جذور الفوضى الخلاقة

د.طه حامد الدليمي

من لم يقرأ التاريخ مرة تولى التاريخ قراءته في كل مرة.

ومن لم يجعل الجغرافيا أحد عوامل معادلة القراءة كانت الجغرافيا أحد أكبر العوامل الساندة لكي يعيد التاريخ نفسه عليه مرة ومرة ومرة.

تاريخياً، الفرس هم أول من صنع (الفوضى الخلاقة) وعمل على نشرها في الأرض. وكانت (بلاد الرافدين) أول أرض أصابها شرار الفتنة، وهي أول المقصودين بها. ومازال الصانع يصنع، ومازالت (بلاد الرافدين) تتلقى الشرار المتطاير من كير الصانع نفسه.

وما زالت الفوضى وخطرها يهدد دولنا العربية منذ أن (نجحت) التجربة الصفوية الصليبية في تحقيق هدفها سنة 2003 في العراق. وها هي المحاولات مستمرة وتعيد الكرة بعد الكرة، من أقصى الشرق (الأحواز والسعودية والإمارات) مثال، إلى السودان ومصر (غداً 11/11/2022) مخطط لانطلاق مظاهرات فتنة في مصر) وصولاً إلى الجزائر والمغرب.

أول مطفئ لنار (الفوضى الخلاقة) في تاريخ الإسلام

لا يفهم دور أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان على وجهه، ولا عظمة الدولة الأموية، ولا من أين تسللت الشخابيط التي شوهت وجهها الجليل الجميل، ما لم نتعرف على الخطوط الرئيسة لخريطة المؤامرة الفارسية والملامح العامة لصورتها المعبرة عنها ولو بعناصرها الأساسية. وهذا ملخص بذلك على شكل نِقاط مختصرة ثم أشرع – في مناسبة لاحقة إن شاء الله – بشرحها بشيء من التفصيل:

الصورة المختصرة لجذور المؤامرة الفارسية

بدأت الخطوات الأولى على طريق المؤامرة الفارسية بعد معركة (نهاوند) مباشرة سنة 21هـ، التي سميت (فتح الفتوح) لأنها المعركة التي أنهت الوجود السياسي للإمبراطورية الفارسية وفتحت أبواب الشرق أمام الفتح العربي الإسلامي.

حزب وحلف عباسي فارسي علوي

في الوقت نفسه دفعوا رؤوس البيت العباسي لتكوين حزب سري كان دعاته فرساً يقودهم أمثال أبي سلمة الخلال وأبي مسلم الخراساني، وهو من أبناء ملوك فارس. واشترك معهم بعض رؤوس العلويين في هذه الفتنة. تمكن هذا الحزب العربي بالتعاون مع الجهد الفارسي المنظم: العلني والسري من اجتثاث الدولة الأموية سنة 132هـ، وتأسيس دولة عربية في خلافتها فارسية في وزارتها وإدارتها وكثير من مظاهر وجوانب ثقافتها والبنية التحتية لها.

تكللت جهود الفرس بعد خمسة قرون ونيف من اقتلاع الدولة العباسية سنة 656هـ/ 1258م، وإنهاء آخر رسم للخلافة العربية في تاريخ العرب باستقدام المغول إلى بغداد، وكان الدور الأكبر لوزير الخلافة الفارسي مؤيد الدين ابن العلقمي يسانده من فارس نصير الدين الطوسي.

بعد قرنين ونصف من ذلك نجحت المؤامرة الفارسية لأول مرة في تاريخها في إزالة الصبغة السنية لبلاد فارس وتأسيس دولة شيعية الصبغة هي الدولة الصفوية سنة 1500م.

المؤامرة في حلتها الجديدة .. الفرس والصليبيون

اتخذت المؤامرة منحى أخطر بعد هذا التاريخ إذ تحالفوا مع الصليبيين: البرتغاليين أولاً ثم تسلم الإنجليز زمام المؤامرة المزدوجة من بعدهم. وكان الهدف من هذا التعاون المزدوج تمكين الشيعة يقودهم الفرس من عنق الأمة كي يتخلص الغرب الصليبي من خطر الفتح الإسلامي، على قاعدة جديدة متطورة للمؤامرة، هي (الدفاع عن الغرب يبدأ من الشرق).

للمؤامرة جوانب أُخرى في حاجة إلى استحضار، يأتي على رأسها الجهد العلمي والثقافي الذي اجتاح فيه الموالي حلقات العلم ومجالسها، وأحاطوا – أول من أحاطوا – بعبد الله بن عباس في الطائف. وعملوا الشيء نفسه مع آخرين من علماء الصحابة مثل عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص، مستغلين ظاهرة اتخاذ الموالي عبيداً وخدماً في البيوت. فكانت ثغرة لم يعمل أحد على رتقها! وُضعت الأسس الأولى لهذا الجهد في (مؤتمر نهاوند).

أفصح هذا الجهد العلمي عن نشاط خطير قادته الحركة (الشعوبية) التي ظهرت واضحة منذ الأيام الأولى للدولة العباسية.

وما زالت المؤامرة الفارسية تعمل على هذا الأساس حتى اليوم، وهي في أطوارها الأخيرة.

في ضوء هذا الاستعراض السريع نفهم الدور الخطير الذي كان يضطلع به أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان في الوقوف ضد المؤامرة الفارسية. وفي وسط هذا السُلَّم المتسلسل لدرجات المؤامرة نعرف على أي درجة خطيرة كان يقف هذا الرجل العظيم! وما سر تشويه سيرته، والجذور الخفية الكامنة وراء تشويه الصورة الناصعة لدولة الإسلام في طورها الأموي العظيم!

التخطي إلى شريط الأدوات