التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

أيها الشيوخ (3)

إلى متى تجهلون أو تتجاهلون الحقيقة ؟

13. نحن مع القرضاوي في موضوع المصارحة. لكنه هو ليس مع نفسه فيها. وكان أصرح ما قال – وهو ما نشكره ونحرضه عليه، ونشد بأيدينا به على يديه – قوله: “لا أستطيع أن أضع يدي في يدك إذا كنت أقول عن الصحابة وأم المؤمنين عائشة رضي الله عنهم وأنت تقول لعنهم الله”. كما أشار إلى بعض المصنفات لمراجع شيعية تسب الصحابة”.

أما مطالبة فضيلة الشيخ القرضاوي رافسنجاني “بفتوى صريحة من المراجع الشيعية تحرم سب الصحابة وتدينه”.

فنقول عنها : هذا لا يحل المشكلة . فإن تكفير الصحابة – وهو أعظم من السب واللعن – أصل لا يمكن لهم التخلي عنه، وهو من لوازم القول بالإمامة. وقد بني دينهم عليها وعليه. وهو شائع في آلاف الكتب المصدرية والفرعية والدعائية عندهم؛ فليس من المعقول أن يمسح هذا التراث المتراكم بفتوى، سيحملها الجمهور على مبدأ التقية. هذا لو حصلت. فكيف وأنفسهم لم تسمح لهم – ولو من باب المجاملة لكم – بإصدارها! إذن أنت لا تستطيع – ولا هو يستطيع – أن تضع يدك في يده. وهذا ما نقوله. ولذا علينا أن نخرج موضوع الدين الواحد من المعادلة. ونتحدث في دائرة السياسة والمصلحة.

والشيء نفسه نقوله عن قوله: “لو صدرت فتوى واضحة بتحريم فرق الموت من مرجعيات إيران لانتهت (المشكلة).. ولماذا لا تصدر فتوى توجب المقاومة بوضوح؟”. لكن أضيف: نريد من علمائنا أن يكونوا أكثر معرفة وتشخيصاً لحقيقة المشكلة، ونفسية الآخر، وكيف يفكر. وأكثر شجاعة وصراحة في الإعراب عن العلاج الصحيح لما هو بصدده من مشكلة، بل كارثة، والتصدي لدفعها. فإن كان غير قادر؛ فليقل حتى يبرئ ذمته، ويترك الأمر لأهله.

ما الذي نفعل بالفتاوى؟ وماذا نفعتنا؟ وعندكم ما سمي بـ”وثيقة مكة”! ألا تكفي؟ أم إن جلودنا تعودت اللدغ من الجحر نفسه، واستمرأته، ودمنا تشبع بسمه؛ فلا نحس بالمزيد، بل نطلبه ونستحثه كالمدمن على المخدرات؟!!! وها هو رفسنجاني يرد عليه صادقاً فيما يقول: “يبدو أنه يجب أن أكرر أننا حرمنا ذلك، جميع العلماء والنظام في إيران يعتبر هذه الجرائم حراما وهي من المعاصي. إننا أيدنا المقاومة ضد المحتل وكررنا هذا عدة مرات”. نعم لقد قالوا – أكرر: “قالوا” – ذلك. إنها مجرد أقوال لا تكلفه شيئاً. فهو لا يتردد من تكرارها. إنها مجرد أقوال؛ فماذا تفعل بالمزيد منها؟ يخيل إلي أنكم لستم واقعيين؛ فتتصورون أن الحال تنصلح بمجرد الأقوال. وحين لا يحصل شيء، تتصورون أن العلة في عدمها، فترجعون إلى النقطة نفسها. وهكذا إلى ما لا نهاية! الرجل يقول لك: لقد أفتينا وحرمنا وقلنا. فجوابه إما بالمطالبة بما يدل على أنه قد فعل ذلك. وإما بالمطالبة بالعمل طبقاً للقول. وعندها سترى أن مطالبتك المراجع الشيعية بالإفتاء لا محل له من الأساس.

 

14. قال الشيخ القرضاوي “إذا اعتدي على إيران سنقف ضد المعتدي، ولا نسمح له بالعدوان” .

وأنا أسأل الشيخ القرضاوي: ما هو تصنيفه لإيران بالنسبة للعراق؟ هل هي من صنف المعتدين؟ أم صنف المعتدى عليهم؟ ولا أظن أحداً في حاجة إلى الجواب. إذن ليطبق الشيخ الفاضل قانونه هذا على الحالة. فيقف مع العراق ضد إيران، ولا يسمح لها بالعدوان عليه. أم لا زال الأمر ملتبساً بحيث لا نعرف من الجلاد؟ ومن الضحية؟

إيران – أيها السادة – ليست معتدية فقط، بل هي عدو لا يقل خطراً عن عداوة يهود للأمة العربية والإسلامية. تاريخها – البعيد والقريب – يشهد على ذلك، وعقيدتها كذلك. وواقعها الحي – قولاً وعملاً – شاهد ثالث.

لقد أسهم الفرس في جميع الفتن والحروب التي شنت على الأمة، منذ مقتل عمر بن الخطاب على يد أبي لؤلؤة فيروز النهاوندي، وإلى يوم احتلال بغداد في 9/4/2003 الذي قال فيه محمد أبطحي نائب الرئيس الإيراني السابق – ومن أرض الإمارات العربية في ختام أعمال مؤتمر «الخليج وتحديات المستقبل» الذي نظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية في 15/1/2004 – : “لولا إيران لما دخلت أمريكا العراق وأفغانستان”! مروراً بالانقلاب العسكري على عثمان بن عفان، ومقتل علي بن أبي طالب، ومن قبله الخروج المتكرر عليه، حتى استغاث بزياد بن أبي سفيان، ومحاولة اغتيال الحسن، ومقتل الحسين، وإزالة سلطان دولة الإسلام على عهد الأمويين، ثم على عهد العباسيين حين غزا المغول بغداد وأسقطوا الخلافة الإسلامية، وما تخلل ذلك من مؤامرات على جميع الصعد الفكرية والسياسية والعسكرية. مثالاً على ذلك البويهيين، وما فعلوه من خراب وتشجيع للحركات الباطنية الهدامة، والأفكار والطقوس الطائفية، مثل الإعلان بسب الخلفاء الراشدين وأمهات المؤمنين، واستحداث اللطم والعزاء في عاشوراء، وإشاعة الفاحشة والشذوذ الجنسي. وما الحركة الشعوبية إلا إفراز للعقلية الفارسية، ونفسيتها المعقدة الحاقدة على العرب.

هذه نقطة من مستنقع الفتن والتآمر والعداوة الفارسية للأمة. وأبسط وأوضح شاهد مقام فيروز قاتل عمر بن الخطاب، الذي ينتصب شاخصاً اليوم في جمهورية إيران (الإسلامية) على مرأى ومسمع العالم، يحج إليه الإيرانيون، مقدسين المجرم المجوسي – تصور المجوسي!!! – مترحمين عليه، ويلعنون الرجل الثاني في أمة الإسلام. وشعارات الترضي والتقديس للكافر المجوسي، واللعن لخيرة الأمة مكتوبة على الجدران! فكيف يمكن التصديق بأن حكومة وأمة تكره عمر – بل تكره دين عمر – إلى هذه الدرجة يمكن أن يكونوا في يوم أصدقاء وحلفاء لنا؟!

ما الفرق بين كيان إسرائيل وإيران؟ هل عداوتنا لإسرائيل إلا لأنهم احتلوا فلسطين؟ فإيران تحتل العراق، وارتكبت فيه من المجازر ما لم يرتكبه اليهود في فلسطين. فلماذا لا تكون عدواً لنا حتى ترفع يدها عنه؟! وكما أن الشيخ الجليل لا يرضى – ولا نرضى نحن – أن يزور أحد منا (إسرائيل) ، ليصرح منها أن من اعتدى عليها فنحن له بالمرصاد، كذلك لا نرضى أن يزور هو إيران عدونا الأول – نحن العراقيين – ليصرح منها بتصريح مشابه. وإلا فنحن نعيذه ونربأ به أن يكون من الذين يكيلون بمكيالين.

ألا إن إيران أخطر من (إسرائيل)؛ فـ(إسرائيل) عدو ظاهر معلومة حاله للأمة جميعاً، لكن إيران تلبس للأمة لبوس الإسلام، وتتباكى بدموع التماسيح على قضاياها خصوصاً فلسطين، وأغلب العرب فضلاً عن المسلمين عاجزون عن معرفة حقيقة إيران وعداوتها للأمة. لقد بلغ من حقدها على أمتنا أنها تتعمد مخالفتها في كل شيء، حتى في صومها وفطرها وحجها وأعيادها. أثبتوا لنا حسن نواياها تجاه الأمة ولو بأن تقنعوها أن تلتقي معنا في صيامنا وحجنا وعيدنا فقط ، ونحن نتبرع لها بباقي مخالفاتها لنا في بقية أيام السنة! ونتسامح معها في كل ما تخالف به أمة الإسلام من عقيدة وشريعة وتاريخ. فإن عجزتم عن هذا فأنتم عن غيره أعجز؛ فدعونا من الأحلام والأوهام. كيف تريد مني أن أصدق أن من مشاعره متأزمة تجاهي إلى حد أنه يتأذى أشد الأذى من موافقتي في فرحي وعيدي يريد لي خيراً، وأعول على كلامه وأحسب لوعوده وشعاراته حساباً؟!!!

العدو الخفي أخطر من العدو الواضح. والمنافقون في الدرك الأسفل من النار.

15. يقول الشيخ القرضاوي: “نرفض التكفيريين من الطرفين”.

هذا إما كلام سياسي، أو كلام من لا يعرف حقيقة من يتحدث عنه. ولنا معه على المستويين وقفات:

الأولى: تكفير من يستحق التكفير أصل شرعي. فليس التكفير منكراً بإطلاق.

الثانية: العقيدة الشيعية التي تتبناها إيران مبنية أساساً على تكفير أهل السنة، وكل من لا يقر بمبدأ (الإمامة). وهذا أمر مجمع عليه بين علماء الشيعة. وهم يفرقون بين المسلم والمؤمن. فيجيزون – قياساً على المنافقين – إطلاق اسم الإسلام على من يعتقدون كفره وتخليده في النار. لكنهم لا يطلقون عليه اسم الإيمان، الذي يخصونه بالشيعة الاثني عشرية فقط. فأي تكفيرية أكبر من هذه؟ فالقول بـ “رفض التكفيريين من الطرفين” تسطيح للمشكلة، وجعلها تبدو محصورة في أفراد وجيوب قليلة لا تمثل المجموع. بينما التكفير دين تتعبد به حكومة إيران، وشعبها، والشيعة أجمعون. علم من علم وتجاهل أو جهل من جهل. والأولى – بل الواجب شرعاً، والأصلح سياسة – أن نكون صرحاء واضحين. نخرج موضوع الدين الواحد من المعادلة؛ لأن كل عارف بحقيقة الأمور يعلم أن الدين ليس واحداً، ونلتقي على المصالح والمبادئ العامة. كمبدأ حسن الجوار، وعدم جواز التدخل في شؤون الآخر. وليس من شرط التعايش وحدة الدين. ومن هنا تجد المجتمع الإسلامي فيه المسيحي واليهودي والمجوسي مع المسلم. أما أن نحاول خلط الجميع في بوتقة واحدة لنخرج بنتيجة متناقضة، فغير ممكن، ولا صحيح، وليس بشرط.

الوقفة الثالثة: هذا كله تريده إيران لتجميل وجهها، وهي مستمرة في طريقها ومشروعها، لا تمنحنا إلا الكلام، وشعبها وجمهورها في إيران والعراق محصن، ويستسيغ مراوغة قادته طبقاً لمبدأ “التقية”. بينما نحن أهل كلمة والتزام. فمن الرابح سياسياً؟ إن جمهورنا يحمل كلامكم محمل الجد، وتحصينه ضعيف. وهنا مكمن الخطر!!! إن الجمهور الذي استيقظ على صرخات الثكالى، وتثقيب الرؤوس بـ(الدريل)، ورؤية حبال المشانق، سوف يخدره مثل هذا الكلام من مثلكم، وبدلاً من أن نستثمر الحدث لزيادة الوعي، وأخذ الحيطة والحذر والعمل المناسب، سيرجع الجمهور إلى خدره ويأوي مرة أخرى إلى قمقمه، ليصحو بعد خمسين عاماً على كارثة أخرى ربما أشد وأنكى. فاتقوا الله أيها المشائخ والدعاة. أحيطوا بالقضية من أطرافها. أو اتركوا الجمهور على حاله، ودعوه يكتشف الحقيقة وحده. فهذا أنفع له، وأعذر لكم عند الله، ثم عند الناس.

أما أمل الأستاذ محمد سليم العوا في أن يشكل “هذا اللقاء بداية لإنهاء الأزمة القائمة بين السنة والشيعة والمحنة الدائرة رحاها في العراق”. فأماني لا أظنها إلا واقعة تحت طائلة قوله تعالى: (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) (النساء:123). وإذا كان يعد هذا اللقاء باكورة “الخطوات البناءة” التي توصل إليها وفد “اتحاد العلماء” خلال مباحثاته مع المسؤولين الإيرانيين في أثناء زيارته لطهران قبل نحو أسبوعين من أجل “إطفاء نار الفتنة”، و”رد الجمهور السني والشيعي إلى أصل الأخوة الإسلامية”. فنقول له: إذا كان هذا هو باكورة “الخطوات البناءة”… فأبشروا إذن….!!!!!!

والزمان بيننا وبينكم، وأمامنا جميعاً.. وإلى… ألف عام.

15/2/2007

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: