التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

بعد أربع سنين..! الشيعة يهتفون: اخرج أيها المحتل..! (1)

أحقاً مرت بنا أربع سنين، والعراق يرزح تحت نير الاحتلال؟!!!

عجباً ! كيف مرت بنا؟! بل قل: عجباً ! كيف مررنا بها!

هل تعرف – يا صاحبي! – ما معنى سنة من هذه السنوات؟ بل ما معنى شهر؟ بل يوم؟ بل لحظة؟!

لحظة من هذه اللحظات.. ترى نفسك فيها، وأنت في سيارة تتحرك ببطءٍ محصوراً في أحد الطرقات؛ لأن رتلاً عسكرياً أمريكياً أمامك يتهادى على مهل، لا يريد لك الاقتراب منه، وإلا كان ما كان!

لحظة.. تنظر فيها، فترى إيرانياً مقنعاً يتحكم بشؤون العراق العظيم!

لمثلِ هذا يموتُ القلبُ من كَمَدٍ
إنْ كانَ في القلبِ إسلامٌ وإيمانُ

هذا أقل ما يمكن أن تعيشه أو تعانيه في لحظة! فكيف بما هو أكبر وأدهى؟! فكيف إذا طالت اللحظة فصارت دقائق؟! والدقائق ساعات؟! والأيام شهوراً وسنوات؟!

فكيف وقد مرت أربع سنين؟!!!

لا تحسبني أكتب شعراً، أو كلاماً إنشائياً مجرداً.. كلا والله! إنها الحقيقة! الحقيقة التي يكتوي بنارها كل عراقي أصيل. ويحس بها كل إنسان شريف.

وذلك في كل لحظة!

لا أريد أن أكتب عن العناوين الكبرى للكارثة التي حلت بالأمة منذ يوم الأربعاء الأسود في 9/4/2003 وإلى اليوم. وماذا حصل؟ وإلى أين وصلنا؟ فتلك أمور قد قيلت وتقال، وأكثرها لا يخفى على أحد. إنما أريد أن أقف عند بعض الحقائق المهمة التي ربما ظلت في الزوايا متوارية عن الأنظار. وقد يراد لها أن تظل مكانها، لا يحس بها من أحد، أو يسمع لها ركزا.

اخرج أيها المحتل!

شاهدنا أمس على شاشات الفضائيات حشود الشيعة من أتباع مقتدى وغيرهم، وهم يتظاهرون في مسيرات صاخبة، تتجه إلى النجف، يرفعون أعلام العراق، ينددون بالمحتل، مطالبين بخروجه. تتخللها لقطات (استعراضية)، من مثل عجوز مقعدة تلتحف بعلم العراق، تدفع كرسيها امرأة تتشح بالسواد. لافتات تحمل شعارات رنانة. وشيخ معمم بلحية وخطها الشيب، وهي تدنو من الستين، في وسط تلك الحشود، أمام المكرفون يصرخ بأعلى صوته، فاتحاً فمه على مصراعيه، وقد ضيق كل نافذة ممكنة في جسمه: اخرج أيها المحتل!

وعادت بي الذكرى أربع سنين إلى الوراء

وعادت بي الذكرى إلى هؤلاء أنفسهم في يوم (9/4) أيضاً، ولكن قبل أربع سنين: على أي حال كانوا؟ وماذا كانوا يفعلون؟!!

لقد ظهرت عمائمهم – تسندها في السر عمامة كبيرهم الذي علمهم السحت – على السطح قبيل احتلال بغداد بأيام قلائل وهي توصي الناس وتدعوهم إلى عدم المقاومة. ودخل في الوقـت نفسه عميل بريطانيا المقبور عبد المجيد الخوئي مدينة النجف يُخذّل الناس ويدعوهم إلى الترحيب بـ(المحررين)، وعدم مقاومتهم. ويكذّب فتوى السيستاني بالجهاد، التي أخرجها خوف الحكومة قبيل بدء المعركة، ويقول عنها: إنها مكذوبة عليه. وصدق – وهو الكذوب – في هذه من حيث لم يصدق قط في غيرها.

وكتب أحد الصحفيين القادمين على دبابة المحتل يقول: ((كان الخوئي يعتقد ان الدبابة الامريكية ليست وصمة عار، بل قد تكون مفخرة. ودلل على ذلك بأنه راح يتجول في مدينة النجف بمعية صحفي وصديق عراقي من أمريكا، ومن دون أية حماية. وكان يعتبر النجف معقلا وملاذا ومنطلقا لعمل سياسي سيخوضه)). والصحفي الصديق الموصوم بـ(العراقي) هو – كما جاء التعريف به على موقع فيصل نور – معد.. ابن بشير الباكستاني أحد المراجع الأربعة الكبار القابعين في سراديب النجف، والذين رحبوا بالمحتل، و(قادوه) للدخول.. كل على طريقته.

ويصف الصحفي (العراقي) فرحة مجيد التي لا توصف، في يوم سقوط بغداد تحت أقدام الغزاة! بحيث أنها منعته من تناول الفطور، وهو يستحثهم للخروج، وما درى أنه لا فطور من بعد إلى يوم النشور! يصفها بقوله: ((كان الخوئي يبدو على عجلة من أمره في ذلك الصباح، حتى انه قطع فطورنا الصباحي، هو وانا، وهو يقول: ” يللا ليس هناك وقت للفطور اليوم “. وكانت علامات السعادة تتوهج في عينيه، رغم التعب الذي كنا نعاني منه منذ اكثر من اسبوعين)) ([1]) !.

وانظر إلى الصحفي معد (العراقي من الجلد إلى الجلد!).. ابن المرجع الشيعي بشير الباكستاني أباً عن جد! كيف يحدث عن نفسه؟ وكيف يعبر عن لهفته المزمنة ترقباً لمشهد هذا اليوم العظيم؟! فيقول: ((الأحداث جرت يوم العاشر من (نيسان) أبريل. وهو اليوم ذاته الذي سقطت فيه بغداد، وتهدمت فيه تماثيل صدام. اليوم الذي كنا ننتظره منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً)). انظر كيف يذكر سقوط بغداد، وتهديم التماثيل، ولا يهمه من أحداث هذا اليوم الذي كان ينتظره طيلة هذا الوقت، غير هذين الأمرين!!! ولا يتردد عن أن يقرن بين يوم (سقوط بغداد)، وبين وصفه لذلك اليوم الأسود بقوله: (اليوم الذي كنا ننتظره منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً)! فهو ينتظر يوم سقوط بغداد منذ ذلك اليوم الذي كان فيه طفلاً يجلس في جحر أمه، يتناول بفمه ثدييها، يرضع حليبها، ويتعلم منها بغض العرب وكره العراق ممزوجاً بذلك الحليب (الطيب)!

ثم يقول عن صاحبه مجيد: ((وفي السيارة التي كان يقودها بنفسه كان يردد قائلاً: “نحن في العراق، نحن في النجف، وصدام ولى بغير رجعة”)). المهم أنه هو في النجف، وصدام ولى. أما العراق فليذهب إلى الجحيم. هذا لا يهم!!!

وتوالى ظهور العمائم الشيعية على وسائل الإعلام مبتهجة بالمحتل، مضفية عليه لقباً لم يستمتع بادعائه هو لنفسه أكثر من شهر إلا قليلاً، حتى عاد – وبقرار من مجلس الأمن – إلى لقبه الحقيقي: (المحتل). لكن الشيعة – إلا القليل القليل – كانوا، وأولهم عمائمهم، يصرون على تسميته وتلقيبه بـ(المحرر)، كما لقبوا هولاكو من قبل، وأسموه بـ(الفاتح)!

وأمس – أمس! – أقام حزب الدعوة العميل، والذي يحكم العراق اليوم، حفلاً بمناسبة يوم 9/4 (يوم تحرير الإرادة العراقية)، حسب تعبيرهم. يقولون ذلك مكابرة، ومحاولة يائسة لتغطية سوءاتهم. وقد كانوا يسمونه من قبل: (يوم تحرير العراق). هكذا بإطلاق! وعند الإحراج – ومدافعة للشعور البائس بالخجل – يقيدونه أحياناً بصدام، فيقولون: (يوم تحرير العراق من صدام). واليوم يخرجون علينا بـ(صرعة) جديدة: (يوم تحرير الإرادة العراقية)! (يستحلون الخمر والحِرَ والحريرَ يسمونها بغير أسمائها) أخزاهم الله!

واستقبل الشيعة المحتل بالحلوى والورود.. وبعضهم بالخمور

وخرجت جماهير الشيعة نساء ورجالاً، كباراً وصغاراً، شيباً وشباباً، يستقبلون الغزاة بالورود والمشروبات والحلوى. وبعضهم قدموا لهم الخمور في الشوارع أمام الجميع! وكانت مدينة الثورة – التي هي أكثر المدن تبعية لخط الصدر وسميت بعد الاحتلال باسمه – أكثر المناطق ابتهاجاً بالاحتلال؟! لقد كان أهلها – الذين يتظاهرون اليوم في النجف تنديداً بالمحتل – يرقصون طرباً، ويهتفون فرحاً به وترحيباً بمن (حررهم)! يوم كنا نذرف أسخن الدموع.. وننفث أحر الآهات. ويوم أقعدتنا الصدمة، وشلنا الذهول. كان أهل “الثورة” – وبقية إخوانهم الذين (حررهم) الاحتلال – يتحركون بكل همة ونشاط، وصدور ملؤها البهجة والانشراح لينهبوا مدينة السلام ويخربوا بغداد الحبيبة ويحرقوا مؤسساتها ومتاحفها فعل المغول والتتر!! لعنهم الله ! أخزاهم الله !

ما رأينا واحداً منهم يوحي مظهره الضاحك المستبشر بأنه يمكن أن يكون في صدره ذرة من الهم، أو تظهر على تعابير وجهه – ولو مجاملة لنا – مسحة رقيقة من الحزن على ما حل بوطننا! لقد أسكرتهم الحال حتى فقدوا العقل وفقدوا الحياء.. وظنوا أنه يوم الخلاص والنعيم المقيم.

أنسيتم ؟!!!

أم هل يمكن أن ينسى عراقي أصيل ذلك الغراب الإيراني الأسود، المدعو محمد بحر العلوم، وهو يضحك بملء فيه.. جالساً على أحد كراسي “مجلس الحكم” ؟ ويضحك ويهتز حتى يرتج جسده كله من أعلى رأسه إلى أسفل مقعده! يوم لم نكن نملك قلوباً يجد إليها الضحك طريقاً.. لا والله !!

أما نحن فلنا معهم وقفة.. وحساب: هنا.. في الدنيا، وهناك.. يوم يقوم الناس لرب العالمين.

ويظهر ذلك الغراب على إحدى القنوات الفضائية – وأظنها (العربية) – وهو يتحدث متبجحاً عن المحتلين الغزاة باسم (قوات التحرير)! قالت له مقدمة البرنامج: هذه القوات هي تسمي نفسها قوات احتلال، فكيف تسميها أنت قوات تحرير؟ قال: أنا لا يهمني ما يقولون، الذي يهمني أني أعتقد أنها قوات تحرير!

وكانوا يتلمظون شامتين بأهل السنة! وكأن الوطن الذي احتل هو وطن أهل السنة فقط .. وليس للشيعة من شراكة، أو نصيب فيه.

أجل! إن الوطن الذي احتُل هو وطن أهل السنة. أما وطنهم هم فلا أدري أين كان؟

أم أين يكون؟!

ترى !! ألهذا تركوه نهباً بيد الغاصبين؟ يستغيث ولا منهم من مغيث!!

أما مقتدى فكان يومها يقول : (إن خيارنا هو إدارة صراع سلمي وقانوني وشعبي من أجل جدولة الاحتلال)؟ وهو الذي وجه في خطاب له في رمضان/1424 الموافق لتشرين الثاني 2003 رسالة إلى المحتلين يكلمهم فيها بأعذب الكلام، ويخاطبهم بأطيب الكلم، ويصفهم بأنهم ضيوف حلوا على أهل العراق، وأنهم ليسوا أعداء له فليس من عدو للعراق سوى صدام وأتباعه! جاء فيها: (إلى من هم في وطننا موجودون، إلى من قد حلوا في منـزلنا الكبير ضيوفاً، إلى محبي السلام كما نحن له محبون… إن الشعب العراقي لا يريد إلا خيراً بالأمريكيين؛ فليس عدو العراق إلا صدام وأتباعه وهم شرذمة قليلون، ونحن منهم براء إلى يوم يبعثون) ([2]) .

يتبرأون ممن يقاوم المحتلين أو يؤذيهم لأي سبب

ومرت الأيام سريعة ثقيلة. ليقوم بعض الجنود البريطان – بعد شهور قليلة من الاحتلال – بمداهمة بعض البيوت في مدينة العمارة الشيعية في الجنوب، ويمعنون في إذلال أصحابها واستفزازهم. حتى إنهم قاموا بالعبث بالملابس الداخلية للنساء! فثارت ثائرة بعض الغيارى فهاجموا الجنود، وقتلوا منهم. لكننا فوجئنا في اليوم التالي بتظاهرة صاخبة شارك فيها الكثيرون من أهل العمارة منددين ومتبرئين ممن انتخى لعرضه، وقاتل من أراد العبث به من المعتدين البريطانيين!

والشيء نفسه حصل بعد ذلك من قبل أهل محافظة الناصرية حين خرجوا في يوم 15/11/2003 (21 رمضان 1424) بتظاهرة شعبية، يستنكرون الهجوم الكبير الذي قام به أهل السنة على القاعدة العسكرية الإيطالية في المحافظة! وأسفر عن تدميرها، وقتل (18) جندياً منهم، حسب البيان الذي أصدره الطليان. في الوقت الذي كانت فيه محافظة الأنبار، وبغداد، والموصل، وتكريت، وديالى – وغيرها من مدن أهل السنة والجماعة – تقاتل الغزاة، وتحتضن المقاتلين المجاهدين، وتتظاهر دفاعاً عنهم، وعن كل غيور.

وتستقبل عشائر السماوة الغزاة اليابانيين، مهللين مرحبين، تبني لهم الخيام الكبيرة، وتذبح لهم الذبائح السمينة. وشيوخ القبائل أنفسهم يقومون على خدمة الضباط! ولن تنمحي من خيالي صورهم الرذيلة اللئيمة، ها هم أمام عيني يحملون أواني الطعام الواسعة الكبيرة ، وعلى كل إناء منها خروف بتمامه! ليطعموها أفواه الغزاة المحتلين! التي لا تعرف في بلادها غير الكلاب والصراصر والسرطانات والسحالي طعاماً !

ولم يكن الشيعي – إلا القليل القليل – يتردد عن أن يصرح – وعلى شاشات الفضائيات – بمدح الأمريكان، ووصفهم بأحسن الأوصاف، حتى إن أحدهم اتصل هاتفياً بقناة “المستقلة” ليقول: ” الحمد لله ، والحمد لواشنطن ولندن “ ([3]) !

وأرجع إلى دفتر مذكراتي فأجد فيه: ((عقدت عشائر الكوت اليوم مؤتمراً يدعون فيه إلى محاربة الإرهاب وتشجيع الناس على تقديم المعلومات ضد الإرهابيين. وعادت إلى ذهني صورهم الذليلة على عهد الرئيس صدام حسين! الوجوه هي الوجوه! والعُقُل واليشامغ هي هي! شاهت الوجوه! 5/3/2005)). وكذلك اليوم يفعلون!

هكذا كان الشيعة الأيام الأُولى للاحتلال

هكذا كان عموم شيعة العراق – إلا القليل – في موقفهم من الاحتلال! وهكذا كان موقف الشيعة في العالم كله. فرح واستبشار، وترحيب بالمحتل. وتنديد بالمقاومة، التي يصفون أهلها بالمخربين والإرهابيين. تصور! كيف أن الكتلة السنية في البرلمان البحريني قدمت مشروعاً لإدانة الهجوم الأمريكي على الفلوجة، فعارضته الكتلة الشيعية؛ متحججة بأن الفلوجة فيها إرهابيون جاء الأمريكان للقضاء عليهم!

وهكذا كان موقف شيعة لبنان من الاجتياح الإسرائيلي عام 1982 ! للجنوب اللبناني.. استقبلوا اليهود (الذين حرروهم من أهل السنة) بالأرز والورود! كما اعترف بذلك أمين “حزب الله” الأول صبحي الطفيلي، والآخر حسن نصر الله.

وهكذا فعلوا في أفغانستان، يوم احتلها الروس، وعند احتلال الأمريكان. وهكذا هو موقفهم في كل زمان ومكان!

فكيف تغيرت الأمور حتى آلت إلى ما آلت إليه اليوم؟

لا شيء حقيقياً تغير

أستطيع القول أنه لا شيء حقيقياً قد تغير، أو اختلف! إنما هو السير الطبيعي للأمور. وذلك كما تتغير ملامح الشخص، كلما تقدم به العمر. فالشخص هو الشخص، والصورة الأخيرة إنما تولدت عن الصورة الأولى، وآلت منها إليها، لكنها كانت بحاجة إلى شيء من الزمن لتظهر على ما ظهرت عليه. وقد قلت هذا منذ الشهور الأولى القليلة للاحتلال. وهو مثبت عندي في أكثر من وثيقة وكتاب.

قلناها ونقولها: لا بد أن يصطرعوا

بعد الاحتلال بشهور قليلة كتبت – في مقدمة كتاب (الإمامة) التي جعلتها من بعد خاتمة للكتاب – أقول: ((لا بد أن يصطرعوا)). كان ذلك قبل مناوشات مقتدى البالونية مع الأمريكان بحوالي ستة أشهر. والمقدمة مؤرخة بتأريخ (20/10/2003). في وقت كان هذا القول فيه غريباً جداً. لقد أطبق الشيعة على التآمر علينا مع المحتل، والإعلان بأنهم لن يطلقوا إطلاقة واحدة على الأمريكان. ولا يريدون تكرار أخطاء التاريخ. ويرددون مقولة فاجرة: ” تمسكوا بالوطن. ودعوا الوطنية لأهل السنة “!.

وقد كررت القول في كتابي (إلى متى نخدع؟) الذي انتهيت منه في (3/5/2004) بعد معركة الفلوجة الأولى مباشرة.

لقد بينت هناك أن السبب الأساسي للصراع المرتقب هو اختلاف المصالح الذي لا بد أن يحصل. وكان مما قلت حينها: ((أما ما يظهر أحياناً من خلافات بينهم وبين المحتلين فهو ما لا بد إلا أن يقع بين أصحاب الباطل؛ نتيجة اختلاف أهوائهم، وتضارب مصالحهم (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتى). كما هو واقع بينهم للسبب نفسه. وإنا لنبشر بوقوع هذا مستقبلاً ولا بد. ونقول معه: إن أساطين التشيع الفارسي ومراجعه يوم يرون المصلحة في غير ما هم عليه اليوم، سيغيرون من لهجتهم ويركبون الموجة، ويُلبسون هذا الصراع المصلحي الدنيء لبوس الدين والجهاد والوطنية، كما هو شأنهم وشأن أمثالهم ممن قال الله جل وعلا فيهم:

الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً النساء:141))

تأمل دقة الاستشهاد بالآية، ومدى تطابقها مع الحالة!

وقد أرجعت ذلك إلى سنة الله التي لا تتخلف فقلت معللاً: ((لأن سنة الله في هؤلاء العمي لا تتخلف، فقد كتب الله عليهم الخلف والاختلاف كما قال سبحانه: مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ العنكبوت:41 . ولكن كما قال هو سبحانه بعدها: وَتِلْكَ الأمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ العنكبوت:43))!.

انظر إلى السبب، وإلى القدر في هذه العبارة التي قالها سجين شيعي اسمه حيدر محمد، كان معتقلاً في (أبي غريب) ثم أطلق سراحه، وعند باب السجن التقى به أحد مندوبي قناة فضائية، فقال: ” لم أشعر بطعم الاحتلال إلا بعد أن اعتقلت. كانت صورة الأمريكان عندي كلِّش (جداً) حلوة “. نعم كانت صورة الأمريكان لدى الشيعة – وكذلك كان طعمهم – حلواً.. وحلواً جداً! لكن الله تعالى سلطهم عليهم، ليذيقهم شيئاً من تلك (الحلاوة) التي صنعوها بأيديهم: وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلا سُنَّتَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً (فاطر:43).

ولكن سيبرقعون قتالهم على الدنيا بلافتات الجهاد والوطنية

وكان مما قلت يومها: ((سيقع الخلاف، ويشتد حتى يتحول إلى صراع وقتال.. ما في ذلك شك. ليس هذا هو الغريب أو الأهم في الأمر ! مقررات القرآن تخبر بذلك، وحركة التأريخ تشهد عليه. الأهم من هذا كله أن هذا الصراع حين يقع سيبرقع بلافتة الجهاد. مع أنه – في حقيقته ودوافعه – صراع مصالح وتزاحم إرادات، شأنه شأن أي صراع بين جميع المختلفين في العالم على اختلاف أعراقهم وأديانهم…

فإذا انجلت غمامة الأحلام – ولا بد – وتبدد غبار الأوهام، وتبين لهم أنهم يمشون حفاة عراة على رمال السراب المحرقة، وليس في أيديهم غير قبض “الريح” ؛ فاختلفت المصالح واصطرعت الإرادات.. عندها لن يجدوا مناصاً من أن يحتكموا إلى لغة القوة غضباً وحمية وشجاعة… إلخ – إلا من رحم – ولكن لا يمكن لهؤلاء أن يتحولوا – بقرار رجعي – إلى… مجاهدين! يهلل لهم ويصفق وتوضع على رؤوسهم أكاليل الجهاد؟!)). لكن ما هو أدهى حين يجدون من (جماعتنا) – وهم كثر لا كثر الله أمثالهم! – من سيؤيدهم ويوقِّع على ما يقولون ويدَّعون؛ فيحصل اللبس، ويكون التزوير. ويأتي من يقرأ

التاريخ فيجده مكتوباً بالمقلوب!

والله ما قاتلوا استجابة لدين، ولا دفاعاً عن وطن، وإنما تنافساً على لعاعة من الدنيا، لا تعدو المنصب والمال. وهناك عامل آخر لا يقل عنه أهمية.. إيران..!

عملاء إيران يدافعون عن مشروعها ضد مشروع الأمريكان

ظل الشيعة في هدوء تام في علاقتهم مع المحتل – عدا بعض الحالات الفردية، واستعراضات مقتدى الفارغة – حتى بدأ اختلاف المصالح بين أمريكا وإيران يطفو على السطح. وذلك في بداية عام 2006. وصار الأمريكان وحلفاؤهم يشنون حملتهم الإعلامية ضد إيران وبرنامجها النووي، حتى بات الكثيرون يرون أن هجوماً أمريكياً على إيران أصبح على مرمى حجر أو أقرب! ورأينا بعدها تحرك شيعة لبنان، ودخولهم في معركة مع إسرائيل. وقد ظهر للمتابع حرص إيران على دفع سوريا إلى المعركة، وتركيزها على أنها سترد بقوة إذا ما هوجمت سوريا، فلم تفلح. عندها رأينا شيعة العراق – في الجنوب وغيره – قد صاروا يقومون ببعض العمليات العسكرية ضد الأمريكان وحلفائهم بصورة تلفت النظر. وقد تزامن هذا وتصاعد مع التصعيد الإعلامي الأمريكي ضد إيران وبرنامجها النووي. وهذا يقودنا إلى القول بأن المحرك واحد، والأهداف واحدة. وأن إيران هي مفتاح اللغز.

واليوم تشتد الحملة الإعلامية الأمريكية ضد إيران، وتزداد الحشود والاستعدادات الأمريكية في الخليج وغيره، حتى بات المراقبون يتوقعون هجوماً أمريكياً وشيكاً على إيران. من مصلحة إيران – التي جاءت بأمريكا إلى المنطقة. أو كما يقال: جاءت إلى حتفها بظلفها – أن تخرج أمريكا من العراق. أو على الأقل تشغلها بنفسها عن طريق محاصرتها بالضرب من كل جانب. هذا هو السر في تحرك الشيعة في هذا الوقت عسكرياً عن طريق الإيعاز إلى من يحمل السلاح من الشيعة وغيرهم بضرب الأمريكان. وسياسياً عن طريق مطالبة عملاء إيران – وأولهم مقتدى القابع هناك – برحيل القوات الأمريكية. من هنا جاءت دعوة مقتدى لأنصاره بتسيير المواكب إلى النجف بهذه المناسبة مطالبين بخروج المحتل، وهم (يستعرضون) شعاراتهم ويهتفون: ” اخرجوووا أيها المحتلون ” . لا تديناً، ولا وطنيةً، وإنما تهارشاً على الدنيا الدنية، وحميةً لجارة السوء إيران. عاملها الله جل وعلا بما تستحق، وأعطاها ما تمنت لنا من قبل، وتتمنى وتسعى إليه على مر العصور، وكر الدهور.

الانتماء للطائفة وليس الوطن

قلت قبل ثلاث سنين في كتابي (إلى متى نخدع؟):

((الذي أراه – من خلال الرصد والتحليل – أن عامة الشيعة لا ينتمون إلى (الوطن) إلا انتماءاً غريزياً لا أكثر! أما الانتماء بمعنى الهوية، والكيان والوجود، والتأريخ والجذور، والدين والأمانة، والوفاء والحقوق فلم ألمس أو أحس أن له وجوداً في المشاعر المستبطنة لهؤلاء، ولا في حساباتهم الواعية. ولذلك تراهم إذا هدد (وطنهم) غازٍ أجنبي يتعاملون مع الحالة بحسابات الربح والخسارة! وهي حسابات وهمية على الدوام. لكن أصحابها لا يكتشفون خطأهم إلا بعد فوات الأوان. لتلبس الحالة الجديدة لباس الدين والوطنية! ويحمِّلوا الوطن وأهله منة منافحتهم عن أرباحهم الوهمية التي خسروها وهم يسرحون – عافاك الله – في متاهات أوهامهم!)).

أما الانتماء الحقيقي لدى الشيعة، فهو الانتماء للطائفة أينما كانت: في العراق، في لبنان، في إيران، في أي مكان. يتعلقون بها، ويهيمون بذكرها، ويتعصبون لها، ويقاتلون من أجلها. ومن أراد مثالاً لهذه الحالة فلينظر إلى اليهود. وإذا كان من وطن يتعلق به الشيعة فهو إيران. ولقد صدق الرئيس المصري، وكان مسدداً كل التسديد في تشخيصه لهم حين قال قبل سنة: إن الشيعة لا وطنية لهم، وهم عملاء لإيران.

إن هذا يفسر موقف الشيعة في العراق من المحتل الأمريكي واستسلامهم له. لكنهم يتظاهرون بالألوف المؤلفة هناك مطالبين بالتطوع للقتال مع “حزب الله” في معركته مع إسرائيل. وحسينياتهم في حي “السيدة زينب” في دمشق، التي تعج بالعراقيين، كانت أيامها – كما شهدت بعيني، وسمعت بأذني – تجعر بالضجيج تأييداً “لحزب الله” ، وافتخاراً بما يصنع. بينما أصحابها مستسلمون كالأغنام، صامتون كالأصنام عما يحدث في بلادهم من كوارث الاحتلال، ومآثر الرجال!

في تلك الأيام الصاخبة قام شيعة العراق – وبمبادرة من كبيرهم السيستاني – بحملة أطلقوا عليها اسم “لننصر إخوتنا في لبنان”. وأوضح مراسل (مفكرة الإسلام) في العاصمة العراقية بغداد أن الحملة يقودها فيلق بدر وجيش المهدي، وكان أول المتبرعين هو مكتب السيستاني في النجف. تلاه السفير الإيراني في العراق. ثم عبد العزيز الحكيم وجلال الطالباني. فضلاً عن تجّار شيعة وسياسيين آخرين. ويشير مصدر مطلع أن الحملة قـد تجمع أكثر من مليار دينار عراقي سيقدمها شيعة العراق إلى “حزب الله”. بل رشحت أخبار عن قيام الإيراني باقر صولاغ وزير المالية في العراق، بتسريب عدة ملايين من دولارات خزينة الوزارة إلى ابن طائفته حسن في لبنان!

ولو كنت حينها في دمشق، ومررت بالملحقية الثقافية الإيرانية في ساحة المرجة في وسط العاصمة! ورأيت مظاهر الدعاية، وسمعت الضجيج، والصخب والعجيج! وعلى رصيف الشارع – كعادتهم في التبجح والاستعراض – أمام الباب وضعوا طاولة يجلس في صدرها رجل، وأعلاماً وجهاز تسجيل يبث الأناشيد الحماسية بصوت عال، وخطابات حسن نصر الله. أكل هذا لخاطر عيون فلسطين؟! فأين هم من العراق؟!!!

وما لنا نذهب بعيداً؟ وقد اعترف بهذه الحقيقة سافرة أحد المسؤولين الكبار في الحكومة الإيرانية، وهو حسين شريعتمداري الذي هو أحد كبار مساعدي مرشد الجمهورية الإيرانية علي خامنئي، في مقال له في صحيفة كيهان الإيرانية (اليومية الرسمية) يحمل عنوان (هذه حربنا)، متحدثاً عن حقيقة الحرب الأخيرة بين إسرائيل و”حزب الله” ، وذلك في أحد أيام شهر أغسطس 2006 . يقول فيه: (إن حزب الله لا يقاتل من أجل السجناء، ولا من أجل مزارع شبعا، أو حتى القضايا العربية أياً كانت في أي وقت؛ وإنما من أجل إيران في صراعها الحدودي لمنع الولايات المتحدة من إقامة شرق أوسط أمريكي).

ولهذين الأمرين (اختلاف المصالح، وإيران) يقومون اليوم بمشاغباتهم العسكرية ضد المحتل. ويتظاهرون ضده مطالبين إياه بالخروج فوراً، وبلا تأخير. إنه مشروع طائفي إيراني، لا مشروع وطني. ومن الخطأ الفادح، بل من الغباء أن نعول عليه مقدار أنملة، بل قلامة ظفر. إنما علينا أن نأخذ الأمر مأخذ الجد ونفتش عن مشروعنا. فمن لا مشروع لديه، سيكون فريسة وضحية لمشاريع الآخرين.

 

ما هو مشروعنا؟

لقد نجحت المقاومة العراقية إلى الآن نجاحاً كبيراً في إفشال المشروع الأمريكي. ولكن في الوقت نفسه نجد أن ما حصل إلى الآن هو في صالح مشروع إيران. ولم تستفد المقاومة في استثمار جهدها لا لصالح مشروعها الذاتي، ولا لإفشال المشروع الإيراني. فهل هذه معادلة عادلة؟ أن يحصد من لا يزرع، وفي أراضي الآخرين!

لا زال البعض يتوهم أن الطريق ينتهي عند إخراج المحتل الأمريكي من العراق. وأقول: إن أمريكا ستخرج، حتى لو لم يقاتلها أهل السنة هذا القتال الشرس المرير. ولن يطول الانتظار كثيراً. وحتى لو افترضنا – على سبيل الجدل الموضوعي – أن المقاومة توقفت عن ضرب الأمريكان فإنهم سيخرجون؛ لأن عوامل أخرى ستتدخل حتماً من أجل الوصول إلى هذا الهدف، الذي لا بد منه لتحقيق مصالحها ومشروعها. فهل من الحكمة أن يشتغل العاقل بتحصيل حاصل، هو في صالح غيره؟! عيب علينا أن نقاتل نيابة عن أعدائنا وخصومنا.

أيها السادة ! هناك ثلاثة مشاريع: 1. المشروع الأمريكي 2. والمشروع الإيراني 3. ومشروع المقاومة.

وهذه المشاريع الثلاثة لا يتحقق أحدها إلا على حساب المشروعين الآخرين. المشروع الأمريكي لا يتحقق إلا بإفشال المشروع الإيراني، ومشروع المقاومة. وكذلك كل مشروع في مقابل المشروعين الآخرين.

فإذا اكتفينا بإفشال المشروع الأمريكي – والذي بدأت بوادره تظهر للعيان – وتوقفنا قبل إلحاق المشروع الإيراني به، كان هذا نقصاً وثغرة لصالح إيران. ستستثمرها في تحقيق مشروعها، على حساب مشروعنا. وعندها سنجد أنفسنا أننا لم نكن سوى ضحية لمشاريع الآخرين! وأننا كنا مستغفلين إلى الحد الذي صرنا عنده نقاتل نيابة عن أعدائنا. وأننا – لو حصل ذلك – نكون قد خضنا حرباً كان علينا أن لا نخوضها بهذه الطريقة الغبية. ولكن لربما بعد فوات الأوان، وكف الخوان.

إذن علينا أن نستمر حتى إفشال المشروعين الخبيثين، وتحقيق مشروعنا على أشلائهما. علينا قبل خروج الأمريكان – ومعه وبعده – أن نفشل مشروع إيران، ونخرج من أرضنا كل من ساعدها وآوى جنودها وعملاءها، من الأفراد، والمؤسسات والأحزاب العميلة، والحاضنات، ومن كان في صفهم من الخاصة والعامة.

ولا أريد أن أطوي بساط الحديث قبل أن أقول: أما آن الأوان لنعرف أن الشيطان الأكبر هو إيران، وليس الأمريكان؟

10/4/2007

  1. 1- سيف الخياط ، موقع الحوار المتمدن ، العدد 1800 ، 19/1/2007.
  2. – وقد انتشر هذا الخطاب حينها في أوساطنا، وتداوله الناس فيما بينهم. ووصلتني نسخة منه. كما نشر على موقع مفكرة الإسلام. حسب ما جاء في مجلة البيان – العدد196 ، ص66.
  3. 3- يوم 1/2/2005 .
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: