مقالاتمقالات أخرى

اعتماد الانجازات الاجتماعية، لا السير الشخصية في التقييم التاريخي (3)

المؤسس الثاني للدولة الأموية

أ. العنود الهلالي 

ذكرت في المقالين السابقين أهمية الضوابط التأصيلية في قراءة التاريخ وكتابته التي بينها الدكتور طه الدليمي في كتابه “هكذا نقرأ التاريخ وهكذا نكتبهومدى فعالية هذه الضوابط في تصحيح الآراء السائدة حول تاريخنا العظيم، وقدرتها على ضبط بوصلة تقييم الشخصيات والدول على أساس صائب بعيدا عن المبالغات التي لا يقبلها العقل. وفي هذا المقال سنطبق ضابطا آخر إضافة إلى السابق وهو: الانحيازية والانتقائية في تطبيق الضوابط العلمية. فيقول الدكتور طه في هذا الضابط: (قصَّر كتبة التاريخ والمحققون منهم في تطبيق الضوابط العلمية المتوفرة لديهم تقصيراً كثيراً، إذ طبقوها في حق بعض وأعرضوا عنها في حق بعض! وهذا واضح في تعاملهم مع تواريخ الأمويين؛ فلو طبقوا الضوابط نفسها التي يتبعونها في محاكمة تواريخ الصحابة، ما تسللت إلى ثقافتنا العامة تلك النظرة السوداوية (وهي نظرة شعوبية) عن الأمويين وشخصياتهم العظيمة.).

وعند تطبيق هذا الضابط والذي سبقه سنرى كيف أن تاريخ الدولة الأموية قد تعرض لقدر كبير من التشويه، فلم يسلم من خلفائها أحد؛ وإن علا شأنه في ميدان السياسة والعلم. ومن خلفائها العظام الذي نالت روايات الشعوبيين من سيرته، ولم تتورع أقلام كثير من المؤرخين من النيل منه الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، الذي يعد المؤسس الثاني للدولة الأموية والمؤسس الحقيقي للنظام الإداري والسياسي للإدارات الإسلامية في عهد الدولة الاموية. استطاع بمواهبه الفذة وحكمته التي شهد لها الأعداء إعادة توحيد الأمة تحت قيادته بعد أن كانت تواجه مخاطر التفرق والانقسام، فعبد الله بن الزبير يسيطر على الحجاز والعراق وأجزاء من بلاد المشرق، إضافة إلى حركات المعارضة الشيعية وثورات الخوارج ثم هناك الخطر البيزنطي في شمالي بلاد الشام الذي يتربص بدولة الإسلام ويتحيّن الفرصة لاستعادة الأراضي الشامية من أيدي المسلمين، ومع ذلك فقد احتفظ برباطة جأشه وحافظ على صفوف جيشه وقاده في بعض المعارك بنفسه ليدب الحماس في جنوده ويحمي دولته.

أولا: اعتماد الانجازات الاجتماعية، لا السير الشخصية في تقييم عهده

حكم عبد الملك بن مروان قرابة واحد وعشرين عاما حمل على عاتقه أطلس الدولة الأموية سامي المغلوثخلالها بعد أن أعاد توحيد الأمة تحت راية واحدة بناء دولة قوية داخليا وخارجيا، فلم تثنه المشكلات التي واجهته عن الإصلاحات الإدارية فأظهر براعة فائقة في إدارة دولته وتنظيم أجهزتها؛ فقام بتعريب الدواوين لضمان وحدة الدولة وتثبيتاً لكيانها السياسي، وكذلك قام بسك العملة الموحدة، وهو ما ضمن استقلال الدولة الإسلامية اقتصاديا بعد أن حرر اقتصادها من الاعتماد على العملات الأجنبية وبصفة خاصة الدينار البيزنطي. وظهرت حنكته السياسية والإدارية في اختيار الولاة والقواد فكان من ولاته المبرزين الحجاج بن يوسف الثقفي الذي عهد إليه بإدارة القسم الشرقي للدولة وكان الحجاج عند حسن ظنه؛ فبذل أقصى طاقته في تثبيت أركان الدولة والقضاء على المناوئين للحكم الأموي. وبلغت حنكته السياسية أقصاها حين لم يعزل كل من حاربه، بل استعمل من القادة الذين كانوا يحاربونه وعلى رأسهم المهلب بن ابي صفرة. واشتهرت فترة حكمه باتساع نطاق الفتوحات حيث استطاع ضم بلاد شمال افريقيا إلى دولته، واستعاد أرمينيا من سيطرة البيزنطيين وفتح المصيصة بعد أن فرغ من اخماد الثورات الداخلية، أما الجبهة الشرقية فلم تنشط بها الفتوحات ألا منذ تولي الحجاج ولاية خراسان مع العراق عام ٧٨هـ فغزا المسلمون بلاد ما وراء النهر وحققوا انتصارات باهرة.

ثانيا: الانحيازية والانتقائية في تطبيق الضوابط العلمية

“إن المنهج الحيادي والشمولي في تطبيق الضوابط العلمية تعتريه معوقات خطيرة، منها: التقديس والتدنيس المسبق، والتجريد المطلق”[1]. وهذان المعوقان ظاهران وبقوة في تناول كثير من المؤرخين لسيرة الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان وسيرة عبد الله بن الزبير. فحين نقرأ عن عبد الله بن الزبير نجد – نتيجة للتقديس المسبق – سيلاً من الروايات التي تذكر عباداته وزهده وطول صلاته مما لا تطيقه سوى الملائكة! في حين أن التدنيس المسبق الذي رسخ في الاذهان عن خلفاء بني أمية جعلهم يغضون الطرف عن أن عبد الملك كان فقيها واسع العلم والاطلاع، وأنه نال حظاً طيباً مما لديه من علم على أيدي صحابة رسول الله في حداثته، وعلى يد خيرة التابعين الاجلاء. وكانت شهرته كفقيه كبيرة جدا وكثير من الاعلام وصفوه بالفقيه، وكان أبرز من وصفه بذلك ابن عمر رضي الله عنه، كما وصفه نافع بأنه الأفقة في مدينة رسول الله. وعده أبو الزناد أفقه أربعه في المدينة حيث قال (فقهاء المدينة سعيد بن المسيب، وعبد الملك بن مروان، وعروة بن الزبير، وقبيضة بن ذؤيب) فلا يذكرون عنه إلا مزيجا من الأخبار والروايات المضطربة فهو فقيه عالم لكنه لما بلغه خبر استخلافه والمصحف في حجره ودّع مصحفه وأطبقه قائلاً: هذا آخر عهدي بك! وأنه كان له إقدام على سفك الدماء متأولين بذلك للخارجين على دولة الإسلام المثيرين للفتن؛ وهذا الحكم ليس إلا نتيجة للتجريد المطلق كونهم “ينتزعون الحدث من سياقه وظروفه التي أحاطت به، ويغفلون عن النظر إلى حكم الشرع فيه،  والصواب أن لا ينظر إلى الحدث، أي حدث، مجرداً عن ذلك وأشباهه، وإلا وقعنا في أحكام جائرة له أو عليه”.[2]

2022/8/31

_________________________

[1] د. طه حامد الدليمي، هكذا نقرأ التاريخ وهكذا نكتبه

[2] المصدر السابق

اظهر المزيد

‫11 تعليقات

  1. استهداف منظم ومقصود من قبل الشعوبية ومن ورائها المؤسسة العميقة للنيل من تاريخ الامة وفضلها ومكانتها الريادية وبالخصوص الدولة الاموية فخر العرب ..

    1. مقال يبين لنا ميزة الحكم الراشد الذي يستنهظ الدولة الإسلامية وينقذها من عواصف الفتن والمؤامرات الداخلية التي حيكت من قبل الشعوبين الذين يستغلون النفوس الضعيفة لتشوية تلك الدولة الأموية بقادتها الاوفياء معاوية بن أبي سفيان وعبد الملك بن مروان رضي الله عنهم التي أنشأت على أساس متين على نهج رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم.
      فرق كبير بين العابد وبين القائد
      العابد همته لنفسة والقائد همته للأمة.
      جزاكم الله خيرا.

  2. بوركتِ أستاذه العنود على هذهِ المقاله ألتفاته رائعه👏🏻🍀
    تحياتي للدكتور طه حامد الدليمي ولأهل التيار السني. ⚘

  3. جزيتِ اختنا العنود وبارك الله فيك على هذه المقاله المليئه بالحداث المشوقه~
    لقد كانت الدوله الامويه في القديم دوله عضيمه بمعنى الكلمه انها حقا تستحق ان يقال لها “انها فخر العرب”
    والفضل يعود الى عبد الملك بن مروان وهو المؤسس الثاني للدوله الأمويه بعد ان عاد توحيد الامه تحت رايه واحده ولقد جعلها دوله عضيمه من الداخل والخارج~
    وانهي كلامي مع خالص الشكر والسلام ختام.. 👋💗

  4. مقال فيه ثروة فكرية 👑 هائله وسلسه ، سلمت اناملكم وبارك الله جهودكم وزادكم من فضله 🤍🤍🌹

  5. الخليفة عبدالملك بن مروان طالت سيرته الكثير من الاكاذيب وخاصة من المستشرقين
    طبعا لا عتب على المستشرقين فأغلبهم لديه رغبة دفينة في تشويه تاريخنا لكن العتب كل العتب على بني جلدتنا الذين لم يننتصروا لهؤلاء الائمة العظام وراحوا يرددون كالببغاوات اكاذيب الشعوبية ومن جاء بعدهم من مزوري التاريخ

  6. بقدر ما قدم الأمويين من إنجازات حضارية عربية
    وفتوحات اسلاميه عظيمة….شوهت سيرتهم وسرق تاريخهم ونسب لغيرهم!!
    اين فقهاء الأمة الإسلامية أين أساتذة التاريخ ومؤريخها
    عندما وضع الشعوبية دسائسهم الفارسية
    لدفن تاريخ عظماء بني أمية وحضارتهم الإسلامية
    بوركت جهودك أستاذة عنود لما تقدميه من مقالات تاريخية ذات ثقافة سُنية

  7. هذا مقال بالغ النفع، واضح الفكرة، وأرى أنه ثمرة فهم متميز للكتاب الذي ينقل عنه هذه الضوابط
    يبدو لي ان الكتاب قيم جدا ويستحق الاقتناء.
    حبذا لو اخبرتمونا في اي المكتبات السعودية توجد كتب د.طه حفظه الله.
    وشكرا مجددا على هذا المقال المسدد

    1. حياك الله أخ أحمد ..
      بالنسبة لكتب الدكتور تتوفر بالسعودية من خلال دار عالم الكتب وعلى الاغلب ستجدها أيام معرض الكتاب.
      وايضا يمكنك الحصول عليها من خلال منصة الـ payhip من خلال الرابط:
      https://payhip.com/b/C9lxp

  8. احسنت بارك الله فيك
    الخليفة عبدالملك بن مروان وايضا الوليد وهشام رحمهم الله جميعا له سيرة حسنة في ادارة الدولة الاسلامية وقد كان ادارتهم الفذة وحكمهم الراشد هو اللبنات الاساسية التي قامت عليها الفترة الذهبية للحضارة الاسلامية في عهد الدرلة العباسية.
    رحم الله خلفاء بني أمية وجزاهم عن الاسلام والمسلمين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: