التخطي إلى شريط الأدوات
مقالات

دين الثعالب (2)

انظروا إلى الشاشة ففيها الجواب

رأيت اليوم (28/11) على شاشة التلفاز رئيس الوقف الشيعي صالح الحيدري في اجتماع النجف بين العمائم السنية والشيعية، وهو يندد ويقول: “لا مذهبية ولا طائفية ولا فئوية ولا.. ولا” ! فقلت: لقد هزلت حتى صار مثلك يتكلم بهذا ! وتذكرت قول الشاعر العراقي المبدع أحمد مطر:

رأيت جرذاً

يخطب اليومَ عن النظافة

وينذر الأوساخ بالعقاب

وحوله يصفق الذباب

وصباح هذا اليوم رأيت على قناة المستقلة المدعو محمد رشاد الفضل مذيلاً اسمه بما يسمى “التيار الإصلاحي المستقل” يتحدث حديثاً مطولاً عن إيران وتدخلها بشؤون العراق، وقتلها للشيعة العروبيين في المحافظات الجنوبية، ويسميه القتل لإعلاء شأن المذهب. ويقول: اللغة الفارسية تأخذ مجالها الآن في النجف، وينتظرون إلغاء اللغة العربية. وأن أحد الإيرانيين المتخفين من أعضاء مجلس النواب العراقي هو الذي اقترح اعتبار اللغة الفارسية لغة رسمية في العراق إلى جانب اللغة العربية. ويذم المجلس الأعلى وبدر، ويتحدث عن ارتباطهما بإيران. ويحكي قصة الإيراني محمود الهاشمي، كيف صار أول رئيس “للمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق”. ثم صار رئيساً لمجلس القضاء الإيراني، وسمى نفسه شاهرودي. وأنهم سألوه في البرلمان الإيراني: أنت عراقي أم إيراني؟ فقال: أنا إيراني، لكن لمصلحة إيران قلت: أنا عراقي. كل هذا قاله في كلام طويل عن إيران وتآمرها على العراق.

وأنا أسأل القارئ: ما تقول – وأنت تسمع مثل هذا الكلام – في مثل هذا؟ أجب قبل أن تقرأ ماذا قال عن السيستاني، ومقتدى وجيش المهدي والتيار الصدري؟ والمقاومة العراقية الباسلة.

لقد دافع عن غراب إيران علي السيستاني، واصفاً إياه بأنه رجل دين لم يتدخل في السياسة قط، وأنه ضد الأمريكان. ولا علاقة للمجلس الأعلى به. ثم صار يكيل المدح للتيار الصدري. وكان مما قاله فيه: “التيار الصدري مدرسة إصلاحية، يرعون الفقراء والمساكين، ويرفضون التصرفات الخاطئة للشيعة. ولا علاقة له بإيران. كلهم شباب عراقيون عرب”. وغير ذلك من الكلام.

ولم يكتف بهذا حتى حمل على المقاومة حملة شعواء، ونفى أن تكون ثمة مقاومة في العراق! وكان مما قال بهذا الخصوص: نسمع بأن هناك (38) جيشاً يقاوم الاحتلال. لو صح هذا، ولو كان صحيحاً أن هناك مقاومة، لما كان هذا العدد القليل لقتلى الأمريكان. إلى الآن لم يبلغ عدد القتلى أربعة آلاف. لو كل واحد منهم قتل أمريكياً لبلغ عدد القتلى عشرات الآلاف. إذن كل ما يقال عن وجود مقاومة كذب. هؤلاء يقتلون العراقيين فقط. ثم رجع يمجد مقتذى الصدر ويقول عنه: الصدر يرفض الطائفية، والتقسيم، والقتل. وعرج على ما أسموه بالانتفاضة الشغبانية، وصار يمجدها.

والآن ماذا تقول في هذا؟ هل غيرت إجابتك؟ ما الناتج النهائي الذي يمكن أن تحصل عليه من هذا الشخص وأمثاله؟ وهم عامة من يتحدث في الوطنية والعروبة والإصلاح من الشيعة.

نصيحتي لكل المخلصين أن لا يستعجلوا في الحكم على الشيعي، بمجرد أن يسمعوه يذم إيران، أو هذا الطرف الشيعي أو ذاك، حتى يسمعوا كلامه كله، ويقلبون مجال النظر فيه من كل جانب، وينظروا إلى مواقفه كلها.

هؤلاء هم الشيعة! فلا يصح أن ننظر إلى تظاهرهم بالعداء لإيران، ونوقع لمن فعل ذلك على بياض.

الالتفاف على مكاسب العشائر السنية

كلنا يعلم أن العشائر السنية خطفت الأضواء في الفترة الأخيرة، وأصبحت أحد الأرقام المحسوبة في المعادلة العراقية. فصارت الوفود الشيعية تترى إلى المناطق الغربية السنية تخطب ودها، وتحاول الالتفاف عليها؛ حتى لا تنفرد بالقرار المؤثر وحدها. ولا تتخذ قرارات تؤثر سلباً على من باع البلد واصطف مع المحتل. ومعلوم عنا طيبة أهلنا، كما أنهم ليسوا خبراء في معرفة العقلية الشيعية، وكيف تفكر؟ يسمعهم الشيعة معسول الكلام، ولا شيء غير الكلام والهوسات (الأهازيج) والأشعار، ويأخذون مقابلها مواقف عملية لها وزنها. فعلى سبيل المثال: قامت العشائر السنية بتأمين طريق الرمادي – سوريا، والرمادي – الأردن، دون تفريق بين سني وشيعي، فصار الشيعي يسلكه آمناً مطمئناً. بينما لم يحصد أهل السنة مقابله تأمين طريق بغداد – المحافظات الجنوبية، فلا زال السني لا يأمن على نفسه في سلوكها. وهذا خطأ سياسي كبير. كما عادت عوائل شيعية عديدة إلى المناطق السنية المؤَمَّنة كالعامرية وغيرها، لكن لم يعد ما يقابلها من العوائل السنية إلى بيوتهم في المناطق الشيعية. هذا إذا سلمنا أن هذا العمل المتبادل هو الصحيح.

أكثرنا يجهل كيف يفكر الشيعي؟ وكيف يسلك؟

لا زال أهل السنة في العموم بعيدين عن المعرفة الدقيقة بنفسية الشيعي ودوافعه في تصرفاته، وعقليته وكيف يفكر؟ وكيف يسلك في تنفيذ أفكاره؟ نعم عرف الكثيرون عقائد الشيعة. لكن معرفة العقائد وحدها لا تكفي، بمعزل عن هذه الأمور. إن أكثرية أهل السنة يجهلون هذا كله، ويقيسون نفسية الشيعة وعقليتهم وطرائق تفكيرهم وسلوكهم قياساً جامداً على ما عليه أهل السنة أنفسهم من ذلك.

 

التقليد والعلاقة العضوية بين الشيعي ومرجعه

الشيعي حياته مبنية على العلاقة مع المرجع الديني بناء يصعب هدمه، وتأسيس علاقة أخرى خارج هذا البناء. فالتقليد عند الشيعي عقيدة ودين لا يمكن أن يتخلى عنه، وإلا شعر بأن حياته الدنيوية مهددة بالأعداء الذين يريدون الانقضاض عليه، وحياته الأخروية مهددة بالخلود في جهنم. نعم قد يتضايق من هذه العلاقة، وقد يلاحظ انحراف المرجع الذي يقلده، وقد يشكو منه، بل ربما يسبه، لكنه في النهاية يعود إليه، ليأخذ بفتواه وتوجيهه في دنياه وأخراه. والمرجع إما عجمي أو مستعجم. فالفتوى عادة ما تصب في مصلحة إيران.

هذه العلاقة الصميمية بين الشيعي والمرجع لا يتصورها حتى علماء أهل السنة – إلا القليل – فعندما يأتي شيخ عشيرة شيعي، أو أستاذ جامعي، أو رجل عادي إلى شيوخ عشائرنا، أو علمائنا، ويظهر لهم الشكوى والتذمر من عزيز الحكيم، أو السيستاني، أو مقتذى، أو المالكي، أو يسب إيران – وقد يكون صادقاً في سبه وشكواه – يتصور شيوخنا وعلماؤنا أن هذا يكفي في سلخ الشيعي عن مرجعه، وابتعاده عما هو مخطط له من السير في الطريق الخاطئ الذي يسلكه. ويستبشرون بما رأوا وسمعوا، وربما تفاخروا به، وصاروا يتحدثون بما حققوه من مكاسب مع فلان وفلان من شيوخ ووجهاء وشخصيات شيعية مؤثرة. ويتخذون مواقف تضر بنا مقابل كلمات سمعوها، وأوهام تخيلوها. ولا ينتظرون حتى يروا موقفاً عملياً ملموساً بناء على ما سمعوه من كلام. ولا يدور ببال الكثيرين منا أن هذا الشيعي الشاكي المتذمر – حتى لو كان صادقاً – إنما هو في نهاية المطاف لن يصدر إلا عن أمر المرجع الذي كان يذمه ويتذمر منه! والسبب أن التقليد عند الشيعي دين وعقيدة. وليس هو كما عند أهل السنة. فيقع جماعتنا في مفارقة القياس مع الفارق.

 

مرض الإدمان على المرجع

والسبب الآخر نفسي. وهو لا يقل عن السبب الأول: الاعتقادي. إن الشيعي يتربى منذ نعومة أظفاره على تقديس المرجع والخضوع له إلى حد العقدة التي يمكن أن نسميها بـ(عقدة الأب). فإن الشيعي مهما تضايق من رجل الدين، وشعر أنه يظلمه ويعتدي عليه، ومهما ذمه أو تكلم عليه، لا بد في النهاية أن يعود لطاعته والاستسلام له. كما يفعل الولد البار مع والده. هل رأيت رجلاً يدمن الخمرة، لكنه يتضايق منها، ويعلم أنها تؤذيه؛ فيذمها ويسبها، ويتمنى الخلاص منها، لكنه عند حلول الظلام يعود إليها يترشفها ويشربها. فهو يلعنها في الصباح، ويصحبها في المساء. كذلك الشيعي مع المرجع. فلا يغرنكم كلام الشيعة على مراجعهم، حتى تروا موقفهم العملي منهم. والنتيجة أن العلاقة مع إيران علاقة لا تنفصم ما دام الشيعة يؤمنون بالتقليد، ويطبقونه في واقعهم ديناً وعقيدة لا يمكن لهم أن يتخلوا عنها.

هل يعلم جماعتنا أهل السنة بهذا؟ أم إنهم يستغربون كلامي؟ ويتخذون من استغرابهم له سبباً لرفضه؟

 

انتبه..! ليس كل من عادى عدوك صار صديقك

هل كل من كان عدواً لعدوك كان صديقاً لك؟ اللهم إلا على طريقة استغلال العداوة بينهما للإضرار بهما كليهما، أو بأحدهما اقتناصاً للفرصة. والحكماء عندما قالوا: “عدو عدوي صديقي” قصدوا هذا، ولم يقصدوا الصداقة الحقيقية. فلو افترضنا أن بعض الشيعة صدق في عداوته لإيران، فلا يعني هذا أنهم انقلبوا أصدقاء لنا. فالأعداء طالما يختلفون فيما بينهم. والخبراء يقولون: لا يوجد في السياسة أعداء دائميون ولا أصدقاء دائميون. إنما توجد مصلحة دائمة. فتختلف المصالح بين بعض الشيعة وإيران، وتضطرب العلاقة. ثم تلتقي المصالح وتتجدد العلاقة. ربما يختلف اليهود مع إيران إلى حد الحرب. لكن هذا لن يجعل واحداً منهما صديقاً لي. وعلي في هذه الحال أن أقتنص الفرصة لا أكثر. لا أن أطبل لهذا الطرف أو ذاك في حسابات وهمية لا تعود علينا إلا بالخسارة. فهب أن شيعياً شتم إيران، فكان ماذا؟

لقد طفح الكيل، وأمسى التدخل الإيراني في شؤون العراقيين لاسيما في الجنوب، واستعداء هذا على هذا واضحاً، ومحاربة العرب، ومن عنده بقية من أصول وأخلاق عربية – حتى من الشيعة – والتعصب للفرس، والتمييز العنصري صار الناس يعيشونه واقعاً، حتى سفاحو جيش المهدي صار بعضهم يستنكره ويشكو منه، ويذم إيران لأجله. فهل نشطب على تاريخ خمس سنين من العداوة والقتل والجرائم، من أجل أن هذه الحثالات – وقد ضربت مصالحها، وداس العجم على معاطسها – صارت تشتم إيران؟

هكذا بهذه البساطة؟!

اللعبة المزدوجة في السياسة الإيرانية

إيران تتبع في سياستها دائماً وأبداً مبدأ “اللعبة المزدوجة”. فهي تعين الضد وضده في وقت واحد. فهي تمد هذه اليد للجهات الشيعية، واليد الأخرى للجهات السنية المتصارعة معها، وغير المتصارعة أيضاً، المتطرفين منهم وغير المتطرفين! وتشجع العملية السياسية والعلاقة مع الأمريكان، وفي الوقت نفسه تشجع العمل المقاوم ضدهم! وهكذا تعمل مع هذه القوى جميعاً، ويكون لها مع كل جهة نصيب. وهي لعبة قديمة لليهود ذكرها القرآن العظيم في سورة البقرة، في قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ * ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة:85،84).

وقد ذكر أحد المهتمين بهذا الشأن أن وفداً زار أحد الدول العربية، يطعن في إيران، ويحذر منها. بينما الحقيقة أن هذا الوفد مرسل من قبل إيران نفسها لهذه المهمة.

لقد كثر الطاعنون في إيران. وكشفت الكثير من أوراقها. فوجود مجموعة من بضعة أفراد يطعنون فيها لن يغير من المعادلة شيئاً، ولن يزيد الأمر سوءاً. فلتصطنع إيران هذه المجموعة، وتتفق معهم مسبقاً ليديروا الأمور لصالحها. يتجسسون لها، ويطلعون على بواطن الأشياء لها. ويختطفون الثمرة من يد أصحابها، ويضعونها في سلتها. هكذا تلعب إيران لعبتها. فعلينا أن نكون حذرين جداً جداً في التعامل معها، ومع أذنابها، ولا نعطي الأمان والاطمئنان لكل من يشتمها، ويتظاهر بالعداء لها.

وصدق أحمد شوقي حين قال:

مُخطئٌ من ظنَّ يوما أنَّ للثعلبِ دينا

 

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: