العلاقات الشيعية المغولية قبل سقوط بغداد (2-2)

أ. العنود الهلالي

من غير المقبول القول بأن سقوط بغداد ونهاية الخلافة العباسية إنما كان نتيجة لضعف الخلفاء العباسيين المتأخرين واهمالهم أمر الدولة فقط؛ بل عوامل كثيرة تضافرت فيما بينها لتؤدي بالنتيجة إلى عدم تمكن دار الخلافة من رد الغزو المغولي ودرء خطره عن الإسلام والمسلمين. ولعل أهم تلك العوامل ما كان من تعاون ومشاركة العملاء والخونة من الداخل الإسلامي مما أدى إلى ضعف الجبهة الإسلامية في المشرق، وعدم قدرتها على مجابهة الجيش المغولي الزاحف فوقعت الدويلات الإسلامية الواحدة تلو الأخرى بيد المغول!  ولولا تلك الخيانات لوجد المغول من الصعب عليهم الوصول إلى العراق وغزو دار الخلافة.

لكننا إذا أردنا أن نبحث في أساليب الخونة وأسباب خيانتهم؛ لا بد أولا أن نتساءل عن بعض الحوادث الغريبة، وتفاصيل حدوثها!

وأول هذه الحوادث هو سبب التحاق نصير الدين الطوسي بقلاع الإسماعيلية بعد نجاته من الغزو المغولي الأول الذي اجتاح البلاد الاسلامية، والعمل لصالحهم ثم الانقلاب عليهم لصالح الجيش المغولي بقيادة هولاكو! ثم كيفية وصوله السريعة لرتبة معتمد ومستشار خاص لهولاكو! وعن سر تغلغل الايرانيين في البلاط الخاني!

الإيرانيون في بلاط الخان المغولي

كان للإيرانيين وجود واسع في البلاط الخاني؛ ففي عهد الخان المغولي منگوقاآن  “تم استدعاء طائفة من الإيرانيين المستنيرين، وطلب إليهم تنظيم الإدارات والدواوين في قراقوم على أسس سليمة”[1]

وعندما شيّد الخان المغولي قوبيلاي قصره في الصين كان للعناصر الإيرانية مكانة سامية في بلاطه؛ فكانوا يشغلون مناصب المستشارين في الشؤون العسكرية، ومنهم جماعة من أرباب الحرف ارسلوا إلى منغوليا. ولم يقف نفوذ الإيرانيين عند هذا الحد، فقد عهد قوبيلاي بوزارته إلى رجل إيراني، كان يلقب بالسيد الأجل البخاري، وولى ابنه ناصر الدين نائبا عنه في حكم ولاية قراچانك؛ جزاء ما قدمه له من خدمات جليلة عندما سار قوبيلاي إلى تلك الولاية بأمر من أخيه منگو، وقد ظهر له بمظهر التابع المخلص فأحبه قوبيلاي، وعندما آل إليه عرش المغول رفع قدره وعهد إليه بمنصب الوزارة. قد يقال أن قوبيلاي وصل إلى العرش بعد سقوط بغداد بثلاث سنين!.. نعم هو كذلك؛ لكن الإيرانيين تغلغلوا في البلاط الخاني منذ أن استدعاهم منگوخان قبل غزو بغداد بزمن ، وما وصول السيد الأجل إلى منصب الوزارة إلا تتويجاً لسنوات طويلة من الخدمة لخانات المغول !!

الطائفة الإسماعيلية

طائفة فاطمية نزارية مشرقية، انشقت عن الفاطميين لتدعو إلى إمامة نزار بن المستنصر بالله ومن جاء مِن نسله. أسسها الحسن بن الصباح الذي اتخذ من قلعة ألموت في فارس مركزًا لنشر دعوته وترسيخ أركان دولته. وقد تميزت هذه الطائفة باحتراف القتل والاغتيال لأهداف سياسية ودينية متعصبة. وكلمة الحشاشين: دخلت بأشكال مختلفة في الاستخدام الأوروبي بمعنى القتل خلسة أو غدراً أو بمعنى القاتل المحترف المأجور. ويسمون عند خصومهم باسم الملاحدة. اشتهروا في التاريخ بأنهم قوم محاربون أشداء، بثوا الرعب في النفوس، وعاثوا في الأرض فساداً، وقاوموا سلاطين السلاجقة، واهتزت بسببهم دول الشرق الإسلامي ولم تسلم منهم دولة الخلافة. كان لهم جهاز رهيب، وتنظيم سري يتكون من طائفة من الشبان المغامرين الشجعان، الممتلئين قوة وحماسة، وتضحية وتفانيا في الدفاع عن عقيدتهم. وكانت القاعدة عندهم، أنه إذا ظهر حاكم قوي في البلاد الإسلامية المجاورة، أسرع الفدائيون إلى اغتياله ليأمنوا جانبه. وكان هدفهم الأول من وراء ذلك، هو بث الرعب والفزع في نفوس الجميع، ونشر الاضطرابات والفتن.

لقد عانى الشرق الإسلامي من شرور هذه الطائفة، وجرائمها وأصبحت جميع القوى الإسلامية في الشرق عاجزة عن القضاء عليهم ، فتمادوا في عدوانهم حتى تجرأوا على أملاك الدولة الخوارزمية التي كانت تعد من أقوى الدول الاسلامية في الشرق وصاروا يغيرون عليها ويسببون لحكامها المتاعب. وعندما أحسوا بقوة الخوارزميين، بدأوا يتصلون بالمغول، يستعدونهم على دولة خوارزم، فقد راسل جلال الدين حسن زعيم الاسماعيلية الغازي المغولي چنكيز خان؛ بقصد التقرب إليه وحثه على مناهضة الدولة الخوارزمية.

وكان أول حاكم من داخل الشرق الإسلامي يرسل رسولاً إلى جنكيز خان ليقدم له فروض الخضوع والطاعة، عندما جاء على رأس جيشه إلى إقليم ما وراء النهر، بعد عبوره نهر سيحون. وأعادوا الكرة مرة أخرى حين انشغل الجيش المغولي عن محاربة السلطان جلال الدين منكبرتي وريث سلطان خوارزم الذي كان يحاول استعادة دولة خوارزم وصد الغزو المغولي، فما كان من الاسماعيلية إلا أن عادوا واتصلوا بالمغول ودعوهم أكثر من مرة لمهاجمة السلطان جلال الدين منكبرتي والقضاء على الدولة الخوارزمية نهائيا.

لكن المغول رغم تعاملهم مع هذه الطائفة إلا أنهم لم يأمنوا جانبها لذا حين غزا هولاكو المشرق الاسلامي سعى لإنهاء وجودها، فقد اكتشفوا خيانتها لهم حين سعت للتحالف مع المسيحيين في فرنسا وانجلترا، لذا قرر المغول القضاء على الإسماعيلية وتصفيتهم قبل التوجه إلى بغداد!

أما من أعان المغول على تدمير قلاع الاسماعيلية فقد كان الخواجة نصير الدين الطوسي الذي لجأ إليهم وعمل في هذه القلاع لسنوات طويلة، فقد سهل أمر استسلام رئيس الاسماعيلية خورشاه وبذلك استطاع هولاكو اقتحام القلاع والاجهاز على هذه الطائفة.

إن إنجاز الطوسي لهذه المهمة، وكذلك توصيات قادة المغول من العاصمة لهولاكو بالاهتمام به والاستفادة منه جعلت هولاكو يتخذه مستشارا له.

يبدو أنه كان للإيرانيين في البلاط الخاني تأثير كبير على قادة المغول لدرجة أنهم استطاعوا أن يوثّقوا الطوسي ويسهلوا له الوصول إلى منزلة رفيعة في جيش المغول الغازي.

إن العلاقات المغولية الشيعية لم تكن وليدة الغزو المغولي للمشرق الإسلامي بل قبل ذلك التاريخ بفترة طويلة؛ فقد استطاعوا الاقتراب من صنّاع القرار في الامبراطورية المغولية والتأثير فيه. ولا يستبعد أن يكون لهم دور في توجيه أنظار المغول إلى دار الخلافة بعد أن كان اهتمامهم منصباً على فتح أوروبا والاستيلاء على أراضي الإمبراطورية الصينية.

ومن نافلة القول ذكر دور الوزير الخائن “ابن العلقمي” الذي كانت بيده مقاليد دولة الخلافة كوزير للخليفة، فقد لعب دورا بارزا في توهين ردة فعل الخليفة الذي كان هو الآخر ضعيف الرأي قليل المعرفة والتدبير والتيقظ، مما افسح المجال لوزيره الشيعي أن يكيد للدولة التي أؤتمن عليها، فعمل على إضعاف جيش الخلافة وتسريح عدد كبير منه خلال السنوات الاخيرة التي سبقت الغزو المغولي. وتآمر مع الخواجة نصير الدين لأقناع هولاكو بقتل الخليفة والعلماء والفقهاء واستباحة بغداد. ولم يقتصر الفعل الخياني على ابن العلقمي والخواجة نصير الدين، بل إن سكان الكرخ من الشيعة سعوا أيضا للاتصال سراً بهولاكو.. يقول لسترانج في كتابه بغداد في عهد الخلافة العباسية ( وكان هولاكو قد نظم عمليات الحصار وحركاته أفضل تنظيم في خارج المدينة، وازدادت هذه قوة وتفاقم خطرها بما حصل من الخيانة في داخل أسوار بغداد، وذلك لأن سكان الكرخ والمحلة التي حول مشهد الإمام موسى في الكاظمية كانوا من الشيعة وهم يكرهون الخليفة السني الأمر الذي دفعهم للاتصال سرا بالعدو الكافر)[2] وقد فعل أحفادهم مثلما فعل الأسلاف حينما جاء المحتل الأمريكي، ففور اجتماع الدبابات الأمريكية شمال مدينة صدام ذات الأغلبية الشيعية إذا بهم يفتحون الطريق للمحتل دون مقاومة وسط تصفيق وتهليل بالمعتدين[3]!

لقد لعب الشيعة دوراً هاماً في سقوط بغداد بيد المغول، وعملوا على هذا الأمر بذكاء وخبث لسنوات طويلة قبل أن يحققوا مبتغاهم في إسقاط دولة الخلافة “السنية” التي أدركوا أن الضعف دب في جسدها،  فاستفادوا من ظهور المغول كقوة جديدة على مسرح الأحداث وسعوا إلى التقرب لهم، والتعاون معهم والتآمر ضد دولة الخلافة “السنية” وتلك هي عادتهم في جميع أدوار التاريخ يتملقون للحكام المسلمين إذا كانت الدولة قوية ، فإذا ما ضعفت سعوا إلى إنهائها باستعداء الخارج عليها. وقد شهدنا نفس السناريو يتكرر في هذا العصر ورأينا كيف استعدى الشيعة ممثلين بـ”معارضة لندن” القوى الغربية لإسقاط حكومة صدام – كما يدعون – وكيف رفعوا عقيرتهم بالمظلومية الشيعية في العراق، واستنجدوا بكل منظمات حقوق الإنسان لإنقاذهم من صدام وإسقاط حكومته!

وإني لأتساءل وأعلم أن القارئ يتساءل معي: هل أعاد التاريخ علينا دورته؟! ولماذا بقينا نكرر خطيئة الخليفة العربي والوزير الشيعي في دوائر صنع القرار، والإدارات الحساسة بداعي الوطنية التي تؤمن بأسطورة الشيعي العربي!!

 

_________________________________________

[1] فؤاد عبد المعطي الصياد، تاريح المغول، ص210

[2] غي لسترانج، بغداد في عهد الخلافة العباسية  ص292

[3] التاسع من أبريل/ نيسان 2003

التخطي إلى شريط الأدوات