا يختلف سجن (إيفين) في مظهره الخارجي كثيراً عن سجن (بست سنگ)، رفعت بصري إلى القطعة التعريفية في أعلى الباب الكبير الذي يؤدي إليه، كانت زرقاء اللون وقرأت بخط عريض: (بازداشتگاه اوين) أي معتقل إوين. وتساءلت: “وما إوين؟”. تأملتها قليلاً فلمحت تحتها تعريفاً بالحروف الإنجليزية (Evin House Of Detention) فتذكرت أن القوم يقلبون الفاء واواً والواو فاء.

جنود بملابس عسكرية مختلفة الأشكال أمام الباب الخارجي بعضهم يحملون بنادق. بناء قديم بطابقين، إلى يمينك شباكان كبيران يطلان إلى الخارج.. كل شباك من طابق. شجر الحَوَر يشاغل الفضاء في كل مكان! ووادٍ يفصل بين بناية المعتقل الكبيرة وجبلٍ تتناثر عليه البيوت. وإلى يسارك كابينة حراسة تتسع لشخص واحد.

في الداخل قضبان وجدران تتبادل المواقع فيما بينها بالتناوب. في أقفاص تكرر نفسها حتى إذا ما انتهى الشريط تحولت إلى شريط آخر موازٍ وآخر وآخر حتى يكتمل المعسكر. أشخاص يمسكون بالقضبان، وجوه شاحبة يطل اليأس من كل قَسِمَةٍ فيها، ومن خلفهم ترى العنابر مزدحمة بالنزلاء. تقدمت قليلاً فرأيت رجلاً مشبوحاً كالصليب على قضبان شباك وقد لوى رقبته وهو يئن. اقتربت منه، كانت شفاهه ذابلة وعيناه زائغتين ويهمس بصوت خفيض متقطع: “ماء ماء”. ثم يغيب عن الوعي. وحين خطوت قليلاً إلى الداخل وجدت المشهد يتكرر ثلاث أو أربع مرات!

مضيت في تجوالي الكريه حتى شاهدت زنزانة انفرادية مساحتها متر في نصف متر، مربوط فيها كما يربط الحمار أو الكلب رجل كبير السن متهدم الجسد. لا شك في أنه قد جُنَّ! ثوبه ممزق، متلطخ بعَذَرَته التي تنتشر في الزنزانة. فجأة فتح عينيه وضحك ضحكة مخيفة وصاح: “بابا طالب.. طالب”. وبكى، ثم طوّح بيديه وعاد إلى الضحك ثانية! بعد قليل تقدم منه حرسي، يضع منديلاً على أنفه، وفي يده الأخرى جفنة فيها ماء صبه فوق رأسه. أخذ الربيط يرتجف ثم انزوى وعلى وجهه ملامح خوف وذلة لا تخفى!

لم أحتمل حتى حركت الزر وأخفضت الصوت: “مناف عبد اللطيف من الأنبار.. جُنَّ من كثرة العذاب. لا يُسمح لأحد بالاعتناء به، ولا تنظيفه إلا مرة واحدة كل عشرة أيام. يُصب على رأسه الماء البارد صباح مساء. أصيب بعجز القلب، يعطى خمس حبات دواء كل ثلاثة أشهر. على هذه الحال منذ أربع سنين ونصف السنة”!

هذا شاب مكتوف الأيدي إلى الخلف، ملقى به ووجهه إلى الأرض، يضطرب ويفحص برجليه. أحد الأسرى يتقدم منه يريد إعانته. ما هذا! الحارس يسحب مسدسه، يطلق على رأسه النار ويرديه قتيلاً! وظل الشاب على وضعه يضطرب وكأن شيئاً لم يكن. لكن صوتاً اخترق الصمت وسط ذهول المعتقلين: “يحيى العراق.. تسقط إيران”. يصمت قليلاً ثم يهتف بحماس: “يعيش القائد صدام حسين.. يسقط الخميني الدجال”. وصرخ الحارس: “خفه شو سگ كثيف!” وهو يسدد فوهة المسدس نحو فمه ويطلق رصاصتين، يخرس بهما صوت إنسان شريف لا صوت كلب قذر كما وصفه ذلك الحارس القذر.

لم أحتمل مزيداً من المشاهد؛ لا بد أن أتقوى بفاصل ولو قصير، أسترد به نفسيتي التي تحطمت. لكن ليس قبل أن أتفرس الوجوه كلها، وأنفض كل زاوية في المكان.

وتحرشت بي مشاهد عديدة مشابهة لِما ذكرت. حاولت تجاوزها بسرعة، ونجحت. لكن مشهداً أجبرني على التوقف رغم أنه مقرف جداً!

شاب لا يتجاوز الثلاثين من العمر جالس على الأرض يحيط به عدد من الحراس، وصفٌّ طويل من الأسرى يمرون به يبصقون عليه بالتتابع، بعضهم يتظاهر بالبصق عليه وبعضهم يبصق ويمضي، لكن بعضاً منهم يتنخم ويتنخم ثم يلطشها بوجهه كأنها ذرق بطة! البصاق يملأ وجهه، يتناثر على شعره ويسيل على صدره، يتجاوز بطنه إلى الأرض، والشاب لا يملك حولاً ولا قوة، مستسلم كلياً لا يتحرك ولا يعترض. لكن حتى لو حاول أن يفعل شيئاً هل يغني ذلك عنه شيئاً؟

“ما جريمة هذا؟”، وضغطت الزر.

“اسمه معاوية!”.

“طيب وإذا؟”.

“سلامتك”.

“و بس؟!”.

“بس”.

* *

 

التخطي إلى شريط الأدوات