اعتماد الانجازات الاجتماعية ، لا السير الشخصية في التقييم التاريخي(2)

أول جيش يغزو مدينة قيصر قائده يزيد بن معاوية

أ. العنود الهلالي

ذكرت في المقال السابق أبرز المآثر والانجازات للدولة الأموية، وكان من أهم هذه المآثر كما قلت في ختام المقال؛ أنها دقت أبواب القسطنطينية ثلاث مرات وبذلك تحققت بشارة النبي صلى الله عليه وسلم بغزو هذه المدينة ، فقد تنبأ عليه الصلاة والسلام بهذه الغزوة ووعد أهلها المغفرة، فقال فيما رواه البخاري عن أم حرام بنت ملحان: (أول جيش من أمتي يركبون البحر قد أوجبوا ، وأول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم.)

كانت هذه الغزوة سنة 49 هجرية في عهد الخليفة معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه حيث تولى يزيد قيادة هذا الجيش. وقد اشترك في هذه الغزوة الكثير من الصحابة وأبنائهم مثل: أبو أيوب الأنصاري وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمر، والحسين بن علي وأبو ثعلبة الخشني. وهنا لا بد من وقفة لتصحيح الخطأ التاريخي الشائع حول هذه المدينة؛ اعني مدينة القسطنطينية، وبيان عوار المنهج الانحيازي الذي مارسه بعض المؤرخين وكتبة التاريخ في سياق تناولهم للتاريخ العثماني بشكل خاص.

حديث فتح القسطنطينية وأسطورة الفاتح

من الأحاديث الضعيفة التي راجت على الألسن حتى أصبحت مع مرور الوقت حقائق ثابتة ومسلمات تاريخية لا يجوز الطعن بها أو التشكيك فيها؛ حديث فتح القسطنطينية. وما نتج عنه من أسطورة الفاتح التي أُريد من الترويج لها إخفاء حقيقة، وغمط حق، وتهميش إنجاز بل ودفنه!

نرى أن التركيز على إشاعة هذا الحديث الضعيف، والحرص على نشره؛ نرى فيه صرفاً للإنظار – قد يكون مقصوداً – عن الحديث الصحيح الذي يعد منقبة لمعاوية رضي الله عنه لأنه أول من غزا البحر، ومنقبة ليزيد بن معاوية رحمه الله لأنه أمير أول جيش غزا مدينة قيصر..

سند الحديث الذي صنع أسطورة الفاتح العثماني

عند النظر إلى سند الحديث نجد أنه ضعيف، فهو من رواية عبد الله بن بشر الخثعمي وهو مجهول، لم يوثقه إلا ابن حبان، وذكر الحافظ في تعجيل المنفعة (1/ 721) الاختلاف في اسمه واسم أبيه وفي نسبه، فقيل: اسمه عبد الله، وعبيد الله، وقيل: عبيد بلا إضافة، وقيل: اسم أبيه: بشير، وقيل: بشر، وقيل في نسبه: الغنوي، وقيل: الخثعمي، ولذلك ذكره الألباني رحمه الله تعالى في السلسلة الضعيفة (778)، وقال: ضعيف، ثم ذكر الاختلاف في اسم عبد الله بن بشر وقال: «وجملة القول أن الحديث لم يصح عندي لعدم الاطمئنان إلى توثيق ابن حبان للغنوي هذا، وهو غير الخثعمي كما مال إليه العسقلاني»[1].

وبعد هذه الوقفة اليسيرة نعود إلى الضابط التأصيلي الذي اعتمدناه في قراءة التاريخ وكتابته، لنرى مدى فعاليته في إنصاف الشخصيات الإسلامية وتنقية التاريخ من المبالغات الممجوجة.  فعند تطبيقه على خلافة يزيد رحمه الله سنجد أننا أمام شخصية عظيمة غمط التاريخ حقها ووقع أسير مكر شعوبي خبيث قام بتشويه صورة الخليفة الذي امتثل سيرة والده الصحابي الجليل معاوية بن ابي سفيان – رضي الله عنه – في سياسة الدولة وحركة الفتح الإسلامي.

الجهاد في عهد يزيد بن معاوية

لما استخلف يزيد استطاع الجيش الإسلامي في جبهة افريقية أن يخترق بلادًا واسعة ويفتحها في سنة واحدة وأشهر، وهي ما تعرف الآن بالجزائر والمملكة المغربية.

أما جبهة المشرق فقد وصلت الجيوش الإسلامية إلى حدود الصين وتركستان، وثالثة في آسيا الوسطى فأين هذه الجهود العظيمة من التهاون الذي وصمه به مزورو التاريخ!

لقد أثبتت هذه الجيوش مقدرة يزيد رحمه الله على التصرف السليم في شأن رفعة الإسلام على الرغم من بعض القلاقل الداخلية إلا أنه رجل أثبت وجود الدولة الإسلامية آنذاك، وجعلها مرهوبة الجانب كما كانت زمن أبيه رضي الله عنه.

2022/8/16

 

________________________________________________

[1] إبراهيم بن محمد الحقيل، إبطال الاحتجاج بحديث فتح القسطنطينية على صحة مذاهب المبتدعة.

التخطي إلى شريط الأدوات