البراغيث ونشر طاعون الفارسيات

المهندس: حسن القزاز

إن الحفاظ على اللغة لا يقتصر على العناية بقواعدها النحوية وتشكيلات حروفها وتنسيقات خطوطها الفنية، بل يتعداه إلى حراسة مضامينها الأدبية وصحة مواضيعها وسلامتها من الكذب والتزوير، لإن في ذلك حفاظا على الأمة من الانسلاخ عن نفسها وعدم تمكين الأعداء منها، يقرر عالم اللغويات البريطاني نيكولاس أوستلر هذا المعنى في كتابه (امبراطورية الكلمة) إذ يقول (أن اللاعب الحقيقي في تاريخ العالم هو اللغة، وليس الأمراء والدول والاقتصاد). فنتاج لغة أي امة مرتبط ارتباطا وثيقا بتاريخها ومستقبلها.

لذا ووفقا لهذه المقدمة سنجد أن الذين يساهمون في الحرب على الأمة لينالوا من تاريخها وحضارتها في معركة الحفاظ على هويتها السنية لا بد وأن قسماً منهم قد تمكنوا من سلاح الكلمة شعرا أو نثرا، ليوجهوه إلى وجدان الأمة فيتأثر به نشأ جديد منفصل عن جسده الأم ومنعزل انعزالاً تاماً عن إرثها ورسالتها الحضارية السامية.

تميم وهوسه بالتمائم الشيعية

من يستمع إلى ما ينشره الشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي عبر منصة (AJ+) وغيرها والتي تدعمها إحدى الدول الخليجية  للأسف الشديد[1]، يوقن بإن هذا الشاعر هو أحد براغيث الجراجمة[2] إن لم يكن بالنسب، فبالموروث والثقافة ، ذلك أن كل إسقاطاته التي يحاول تسويق مظلومية شعبه بها يجريها على ملوك وامراء بني امية، مع كيل المديح لرموز التشيع ، إذ أنه يستجلب الأخبار والقصص الكاذبة والموضوعة في كتب الادب والتاريخ المزورة ويجعلها قاعدة يبني عليها ما يشتهي من النظريات والمفاهيم السياسية والتاريخية المغلوطة، إلى الحد الذي أصبحت فيه تلك الاسقاطات مكشوفة بشكل كبير وفاضح لمن يعرف أبسط مقومات وابجدياتها الأمانة العلمية. ولكن مع ذلك كله قد تحصد تلك الفيديوهات عبر المنصة ملايين المشاهدات بسبب لباقة أسلوبه وتمكنه من الشعر وتأثر فئة الشباب بما يختاره من غريب القصص والحكايات، إضافة  إلى المونتاج الممتاز لها والإخراج  عالي الاداء.

الميمية مثالاً

قال أحد الحكماء الصينيين عندما سئل عن مدى اهتمامه بأمور الناس: (أنا لا أهتم بمن يضع للناس قوانينهم بقدر ما اهتم لمن يضع لهم اغانيهم واشعارهم). وقد استوعب البرغوثي تلك الحكمة فانتقى من الاشعار والقصائد اكذبها وأشهرها ليحللها على مزاجه وهواه ، وعلى سبيل المثال لا الحصر، تناول في إحدى حلقاته ما يقال أنها قصيدة للفرزدق في مدح زين العبدين ، ولعل أغلبنا يعرفها ، فقد امتلأت بها صفحات كتب الادب والشعر وصفحات التواصل الاجتماعي على حد سواء، وخصصت للحفظ في أغلب مناهج التربية، إذ يروى أن هشام بن عبد الملك حجّ فلم يقدر على الاستلام من الزحام، فنصب له منبر فجلس عليه وأطاف به أهل الشام، فبينما هو كذلك إذ أقبل علي بن الحسين وعليه إزار ورداء، من أحسن الناس وجهاً وأطيبهم رائحة ، بين عينيه سجّادة ، فجعل يطوف فإذا بلغ إلى موضع الحجر تنحّى الناس حتى يستلمه هيبة له. فقال شاميّ: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا أعرفه، لئلاّ يرغب فيه أهل الشام. فقال الفرزدق وكان حاضراً: لكنّني أنا أعرفه.  فقال الشامّي: من هو يا أبا فراس؟ فأنشأ قصيدة، منها:

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته     والبيت يعرفه والحلُ والحرمُ

هذا ابن خيـر عباد الله كلـّهم     هذا التقيّ النقيّ الطاهرُ العلمُ

هذا الذي أحمـد المـختار والدُهُ     صلّى عليه إلهي ما جرى القلمُ

صفارات الانذار

إن المسلم الذي ينطلق من منطلق الهوية السنية ويعرف مدى أهميتها في حماية وتحصين الامة من الأفكار الدخيلة سوف تومض لديه إشارات التنبيه الحمراء ويسمع معها صفارات إنذار بنغمة مموجة عندما يقرأ قصة وأبيات  هذه القصيدة، ولكنه يستطيع بكل متعة وسلاسة ان يحول نغمة الصفارات الى نغمة مستمرة تشي بزوال الخطر عند استخدام تقنيات الفكر السني وبرهنة نظرياته التي وضعها الدكتور طه الدليمي في تحقيق المرويات والأخبار التي تنتقص من شأن كل من كان له دور في مقارعة التشيع المقيت والشعوبية الفارسية اللعينة، وكيف أننا يجب أن نتناول متن هذه المرويات لنعرضها على طاولة العقل في ضوء الواقع والسياقات التاريخية الصحيحة قبل البحث في السند والرواة الذي يحتاج الى نوع من التخصص بالإضافة إلى الجهد والوقت، علماً بأن النتائج سوف تكون متطابقة عندما يكون البحث بحثاً علمياً وموضوعياً.

عدة إشارات تنبيه أومضت في ذهني عندما وقفت على مشارف قصة هذه القصيدة متناً، وأيقنت أنها محض أساطير موضوعة وكذب مفترى، أورد لكم قسما منها :

  1. كيف يحج خليفة المسلمين بدون أن يكون معه جنود يقومون على حراسته وإفساح المجال له في وسط زحام الحج في دولة تكالبت عليها ثورات الشيعة في المشرق والبربر في المغرب، وإذا كان الامر غير ذلك كيف لم يميز الناس هذا الموكب ويفسحوا له المجال؟!
  2. لقد وافق أن قابلتُ عند الكعبة أحد الدعاة الكبار من الشخصيات المشهورة جدا والذي يحبه ويتابعه الملايين على منصات التواصل وصورته معروفة لدى الجميع، ولم يغنه ذلك عن عدم تمكنه من استلام الحجر لعدم تعرف الناس عليه في وسط الزحام الهائل، فكيف ميز الناس علي بن الحسين في موسم الحج وهم قادمون من شتى بقاع الأرض ولم يروه أو يلتقوا به من قبل ليقوموا بعد ذلك بإفساح الطريق له؟!
  3. ترتيب الاحداث الغرض منه واضح، وهو النيل والتقليل من شان الأمويين وصياغة التراكيب والجمل أشبه ما يكون بحكايات ما قبل النوم المستقاة من قصص ألف ليلة وليلة.. فالتكلف فيها بيّن وجلي.
  4. مفردات أبيات القصيدة توحي بأنها خرجت من مكبرات إحدى الحسينيات لا من فكي شاعر في العهد الأموي، فكلمات مثل (البَـيْـتُ، ابْنُ الوَصِيِّ، هذا الذي رَسُولُ اللَهِ وَالِدُهُ، ابْنُ فَاطِمَةٍ، بِجَدِّهِ … وغيرها) تجدها موزعة بين أبيات القصيدة، ولا أظنها كانت قيد الاستخدام في جيل التابعين القريب من زمن نزول الوحي، فالقرآن يقرر بانه ((مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً)) الأحزاب (40)

حكمت على هذه القصيدة مباشرة بأنها قصيدة مزورة ومكذوبة ولا صحة لهذه الواقعة أصلا.. وعند العودة إلى منصات البحث في مواقع الانترنت للتعرف على صحة الاستنتاج سندا، تبين لي بان ولادة زين العابدين كانت في عام 38 هـ ووفاته في عام 95 هـ، وأن ولادة هشام بن عبد الملك كانت في عام 71 هـ وحكم في عام 105 هـ وتوفي في عام 125 هـ، وهذا يعني بإن زين العابدين توفي قبل أن يستلم هشام الحكم بحدود 10 سنوات، وهذا الأمر يكفي لنسف القصة من أساسها، كما وجدت مقالا منشورا في موقع (رابطة شعراء العرب)[3] يؤيد ما ذهبت إليه، إذ يبين كاتب المنشور بأن الفرزدق لم يكن شاعراً مطبوعًا يقول الشعر بالبديهة، بل هو القائل لقلع ضرسي أهون عندي من بيت شعر، فكيف انثالت عليه هذه الأبيات كالمطر؟! وأن أول ذكر لهذه القصة ورد في كتابين:

– الأول الطبراني وتوفي صاحبه في حدود سنة 360 هـ.

– الثاني أبو الفرج الأصفهاني وتوفي في حدود سنة 356 هـ.

وهما متقاربان جداً ولكن رواية الطبراني بسند مختلف وأنها في الحسين بن علي وليس في زين العابدين، وروايته فيها مجهول ويضعفها كون الفرزدق لم يلق الحسين بن علي على الصحيح.

أما رواية الأغاني فهي التي أخذ عنها كثير من المتأخرين وفيها علتان:

الأولى: أن جميع الروايات مدارها على محمد بن زكريا الغلابي، وهو كذوب يضع الأحاديث.

الثانية: أن صاحب الأغاني نفسه فيه مقال عند أهل الرواية، أضف إلى أنه مضطرب في نسبة القصيدة وبعض أبياتها.

احذروا سم البراغيث القاتل

لله در الاصمعي حينما قال (ثلاثة تحكم عليهم بالدناءة حتى يعرفوا: رجل شممت منه رائحة نبيذ في محفل، أو سمعته يتكلم في مصرٍ عربي بالفارسية، أو رأيته على ظهر الطريق ينازع في القدر). نعم.. إن استماتة البرغوثي وأمثاله  في تقويض أمن الأمة الثقافي والسياسي جعلت منه بوقا شيعيا فارسيا في أمصارنا العربية وإن تحدث بالفصحى أو كتب بها، فهو من النوع الذي يدس السم بالعسل، وحري به وصف الاصمعي عندما تسمع البرغوثي معلقاً على هذه الميمية قائلا: (حفظ الناس قصيده الفرزدق في علي ابن الحسين تحديدا لأنها كانت معارضة للسلطان، كانوا يرون فيه ضعيفا يتحدى قويا، ونسي اكثرهم مدائحهم في بي امية لأنها ـ وان كانت شعرا بليغا ـ خلت من جمال الموقف، فما كان في ضعيف يمدح قويا ما يستحق التذكر والتخليد). ويضيف: (ان تحدي الفرزدق لهشام بن عبد الملك احيا قصيدته في مدح زين العابدين أكثر من بقية ديوانه لان في موقفه هذا شعرا مستقلا مفعولا مضاف الى الشعر المقول. إن الذاكرة الإنتقائية للشعوب سلاح في يدها يسعى الطاغية والغازي سعيا ليكتبا التاريخ، فيكتبانه ثم ينسى الناس منه ما شاؤوا ويذكرون ما شاؤوا فيكتبونه هم على طريقتهم).

ونحن نقول لك ولكل البراغيث التي تقتات على ما يلتقطه السجاد الفارسي من بقايا الدجل والشعوذة.. لقد حفظ الناس هذه القصيدة المكذوبة على الشاعر نتيجة للمكر الذي بذله المزورون والمدلسون من أمثالكم عبر الزمن واخفوا معه قصائد رائعة للشاعر في مدح قادة الأمة وفاتحيها ورموز مجدها التليد من الامويين.. وقد آن الأوان لأن نضع الأمور في نصابها.. وأن نلقم كل من يريد نشر الفوضى في ربوع بلادنا ويشيطن ولاة أمور المسلمين ويتكلم بسوء على رموز الامة حجرا يلجمه ويخرسه .. لأننا نحن الذين سنكتب التاريخ الصحيح.. ولأننا نحن من صنعه ويصنعه.. وعند ذاك ستتوارى أنت وصاحبك الاصفهاني وكل كذاب أشر في مجاهل النسيان.

19/3/2022

______________________________

[1] لمزيد من التفاصيل يرجى الاطلاع على تقرير شبكة ارم نيوز عبر الرابط https://www.youtube.com/watch?v=1TcCZp1jtfQ

[2] الجراجمة: مجموعة سكانية يقطنون المناطق على الخط الفاصل بين العرب والترك وعاصمتهم “جرجومة”، يغلب عليهم العرق الفارسي وظهروا في التاريخ كشعب قاوم الأمويين في مناطق الثغور. لمعرفة المزيد عنهم يرجى الاطلاع على مقالة د. بلال الصباح عبر مدونته على الرابط  https://al-sabbah.blogspot.com/2019/11/blog-post.html

[3] لمزيد من التفاصيل يرجى الاطلاع على المقالة كاملة عبر الرابط https://www.facebook.com/groups/636409259836882/permalink/1161081684036301/

التخطي إلى شريط الأدوات