يُرضِيكَ يَا رَبِيع ؟!

د. طه حامد الدليمي

قصة قصيرة / بمناسبة الذكرى 42 .. للعدوان الفارسي على العراق .. في 4 أيلول 1980

 

فتحتُ عينيَّ باكراً لصلاةِ الصبحِ فجرَ ذلكَ اليومِ.

إحساسٌ ثقيلٌ بالتوجسِ من شيء أحاول عبثاً تجاهلَهُ.. يجتاحُني.

ذاكرتي ملأى بشجون ذكرى قديمة، أحتاج ستة أشهر فقط لأقول: “ها قد مرّ عليها عشرون سنة”. الحقيقة أنها ثلاث وعشرون، لكن ماذا أفعل إذا كانت كبرياء الجلال كثيراً ما تمنع الحقيقة أن تُطلَّ إلا من وراء حجاب؟

الغريب أنني أختـزن في داخلي ذكرى مشابهة، ومع أنها تحكي ما جرى ويجري أفضل مما تحكيه الأولى، عدا أنها أقرب إلينا منها بحزمة سنين، لكنها لم تشغل سوى مساحة قليلة جداً من حيّـز ذاكرتي المشحونة صباح ذلك اليوم.

لماذا؟

الحقيقةَ أقول لكم: لا أدري.

* *

الآن تذكرت..!

لعل السر يكمن في دهشة الحدث الأول. الحرب لها دهشتها الأولى أيضاً. ليس الحب وحده.

في صبيحة تلك الدهشة بُعَيْدَ بزوغ الشمس بقليل، كنت أحمل حقيبتي متوجهاً إلى الكلية، أقطع مشياً على الأقدام ذلك الطريق الزراعي الطويل بين بيتنا القديم في ريف (الخياميات) ومجمّع السيارات في مدينة (المحمودية)، والجو مُفْغَمٌ بنسمات أيلول، لأتخذ سبيلي من هناك إلى بغداد. وبينما أنا أخترق بستان (اجْلِوي) بنخيله الباسق، وأشجار البرتقال والرمان تتوزع فيما بينها، وبلبل يصفر فرحاً ويغرد جذلاً وهو ينتقل من شجرة ويحط على أخرى.. إذا بأصوات غريبة لم أعهدها من قبل تتناهى إلى سمعي من بعيد!

هل هي أصوات انفجارات؟! ابتسمت ابتسامةً جامدةً وهززت رأسي كأنني أنفي قشة سقطت عليه؛ حتى في عالم التوهُّمِ.. ذلكَ غيرُ معقول!

توقفتُ برهة.

تلفتُّ يميناً وشمالاً، ولويت جيدي إلى الخلف.. لم أر أحداً أسأله. فإلى تلك اللحظة لم تألف أسماعنا مثل هذه الأصوات، بل لم نسمع بها من قبل إلا في نشرات الأخبار، عن أصقاع لا نعرف منها إلا الأسماء!

سكتَ البلبلُ وطار مذعوراً، وواصلت المسير.

عبرت سكة القطار باتجاه مجمّع السيارات. وأثناء مروري بالسوق المزدحم وجدت الناس يتحدثون عن.. عن الحرب!

كان ذلك يوم الرابع من أيلول قبل اثنتين وأربعين حجة. يوم محفور في رُقم ذاكرتي لا يزول ولا يحول! وأنى له ذلك وهو آخر الأيام الجميلة في حياة أهل العراق!

بعدها كثرت الأصوات والانفجارات فما عاد أهل العراك، عذراً؛ قصدت أهل العراق، ينامون، ولا يصحون، إلا على عزيفها.

* *

هذا بعض ما رشح عن ذاكرتي وأنا أفتح عينيّ للتوِّ فجرَ ذلك اليوم.

أفقتُ من فراشي متثائباً. ملأت الإبريق من حِب ينتصب في زاوية من الدار وخرجت أتلمس دربي بين الأحراج.

كان النسيم منعشاً وهو يلامس أطراف السنابل التي ما زالت خضراء والربيع في أيامه الأولى. السكون سيد الموقف، إلا من سقسقة قُبّـَرة ترسل آخر تسبيحاتها المعتادة أولَ كل صباح.

كل هذا كنت أراه ولا أراه.. أسمعه ولا أسمعه. وأتلفت هنا وهناك والقلب يبعث برسائل مريبة..

لقد توعدنا العلـج قبل ساعات، وسـحبت الأمم المتحدة لجانها يوم أمس.. نذر حرب باتت وشيكة، وعلى إثرها نقلت العائلة عجلاً إلى حيث بيتنا القديم في ذلك الريف الوادع الجميل، تاركاً بيتنا الجديد في حاضرة اللطيفية غارقاً في إرهاصات دهشته الأولى.

سلمت التسليمة الثانية والصبح قد أسفر، وقبل أن أستدير مستقبلاً بوجهي أفراد العائلة الذين كانوا يُصَلون خلفي دوّى الفضاء بأصوات ألِفْناها وألِفَتْنا منذ ثلاث وعشرين سنة.

وانفرط عقد التوجس!

واهتزت السنابل في الخارج أكثـر. لكنها هذه المرة ليست طرباً بمغازلة النسيم، ولا خشوعاً لتسبيح القبَّرات التي طارت خائفة مرتعدة.

هذا ما حدث يوم الخميس العشرين من آذار، بعد مفتتح الألفية الثالثة بثلاث سنين.

ومن يومها لم يعد الربيع إلى ديارنا.

* *

يرضيك يا ربيع ؟!

24 آذار 2018

 

التخطي إلى شريط الأدوات