الخليفة الذي وصلت جيوشه وسط فرنسا

اعتماد الانجازات الاجتماعية، لا السير الشخصية في التقييم التاريخي (5)

أ. العنود الهلالي

حين تزدهر البلاد ويسود الامن أرجاءها ويهتم الحاكم بإصلاح الأرض، واصطناع الرجال، وتحصين الثغور، ونشر الإسلام وإقامة الأقنية، وإشادة الجسور، ورعاية العلم والثقافة فإن ذلك يعني أن هذا “الحاكم” راشد في حكمه. و (الرشاد هو علة التفضيل في أي نظام للحكم بصرف النظر عن شكله واسمه وسِمَته: خلافة كان أم مُلكاً أم غير ذلك.) كما يقول الدكتور طه الدليمي في كتابه الملك الراشد خلافة على منهاج النبوة. ويقول أيضا تحت عنوان “الرشاد في الحكم مفهوم سياسي، بالقصد الأول، لا مفهوم ديني”: (ليس مطلوباً من الحاكم من حيث الديانة أكثر من أن يكون محافظاً على الواجبات مبتعداً عن المحرمات. هذا هو النصاب المطلوب في ديانة الحاكم، وما زاد فليس شرطاً لازماً. هكذا يكون الفائق في سياسته هو الأرشد في خلافته ما دام حائزاً على النصاب المقبول في ديانته. وليس مطلوباً من الحاكم غير ذلك).[1] ويشمل هذا الوصف جل خلفاء الدولة الأموية. وهو يشمل أيضا خلفاء الصدر الأول لا سيما أبو بكر، وعمر رضوان الله عليهم أجمعين. أما حصر الحكم الراشد بعصر الخلفاء الأربعة دون غيرهم فهو خطأ شائع في ثقافتنا وله معان خطيرة قد لا يتنبه لها كثير من الناس، ثم إن (هذا القول السخيف أشبه بقول الشيعة إن الصحابة ارتدوا إلا خمسة. كلاهما خرج من سبيل واحد، وابتلعته الثقافة الرائجة مع ما ابتلعته من نفايات الدس الشعوبي)[2].

الخليفة الراشد هشام بن عبد الملك رحمه الله

استخلف هشام سنة ١٠٥هـ، وله من العمر أربع وثلاثين سنة ونصف، وفرح الناس باستخلافه؛ لما عُرِفَ عنه من عقل وحكمة. فقد أحسن أبوه تربيته فنشأ رجلًا عاقلًا حليمًا عفيفًا مدبرًا سائسًا، حتى شُبِّه بمعاوية وعبد الملك، وذكر المسعودي أن المنصور العباسي كان يقتدي به في أكثر أموره وفي سياساته وتدبيره للدولة، وفي إصلاحاته وتعميره للأرض والدولة واصطناع الرجال[3].

بالعودة إلى الضوابط التأصيلية في قراءة التاريخ وكتابته التي بينها الدكتور طه الدليمي في كتابه “هكذا نقرأ التاريخ وهكذا نكتبه” وكنت قد ركزت في المقالات السابقة على ضابطين مهمين من تلك الضوابط وهي: اعتماد الانجازات الاجتماعية، لا السير الشخصية في التقييم التاريخي، وعدم الانحيازية والانتقائية في تطبيق الضوابط العلمية، وأضيف لهما في هذا المقال ضابطا آخر وهو: الحذر من القصاصين.

أولا: اعتماد الانجازات الاجتماعية، لا السير الشخصية في التقييم التاريخي

اهتم هشام بأمور الدولة الداخلية وكان إداريا من الطراز النادر فعمل على تنظيم الدواوين، وكان يضع الرقباء والعيون من خيار الناس على ولاته وعماله ليتأكد من سيرهم بالعدل، وقضائهم حوائج الخلق، ولا يكتفي بذلك، بل يتعرض للناس بنفسه يسأل عن أحوالهم، ويحرضهم على المطالبة بحقوقهم. وكان شغوفا بالعلم والاطلاع على الآثار الأدبية الخاصة بالأمم الأخرى فعمل على رعاية العلم والثقافة، وترجمت في عهده الكثير من المؤلفات[4]. وعمل على إصلاح الزراعة وزاد مساحة الأراضي المزروعة على ضفاف الأنهار وفي أرجاء الدولة. أما سياسته الخارجية، فقد “كانت جيوشه تقف بالمرصاد للروم، واستمر في إقامة الحصون على الحدود، وكان قواده لا يكفون عن الغزو والجهاد، وكان هشام يسند قيادة الجيوش في معظم الأحيان إلى رجال من أسرته، مثل: أخيه مسلمة بن عبد الملك، وأبنائه معاوية وسليمان وكانت يداه -دائمًا- مشغولتين بالمشروعات الحربية في أكثر المواضع تباعدًا”[5] فقد وصلت الفتوحات إلى بلاد الغال بقيادة عبد الرحمن الغافقي الذي ألحق هزائم كبيرة بالنصارى الإفرنج وتابع عبد الرحمن انتصاراته إلى أن وصل إلى بواتييه التي تقع في وسط غرب فرنسا.

ثانيا: عدم الانحيازية والانتقائية في تطبيق الضوابط العلمية

ينحاز كثير من المؤرخين المتقدمين منهم والمتأخرين إلى حركات المعارضة المسلحة التي قامت ضد الدولة الأموية، ويعتبرون مواجهة بني أمية لها بحزم وقوة لحماية وحدة الدولة الاسلامية ظلما واستبدادا سياسيا!

وعند النظر في ثورة زيد بن علي بن الحسين الذي حدَّثته نفسه بالخلافة، ورأى أنه أهل لها، وعرف أهل «الكوفة» منه ذلك، فزيَّنوا له الثورة على هشام بن عبد الملك نجد أن ثورته هذه مخالفة للشرع وخروج على إمام المسلمين وتفريق لوحدة الدولة المسلمة، ورغم ذلك يمجد بعض المؤرخين هذا الخروج ويحاول التماس المعاذير له بزعم أن زيداً صاحب شخصية فذة، لا تقبل الذل مما جعلته شامخاً كالطود، فقد اتصف بالغيرة على الحق ومحبة العدل ومحاربة الظلم.. أي أن ثورته ثورة إصلاحية!! وهذا لمز صريح لحكم هشام الذي فرح الناس يوم استخلافه لما عرف عنه من عقل وحكمة. وليس من سبب لهذا التأويل البارد إلا الرهاب السني من تخطئة شخص ينتمي لـ (آل البيت)[6] وزيد بن علي من “آل البيت” إذن هو على صواب وبنو أمية على خطأ!

ولا أعلم هنا أأعجب من تمجيدهم المطلق لحركات المعارضة للأمويين أم من تجريمهم مواجهة الأمويين الحازمة لهذه الحركات المزعزعة للسلم والأمن المجتمعي.!

ثالثا: الحذر من القصاصين

القارئ لسيرة هشام رحمه الله سيعجب من الطريقة التي كتبت بها هذه السيرة والتي سيراها تتكرر في كل كتاب يتناول شيئا من سيرة هذا الخليفة: فهو يعد من رجال بني أمية الأفذاذ لولا (بخله)..  كان حليمًا عفيفًا مدبرًا، ولولا (بخله) لكان من رجال الطبقة الأولى في بني أمية. ولا ينفك هذا الاستثناء يتكرر مع سيل من القصص والروايات التي تؤيد وتؤكد هذه الصفة القبيحة.

بينما الحقيقة التي تكشفها تلك القصص الملفقة بسذاجة وغباء؛ تثبت أن هشام بن عبد الملك كان شديد المراقبة للمال العام، شديد المحاسبة للمشرفين على الديوان، وحريصًا على مال المسلمين، كما مر بنا عند الحديث عن انجازاته الادارية. لكن الشعوبية كما يقول د. عبد العزيز الدوري: (كلما لاحظوا عملا رائعا حاولوا تقليل شأنه بنسبته إلى أمور تافهة). وكان الاسلوب القصصي من أدواتهم الناجعة التي مرروا من خلاله الكثير من أكاذيبهم التي شوهوا بها سير خلفاء دولة الإسلام.

2022/10/17

__________________________________________________________

[1] د. طه حامد الدليمي، كتاب الملك الراشد خلافة على منهاج النبوة

[2]  د. طه حامد الدليمي، مقال ثلاثة عشر قرناً من الخلافة الراشدة

[3] محمد أسعد طلس، كتاب عصر الاتساق

[4] ترجم مولاه سالم بعض كتب أرسطو إلى العربية، كما ورث ابنه جبلة بن سالم عن أبيه كثيرًا من معارفه وعلومه

[5] يوليوس فلهاوزن، تاريخ الدولة العربية

[6] هذا المصطلح دخيل على لغة العرب بالمعنى الذي شاع في ثقافتنا السنية وقد بيَن الدكتور طه الدليمي في مقال له بعنوان الأهل وأهل البيت ، والآل وآل البيت .. بين الأصيل والدخيل دخالة هذا المصطلح على معاجم اللغة

التخطي إلى شريط الأدوات