تقريب الموالي .. الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه الخلافة العباسية

أ. العنود الهلالي

يخلط كثير من الناس بين السياسة العربية الخالصة التي انتهجتها الدولة الأموية في حكمها، وبين التعصب للعرب والعنصرية التي تحتقر غير العربي، والحقيقة أن الفرق شاسع بين الأمرين. فالدولة الأموية وإن اتبعت سياسة عربية خالصة في الحكم فجعلت أغلب الأمراء والولاة والعمال والقادة من العرب، وهو أمر طبيعي أن تستند الدولة إلى بني جنسها لتوطد أركانها وتثبت حكمها. إلا أنها لم تحرم الموالي وتقصيهم من أعلى المناصب، فمنهم قادة الجيش وولاة وعمال وقد عيّن الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه ، أبا المهاجر دينار والياً على إفريقيا بعد أن عزل عقبة بن نافع الفهري[1] . وقد بينت في المقال السابق كذب وبطلان شائعة إقصاء وتهميش الخلافة الأموية للموالي، فالواقع التاريخي يثبت أن الموالي كانت لهم مشاركة سياسية فاعلة في مختلف أجهزة الدولة الأموية وإن بقي الخط العام الذي سار عليه خلفاء بني أمية في سياستهم عربيا خالصا وهو يعد ميزة لهم لا نقيصة. فتأكيدهم على عروبة الدولة لم يكن عنصرية كما يزعم الموالي بل كان خدمة للعربية ونشراً  للدين وكان لخطوة تعريب الدواوين، وسك العملة، وتعريب نقوشها أثرها البالغ في تعزيز العربية والإسلام.

واعتماد الدولة الأموية على العنصر العربي وتقديمه على غيره دون اجحاف في حق بقية العناصر هو الذي حفظ لها وحدتها من التمزق رغم اتساع رقعة البلاد التي تحكمها. ثم إنه ليس من المعقول أن يطلب من دولة من عنصر ما أن تعتمد على عنصر آخر في تأييد قوتها وتثبيت أركان سلطانها؛ مع أن هذا العنصر يباينها في الأخلاق ويذكر وطنه الذي ينتمي إليه ولا ينساه، وهو الخطأ الاستراتيجي الذي وقعت فيه الدولة العباسية حين قربت الموالي واعتمدت عليهم..

سياسة العباسيين في تعاملهم مع الموالي

لم يكن للدولة العباسية في بدء حياتها عصبية قومية متحدة الأوصال وثيقة العرى وإنما كان الإسلام هو الذي يجمع بين تلك القوى. أي أنها ابتدأت على عصبية يتحد دينها وتختلف عناصرها؛ فاتخذ بني العباس من الموالي المصطنعين عصبية لهم، إضافة إلى عصبية بعض من اصطنعوهم من العرب الذين لم يهملوا شأنهم بل استعانوا بهم ليكونوا لهم ملجأ إذا رأوا من الموالي نكوبا عن جادة نصرتهم وميلاً إلى الاستئثار بالسلطان دونهم.[2]

لذا فإن ارتفاع شأن ومكانة الموالي في الدولة العباسية وتعاظم نفوذهم داخل مؤسسات الدولة، إنما كان نتيجة لتقريب خلفاء بني العباس لهم. فقد كانوا يسندون أمر وزارتهم إلى رجل يختارونه من الموالي، وقد نجح هؤلاء في ايصال عدد لا بأس به من رجالهم إلى أجهزة الدولة والإدارة.

وقد أدى هذا التقريب إلى نيلهم حظاً في الدولة لم يظفر به مناظروهم من العرب، فتمتعوا بالنفوذ والسلطان مما دفع كثيراً منهم إلى التفكير في استرداد عز الآباء الذي ما فتئوا يتوارثون ذكره.

فما النتيجة التي أفضت إليها هذه السياسة ؟

 

2022/6/5

_______________________________________________

[1] شاهين: محمد عمر، تاريخ الموالي

[2] محمد الخضري بك: الدولة العباسية – محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية

التخطي إلى شريط الأدوات