التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

الدينيوية .. شخصية الشيعي

كتب حسن العلوي في سنة 1980 أي بداية الحرب مع إيران كتابه المسمى بـ(دماء على نهر الكرخا). يتحدث فيه عن الفرس، وكيف لبسوا التشيع متسترين به على مكائدهم ضد العرب ودينهم الجديد ودولتهم القومية الجديدة. ورجع بأسباب الحرب ودوافع الصراع إلى جذور عرقية قديمة تمتد إلى فجر التاريخ.

وفي هذه السنة (2007) خرج علينا بكتابه الجديد (عمر والتشيع ) فإذا به يقول عن تلك الحرب: إنها حرب أمريكية ضد الشيعة، خاضها العراق بالنيابة عن أمريكا! ويمجد الخميني ويقارنه بعمر الفاروق بشخصيته وعدالته وتفاصيل حياته!

والعلوي بعثي قديم، كان السكرتير الصحفي للرئيس صدام حسين، ورئيس تحرير مجلة (ألف باء) الرسمية. ثم انقلب من بعد وهرب! وكتب عدة كتب منها (الشيعة والدولة القومية) يتهم فيه أهل السنة بالطائفية والاستحواذ على السلطة، والعمالة للانجليز، والتمالؤ معهم على إقصاء الشيعة، الذين دافعوا عن الوطن في ثورة العشرين، ورفضوا أن يضعوا أيديهم بأيدي الانجليز، كما يدّعي.

ولكن ما إن دار الزمان دورته، ودخل المحتل الأمريكي العراق، حتى يكون العلوي أول سفير له في سوريا، معيناً من قبل ما سمي يومها بـ(مجلس الحكم) الذي نصبته قوات الاحتلال! ويمدح اللص الخائن أحمد الجلبي على قناة (المستقلة) الفضائية مدحاً جاء فيه أنه ما من أحد أكثر فضلاً على الشيعة منه! لأنه هو الذي أقنع الأمريكان بالإطاحة بصدام، وتسليم مقاليد الحكم للشيعة!

تسمع له، فتحس في كلماته شوباً من العروبة ، وعاطفة تجاه الوطن. ويقول في أثنائه أنه رجل علماني، وأنه لم يسجد لله يوماً قط! فتقول: فلعل ذلك الشوب، وتلك العاطفة من هذه.

يخلط كلامه أحياناً بمدح للفاروق عمر. بل ذكر أنه ألف كتاباً عنه، ووعد بإخراجه. ورأيت وسمعت على القنوات الفضائية من فرح بصنيعه، وعدّه به من الشيعة المعتدلين.

وخرج الكتاب. وكان بعنوان (عمر والتشيع ثنائية القطيعة والمشاركة). لكنني ما إن قرأته حتى ترسخ لدي ما كان قد بدأ يثبت من قبل. وتزعزع ما كان قلقاً لا يستقر.

وجدت الرجل – رغم علمانيته، وعدم تدينه – شيعياً قحاً، ليس في عقيدته وتحيزه فحسب، وإنما في عقده كذلك، فهو إنسان مصاب بعقدة الاضطهاد والشعور العميق بالمحرومية، وغيرهما من العقد النفسية الشيعية. يدعي أن الشيعة أغلبية محرومة محكومة؛ لهذا هو ينتصر لهم، ويقف في صفهم! قيل للقردة: ضعي هذه الحلية على رأس أجمل صغار الغابة، فذهبت، وأقبلت تحمل صغيرها والحلية على رأسه ، وهي تقول: لم أجد أجمل من هذا!

دعني أفترض هنا أن شخصاً ما لم يقرأ للعلوي إلا كتابه الأول (دماء على نهر الكرخا)، واقتصر في بناء حكمه فيه، وتقييمه له على هذا الكتاب- ماذا ستكون النتيجة؟

ولو افترضنا الفرضية الأخرى، وهي أن هذا الشخص لم يقرأ للعلوي إلا كتابه الأخير (عمر والتشيع)، فماذا ستكون النتيجة؟ لا شك أنه سيخرج بحكمين مختلفين، ونتيجتين متضادتين.

وهكذا هو الشيعي..!

له في كل مقام مقال..! وتختلف المقامات وتتعاكس فيما بينها، فتختلف المقالات وتتعاكس وتنعكس أيضاً؛ طبقاً لاختلاف المقام!

إن مبدأ “التقية” يمنحه المرونة المطلوبة، وقابلية العزف على جميع المقامات. فلن تعرف شيعياً من موقف واحد، ولا مجلس واحد، ولا مقال ولا كتاب. ولا لحن ولا أُهزوجة، ولا دبكة عراقية، ولا زردة فارسية.

نعم.. ربما إذا جمعت هذه مع بعضها خرجت بنتيجة. ربما!

هذا حال العلماني المنفلت! فكيف هو إذن حال المتدين الملتزم؟!

في زمن (صدام والقومية العربية وحراس البوابة الشرقية) يكون العزف على (دماء نهر الكرخا). وفي زمن (الأمريكان وإيران والطائفية والشعوبية الفارسية) يختلف العزف، وتتبدل الألحان؛ لأن دماء نهر الكرخا هذه المرة قد فاضت فأغرقت العراق، وصارت تتدفق من مسيل دجلة والفرات!

وفي النهاية تنتصب من خلال الكتاب أو الكاتب أمام ناظريك المنظومة الفكرية والنفسية للإنسان الشيعي كاملة بعقائدها وعقدها، وعاطفتها وهيجانها، ورؤيتها للأشياء والأشخاص، والواقع والتاريخ، وتعلقها بإيران ورجالها، وطريقة تعبيرها: لفاً ودوراناً وإتياناً للبيوت من ظهورها. كما تبين لي أن الوطنية والعروبة لدى هؤلاء مجرد دعوى هائمة، أو عاطفة تائهة عائمة، ليس لها عند الامتحان من حقيقة ولا برهان. كما أنه لا فرق بين شيعي علماني، وآخر متدين، كلاهما سواء عند خط النهاية، وأن العلماني والديني يتوحدان في شخصية الشيعي توحداً تاماً، ويشتبكان في نسيج واحد. هذه الشخصية التي أرى أن أقرب مصطلح يمكن نحته للدلالة عليها هو مصطلح (الشخصية الدينيوية). فكل شيعي يحمل في كيانه الداخلي شخصيتين. يستعمل هذه مرة، وهذه مرة. بهذا نستطيع فهم هذه الازدواجية الشيعية، وكيف تجتمع النقائض العلمانية والدينية هذا الاجتماع في شخصية الشيعي! ومن تصور غير ذلك فهو واهم مخدوع.

 

عقدة لا عقيدة

قد يشكل على الكثيرين معرفة جذور هذه الازدواجية الشيعية، وكيف تجتمع النقائض العلمانية والدينية هذا الاجتماع في شخصية الشيعي؟!

وجوابي على هذه الإشكالية – التي تبدو للبعض كبيرة وعويصة – ألخصه بكلمة واحدة هي أن (التشيع عقدة نفسية وليس عقيدة دينية). وقد درست هذه الشخصية، وأثبت صحة هذه الكلمة في كتاب لي بمجلد كبير أسميته (التشيع عقيدة دينية أم عقدة نفسية).

يكاد العلوي يفصح عن هذا في بعض عباراته التي يطلقها في غفلة من عقله الواعي. فها هو في (ص188-189) يعترف بأن النفسية الشيعية التي اكتسبها في صغره لا زالت منطبعة بعمق في داخله، تتفاعل فيه. ولا زال هو كما هو قبل ستين عاماً طفلاً صغيراً مشدوداً بفكره وحسه إلى خشبة ذلك المنبر الأسود، ولا زال كما كان يستثيره المشهد إلى حد البكاء! ويوحي إليه بخليط عجيب من المشاعر والأفكار والتخيلات والصور التي يستحيل اجتثاثها من ذاكرته ونفسه. فيقول: (وساهم المنبر الحسيني بخلق وحدة نفسية لدى حاضري المجلس، تتجاوز انتماءات الطبقة والعنصر ومستوى التحصيل العلمي، فيبكي الجميع، وفي المقدمة منهم كاتب السطور الذي تتسارع دموعه في اللحظة التي يتنحنح بها القارئ، قبل النطق بالبسلمة. وهي لحظة شعورية موروثة تستحضر رمم جدي، وعظام أخي. وعباءة أمي، وشجى الصوت بلحن الفاجعة، ويدٌ مقطوعة الإصبع، وعمامة محمدية معلقة بحوافر الخيول، ومن بقي من أحفاد الرسول ورؤوس على الرماح، وبنات النبي سبايا فأين منهن عمر، وقراره الأول في اليوم الأول من ولايته بعد وفاة أبي بكر بمنع سبي العرب وإطلاق نسائهم وإن كانوا من أهل الردة).

تأمل هذه العاطفة التخريفية! وانظر بأي شيء حشيت؟! رمم وعظام وأصابع ورؤوس مقطوعة، وحوافر لا أدري كيف علق بها عمامة محمد؟! وعباءة وسبايا وفاجعة ورماح!!

عقل تجتمع فيه كل هذه الطواطم والعناكب والخفافيش! ما الفرق بينه وبين عقل صبي في الخامسة من عمره، يعيش في أقصى الريف، أو أبعد نقطة في الهور، يلفه الظلام وهو يستمع إلى جدته الخرفة تحدثه عن السعالي والغيلان والحنافيش؟!

 

التخلف النفسي عند الشيعي

ولا عجب! فالشيعي قد يكبر ويكبر معه جسمه، وعقله. ولكن نفسه تظل قابعة في زاوية من زوايا منبر العزاء الحسيني، حجمها خمس سنين لا تزيد عليه، ولا تكبر أبداً. هذه النفسية المتخلفة تظل تسحب وراءها عقل صاحبها، وتجرجره بين كهوفها وغيرانها المظلمة. هناك يلقى تلك النفس الخربة كعجوز قميئة هزيلة، تعوي بين جدران ذلك الخراب، تندب حظها، وتجز شعرها، وتشكو مظلمتها؛ فتأخذه العاطفة المبهمة فيقعد معها يلطم ويشكو ويندب. هذا هو سر تخلف العقل الشيعي، مهما تدرج صاحبه في مراتب العلم، وتجمل بطلاء الثقافة. إنها (وحدة نفسية تتجاوز انتماءات الطبقة والعنصر ومستوى التحصيل العلمي)! كما يعبر (كاتب السطور الذي تتسارع دموعه في اللحظة التي يتنحنح بها القارئ، قبل النطق بالبسلمة)!.

هل عرفت الآن لماذا يتساوى الشيعة في تشيعهم: العالم مع الجاهل، والمتدين مع العلماني، والكاشاني مع الكشواني، والدينوي مع الدنيوي؟!

التشيع ليس عقيدة أو فكرة مستقرها القلب أو العقل، بقدر ما هي عقدة مستقرها النفس. فالشيعي يفكر بنفسه لا بعقله. وهذا هو سر ذلك التساوي، وضعف الفرق بين أصناف الشيعة. وخطر التشيع ومشاكله نابع من هذه النفسية المعبأة منذ الصغر تعبئة يصعب علاجها ما دام صاحبها باق على تشيعه، ينتسب إليه، ولو بالاسم. وهذا هو سر فشل العلاج العقلاني، كالحوار والدعوة إلى التعايش، ما لم تكن ثمة قوة يخضعون لها ويطأطئون رؤوسهم هيبة وإجلالاً.

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: