إيران خطأ جغرافي ، وتاريخي أيضاً .. يجب علينا تصحيحه

د. طه حامد الدليمي

من أكثر الأفكار السياسية شيوعاً وتسليما، وأكثرها خطرا وضررا على الأمة.. القول بأن “إيران قدر أو حتمية جغرافية لا يمكن إزالتها”. أما شيوعها وذيوعها فمعلوم بحيث يمكنني الزعم بإن عامة من قرأ العنوان استغربه ونكره!

لا بأس سأجعله يستغرب أكثر؛ الحقيقة أن زوال إيران هو الحتمية الجغرافية.. حقيقة غفل عنها العرب قروناً طويلة. وعلينا أن نزيل قشورها ونضعها على الطاولة.

خطر القول بالحتمية الجغرافية لإيران يكمن في كونها تخصي العقل عن أن يفكر بحل حقيقي يقلع الضرس المتسوس من جذره فيريح الرأس المصدع من أصله. أي تمنعه من أن يضع في باله الهدف الاستراتيجي الذي يعالج المشكلة علاجاً كلياً، وهو إزالة هذه الدولة الخبيثة من الوجود.

إذا أرادت دول الجوار أو الإقليم، وبقية الدول أن لا تظل في صداع مستمر من إيران يهيج ويخفت في دورة تاريخية لا تنتهي، وإذا هاج دمر كل شيء في طريقه.. فعليها أن تضع هدف إزالتها نصب عينها؛ وذلك بتقسيمها دولا طبقا إلى مكوناتها القومية. وهو الشيء الطبيعي.

انظر إلى الخريطة تجد الفرس في الجهة الشرقية من إيران حصرا! أما من الغرب والجنوب فمحاطة كليا بالأذر والترك والكرد والعرب والبلوش على التوالي. فإذا نالت هذه الشعوب رغبتها وحقها المشروع في الاستقلال انتهت أسطورة إيران ومشكلتها المزمنة. هذه هي الحقيقة!

وانظر إلى الخريطة ثانية تجد إيران مطوقة بدول سنية متضررة منها. وهذا يعني أن الأمن العربي يقوم على بناء علاقة أمنية متينة مع أفغانستان وباكستان في الشرق امتدادا إلى الشمال حيث طاجيكستان وتركمانستان ثم أذربيجان. وهذا يجعل دولة الفرس مشغولة على الدوام بفكي كماشة من دول الجوار!

إيران خطأ جغرافي علينا تصحيحه

إيران خطأ جغرافي، اختلط بخطأ تاريخي، وعلينا تصحيح الخطأين.

تعامل جيل الفتح مع دولة فارس على أنها قابلة للابتلاع والذوبان في أحشاء دولة الإسلام، وأن الفارسي بمجرد إسلامه أو تظاهره بالإسلام يصبح (فرداً أو مجموعاً) عنصراً صالحاً داخل نسيج الدولة، مخالفين قول الحكيم المحدَّث: “ليت بيننا وبين فارس جبلاً من نار.

العقل العربي – بما اختص الله تعالى العرب من طيبة نفس ونقاء سريرة – يصعب عليه مواكبة المكر الفارسي والغوص فيه إلى أقصى أعماقه بما أوتي أصحابه من خبث نفس وفساد طوية. انظر لقد استوعب العرب فارس عسكرياً بينما استوعبت فارس العرب ثقافياً. الرابح الحقيقي إذن الفرس لا العرب، بل العرب تضرروا ودفعوا من الأثمان ما بلع الربح ورأس المال.

هذا خطأ وعلينا تصحيحه!

في رأيي أن العقل العربي يتأخر عن إدراك المكر الفارسي نصف قرن على الأقل، ويحتاج نصف قرن آخر ليتجاوز (فجوة التفعيل) وهي المسافة بين اكتشاف الفكرة وتفعيلها. لكن الملاحظة الأهم هو أن من وعى الفكرة عادة ما تضيع فكرته وسط ضجيج الجمهور؛ وبهذا يطول زمن التصحيح؛ فتكثر الخسارات في جانب، وتزيد الأرباح في الجانب الآخر.

نحن في حاجة إلى صاحب قرار يقتنع بالفكرة لنتمكن به من تجاوز (فجوة الجمهور) التي تهبط بأقدامنا إلى أعماق (فجوة التفعيل)، وتجعلنا كمجموع نراوح في مكاننا. وإلا فليس أمامنا سوى أن نطور أنفسنا حتى نكون نحن أصحاب القرار.

هل كان الشيخ محمد بن عبد الوهاب سيتجاوز (فجوة الجمهور) لو بقي بعيداً عن صاحب القرار؟ هذا هو الفرق الجوهري الذي جعله قادراً على تفعيل فكر شيخ الإسلام ابن تيمية، ويجعله حقيقة اجتماعية واقعة وتجربة سياسية رائعة من حيث عجز ابن تيمية نفسه عن فعل ذلك. لا يفوتك أن الشيخ الثاني إنما حرك بعض أفكار الشيخ الأول، بينما بقيت كثير من أفكاره إلى الآن ساكنة في مكانها تنتظر من يحركها.

إيران خطأ تاريخي أيضاً .. وعلينا تصحيحه

والأخطاء التاريخية التي ارتكبت كثيرة!

بدأها سعد (ض) يوم استدرجه الفرس إلى إسكان صفوة الجيش الفارسي “جندشاهنشاه” – البالغ عددهم من غير عوائلهم أربعة آلاف – في الكوفة؛ فكانوا بؤرة استقطاب لكل الحاقدين على الدولة الجديدة. وفي الكوفة، ومن قبل هؤلاء لا غيرهم، وضعت ديانة التشيع الفارسية. وبسبب هؤلاء لا غيرهم شوهت صورة العراق والعراقيين في نظر من حولنا على مر العصور. الكوفة ذات الطابع الفارسي هي السبب.. هي العلة!

وثنى وراءه علي (ض) يوم استدرجه الفرس إلى الكوفة بؤرة التآمر وعش الدبابير، كما كان قريباً من فارس؛ ما يسر على أساطينها إحكام القبضة عليه، بعيداً عن القوم والجيل الذي تربى في كنف الرسول e.

ثم ثلّث العباسيون فخرجوا على الأمويين، وباستدراج من الفرس أيضاً، وقضوا على دولتهم في المشرق؛ فخرجوا بدولة الإسلام من طابعها العربي إلى طابع فارسي من يوم أن تأسست تلك الثنائية اللعينة (الخليفة العربي والوزير الفارسي) إلى اليوم التي انتهت فيه على يد المغول باستدراج الفرس إياهم لهذا الغرض بعد 526 سنة.

واستمر الفرس حاضرين في كل الفتن والمآسي التي جرت على العراق والدول المجاورة، حتى تكلل ذلك بتأسيس الدولة الصفوية سنة 1501م، أي بعد 243 سنة من سقوط بغداد. واستمرت هذه الدولة وإن اختلفت أسماؤها وأنظمتها حتى اليوم. ومن قبل كانت ممتدة قبل الإسلام بمئات السنين. كل هذا تسبب في رسوخ فكرة الوجود الجغرافي الحتمي أو الأبدي لإيران، وأن إيران قدر جغرافي لا يزول. والحقيقة أن هذه الفكرة ليست أكثر من ملاحظة انطباعية سطحية لا تقوم على دليل؛ والعكس هو الصحيح.

إيران دولة مصطنعة قابلة بطبيعتها للتفكك والزوال

لا أقصد بإزالة دولة فارس قصفها بقنبلة نووية فنبيد أهلها ونمحو معالمها. إنما تغيير الخريطة الجغرافية الخاطئة التي عليها الآن والخروج بخريطة أخرى صالحة لا وجود فيها لتكوين أو دولة اسمها إيران؛ وذلك بتفكيكها وتحويلها إلى دويلات غير قابلة ثانية للالتئام.

هذا ما ثبتناه في الجزء الأول من (منهاجنا)، المتعلق ببيان (مشروعنا)، في الباب الذي خصصناه لـ(الحل الجذري لمشكلة الطائفية الشيعية)، وجعلناه أربع خطوات في مرحلتين، كانت الخطوة الرابعة (تفكيك إيران).

وذكرنا هناك ما ملخصه أن إيران ليست دولة متجانسة التكوين، إنما هي دولة مكونة من عدة شعوب وقوميات مختلفة اللغات والثقافات والديانات والأهداف: الفرس والعرب والكرد والأذر والبلوش والتركمان. والفرس أقلية حسيرة قد لا تصل نسبتها إلى 25% من مجموع السكان. ولا يكاد يكون لهم امتداد خارج حدود إيران، بخلاف بقية القوميات. وهذا عامل ضعف آخر يكشف عن اصطناعية الكيان السياسي للدولة. أضف إلى ذلك عوامل أخرى مهمة منها العامل الاقتصادي. يكفي أن تعلم أن أكثر من تسعة أعشار النفط الإيراني في الأحواز، وأنابيب التصدير عبر الخليج العربي تمر من خلالها!

حتى إطلاق اسم (إيران) علَماً رسمياً على الدولة لم يكن معروفاً قبل سنة 1935م، فقد كانت تسمى (بلاد فارس) حتى ذلك الحين. ثم أخذ الفرس باقتراح الإنجليز؛ فقد رأوا أن الاسم المقترح يحقق لهم مقاصد عديدة منها إضفاء نوع من صبغة ولو باهتة تجعل الناظر يرى في هذا التكوين المتناشز دولة واحدة.

السعودية .. هل ستفعلها ؟

يكفي هذا العرض المختصر لندرك كيف أن إيران – بجغرافيتها السياسية التي هي عليها اليوم –  دولة مصطنعة غير قابلة للصمود طويلاً أمام مشروع فاعل يسند شعوبها المتطلعة أساساً للتحرر من قيد هذه الدولة الشريرة. حينذاك سيرى العالم أن زوال دولة إيران من الخريطة حقيقة واقعة، تبرز خمس دول جديدة على أنقاضها.

علينا – مع ذلك – أن نضع من التحوطات ما يحجر الفرس داخل حدود هضبتهم القاحلة، ويمنعهم من إعادة تدوير دولتهم مرة أخرى.

هل ستتقدم المملكة العربية السعودية وتفعلها؟

لقد وعد الأمير محمد بن سلمان في مايس 2017 أن ينقل المعركة إلى داخل إيران. أملنا أن يستمر في ذلك فلا يتوقف حتى يفكك دولة الشر، فتحقق المملكة به إنجازاً ربانياً تاريخياً غير مسبوق، وتنال شرفاً جديداً إلى جانب شرفها التليد في إقامة دولة التوحيد. ووالله إنه لشرف لا يبلى على مر الدهور وكر العصور حتى يرث الله تعالى الأرض وما عليها!

لا يفتّـنَّ في عضدك أن هذا العمل غير مسبوق تاريخياً؛ فليس ذلك من شرط حركة التاريخ. إن التحديات الكبيرة في حاجة إلى مشاريع عظيمة. والمشاريع العظيمة في حاجة إلى أفكار بمستوى حجمها، وقادة على قدر التحدي.

فإن لم يفعلها أحد من غيرنا، فالله المستعان؛ نحن لها إن شاء الله.

وإذا كانت الأيام دول، فالدول أيام!

2022/5/17

التخطي إلى شريط الأدوات